مقالات

جمال صالح الهنيد

‏القهوة العربية… أرجل هي أم امرأة

أرشيف الكاتب
2022/03/07 على الساعة 20:48

يجنح بعض الناس إلى تشبيه الرجل بالقهوة العربية كناية عن عدم السيطرة عليه أو عدم الثقة فيه، فالقهوة العربية أن كنت تراقب بكرجها فوق الموقد وعينك عليها، تراها ساكنة لا صوت لها ولا حراك، ولربما يأخذك الملل وأنت تراقبها، وما أن تدير لها ظهرك، أو تلتفت لشيء غيرها، حتى تغلي وتفور وتفوج فوق الموقد وتصبح هباءً مسكوبًا. لذا… لابد أن تكون عين المرأة على الرجل طول الوقت، تترصد حركاته، وتحصى أنفاسه، وتمنعه من أن ينفلت وينطلق ويفوج… هكذا هو الرجل عند هؤلاء الناس. 

‏بيد أني أخالفهم في تشبيه الرجل بالقهوة العربية، فأنا أرى أن المرأة هي أنسب إلى التشبيه بالقهوة العربية من الرجل!

‏المرأة في نظري هي تلك القهوة العربية التي تتطلب اهتمامًا مبالغًا فيه، لتكون ممتعة النكهة لذيذة المذاق، فإن لم تلق القهوة ذاك الاهتمام ولم تنل تلك المراعاة و المداراة، فإنها ستغضب وتثور وتفور، وتترك صانعها نادمًا متحسرًا ولا يجد فيها‏ مراده ولا ينال منها مبتغاه. 

ومن أجل التلذذ بقهوة فائحة الرائحة لذيذة المذاق، لابد من مراعاة ‏نسبة البن إلى الماء البارد في البكرج، فإذا اختلفت هذه النسبة أثّر ذلك في طعم القهوة. كما يجب أن يوضع البكرج فوق نار هادئة، وتُحرك القهوة ببطء لمدة معينة ثم تترك وشأنها وكما يحلو لها وهي تستمتع بالتفاعل العجيب بين المتضادين… الماء والنار!

‏ولا تبدأ العلاقة مع القهوة عند وضعها في البكرج.  إن من يريد قهوة لذيذة المذاق عليه أن يختار بُنًّا عالي الجودة، حتى وإن كان غالي الثمن، فمن يطلب الحسناء، لم يُغلها المهر كما يُقال. وتتمايز أنواع البن بعد تحميصه، فهناك البُن الأسود شديد الاحتراق، وهناك القاتم وهناك البُنُّ الأبيض ‏الذي لم تلفحه  النار ولم يصهده لهيبها، وبين هـؤلاء يوجد البُنُّ الأشقر الذي هو خليط من البُن الأسود والأبيض، والبُن الأشقر متنوع النسبة، ولكل شخص ذوق خاص في اختياره لهذه النسبة؛ فهناك من يحب قهوته سمراء شديدة المرارة، وهناك من يحبها بيضاء خفيفة المرارة، وهناك من يحبها شقراء متساوية النسبة بين هذه وتلك، وهناك من يميل إلى الإقتراب من أحد الطرفين.  كل هذا تحدده العلاقة الحميمة بين القهوة ومحتسيها.

والقهوة العربية تتطلّب اهتمامًا كبيرًا من صاحبها، إبتداءً من حسن اختيار جودة البُنِ، إلى ما يُضاف إليه من بهارات، وهذه البهارات ليست منه وإن خُلطت معه، وهي ربما زادت القهوة نكهةً وطعمًا، أو أفسدتها، حالها كحال مكياج المرأة إما أن يزيدها جمالًا وجاذبيةً، وإما أن تكون ‏أصباغًا وألوانًا عديدة تزيدها قبحًا ونُفورًا. 

‏الأصل في القهوة العربية أن تحتفظ بأصالتها ونكهتها ومذاقها المميز عبر القرون، ولا تقبل التحديث ولا التجديد ولا الخلط… وإن كانت هناك ضرورة للخلط، فيكفيها مكوِّن أو إثنان، ليزيدا من نكهتها ومذاقها… حالها  كحال المرأة الجميلة التي تكتفي من المكياج بكحل في جفنها يزيد من جمال العين وجاذبيتها، وسواك في الفم يضفي لونًا أحمرًا قانيًا على الشفتين ‏وكفى. 

 هكذا هي القهوة العربية تتطلب في اعدادها اهتمامًا وحنوًا وتركيزًا، وإياك أن تلتفت إلى غيرها أثناء اعدادها، فإن فعلت ذلك، فستكون ردة فعلها غضبًا تراه في فورتها وحنقًا تشاهده في فوجتها، وتعطيك مذاقًا غير المذاق الذي كنت تنشده وتخسر ذلك الوجه الذي تراه على سطحها والذي يميزها عن القهوة الأجنبية، ذاك الوجه الذي كنت ستستمتع به عند ارتشافها…  إذا لم تراع هذه كله، فستصبح قهوة بلا وجه كامرأة جسد بلا روح.

وعندما أقرأ ‏ما يكتب عن القهوة في وسائل التواصل الاجتماعي، اُلاحظ أن الأمر وصل عند بعضهم مرحلة الإدمان، فلا بد من احتسائها آوان الصباح وآوان العصر، وكأنه موعد مع حبيبة ينتظرها بلهفة وشوق، بل بلغ به الأمر حدًّا  ألاّ يسمح لعقله ولا لقلبه نسيان ذاك الموعد، فإذا ما تخلّف عن موعده ولم يحتسيها في وقتها المحدد، عاقبته قهوته تلك بصداع شديد يجعله ‏يشعر بفقدها ويندم على نسيانها، ويدرك حينذاك أنها غيورة تكره الإهمال وتمقت الجفاء. 

‏ولا تنتهي هذه الطقوس عند موعد الجلسة مع القهوة وطريقة اعدادها وما يقدم معها من حلويات وما يصاحبها من موسيقى وأغاني فحسب، بل تشمل أيضا نوع الفنجان الذي تُقدّم فيه، فلابد أن يكون الفنجان من الخزف أو البورسلان السميك المحاط بوعاء وغطاء من الفضة. وإذا شعَرَتْ القهوة العربية بأن مكانتها اهتزّت في عين محتسيها، ولم يقدّر لها قدرها، ويلتزم بطقوسها ومواعيدها، فإن طعمها سيتبدّل ونكهتها ستتغيّر ووجها سيختفي. 

‏لست ادري إن كنتُ قد أعطيت القهوة العربية حقها في الوصف؟! لأنني لست من عشّاقها، وليس بيني وبينها ذاك الارتباط العاطفي الذي يتجسد في تلك الطقوس. إنما أنا من محبي ومدمني القهوة الأمريكية!

جمال صالح الهنيد 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع