مقالات

د. محمد بالروين

أزمتنـا أخلاقيـة يا سادة!

أرشيف الكاتب
2022/01/29 على الساعة 02:07

المقصود بمصطلح "الأزمة" هي نقطة التحول أو الاوقات الصعبة التي يعيشها شعب او دولة ما، تتطلب اهتمامات جادة ومواجهة تحديات غير مستقرة وخطيرة، وضرورة اتخاذ قرارات مصيرية وصعبة وفي وقت سريع. بمعني أخر، هي الفترة التي يحدث فيها نقصُ شديد او عجز كبير او انخفاض حاد في قيم ومكونات حالة او منظومة معينة مما يؤدي، اذا لم يتم التعامل معها بسرعة، إلى نتائجَ كارثية ومدمِّرة للفرد والمجتمع  في الدولة.

أما المقصود بمصطلح "الأخلاق" فهي منظومة القيم والمبادي التي يعتبرها شعب ما جالبة للخير وطاردةً للشر، ويعتبرها مرجعية فكرية وثقافية يستلهم منها اعماله وسلوكياته يوانظمته وقوانينه، وهي العامل الأساس لرقي الدول والمجتمعات واستمرارها، وهي عملية ضرورية لإعداد النخب والقادة السياسيين لكي يكونوا قدوة ومثل أعلي لأتباعهم ولكل من حولهم، وهي ايضا مهمة وضرورية لمحاربة الفوضي والفساد والاستغلال المتفشي فى مؤسسات الدولة.

والسؤال المهم هنا: متي يمكن القول ان دولة ما تعيش أزمة أخلاقية؟ اي ان منظومتها الاخلاقية قد تراجعت بدرجة سريعة وكارتية؟ والحقيقة ان للمرء ان يعرف ذلك عندما تختفي او تضيع أهم القيم الاساسية المشتركة بين افراد مجتمعها، وتحل محلها شعارات ومصطلحات جوفاء ليس لها تعريف واضح ولا محدد حتي عند من ينادون بها، وعندما تصبح السلطة في هذه الدولة الهدف الوحيد لنخبها، ويصبح ال سياسي فيها ضحية غرائزه الشخصية، ويكون هدفه الوحيد البحث عن اللذة والمتعة والحصول علي اكبر قدر من الثروة بأي وسيلة ممكنة ومن اي مكان، ودون الخوف من اي رادع يردعه، وعندما تصبح الرشوة شرط اساسي في التداول وامر مطلوب لتحقيق الصفقات الاقتصادية والسياسية، وعندما لا تحترم النخب السياسية المواثيق التي تعهدت بها، حتي لو كانت هذه المواثيق قد كتبتها بنفسها وفصلتها علي مقاسها الخاص! عندما يحدث كل ذلك، أعلم بان تلك الدولة تعيش أزمة اخلاقية خطيرة ومُكتملة الاركان.

أهم القيم الاخلاقية 

 لعل من أهم القيم الاخلاقية الضرورية لإنجاح واستمرار اي نظام سياسي هي الآتي:

1. النزاهة
تعنى ببساطة ان يكون السياسي أمينا وصادقا ومخلصا. وبمعني آخر، تعني الامتثال لقوانين الدولة في جميع الاماكن وكل الأوقات، وعدم استغلال الفرص والمزايا المتاحة له.

2. الحياد
يمكن القول، من حيت المبدأ، ان الانسان كائن أخلاقي بطبعه. بمعني يولد في حالة حياد تام، ومنها ينظلق لاكتساب قيمه وسلوكياته الاخرى، سؤء ان كانت ايجابية ام سلبية، نافعة او ضارة، ويحددها المحيط الذي وجد فيه وحسب اختياراته المصلحية. وعليه علي كل مسؤول يريد ان يكسب ثقة اغلبية مواطنيه ان يكون حياديا عندما يتطلب الوضع ذلك. بمعني اخر، يجب علي المسؤول الا يُغلب طرف علي طرف آخر، وان يحاول الوقوف مع ما يعتقد انه الحق، والإفصـاح عـن أي تضارب فـي المصالح، وان يرفض اي هدايا او مزايا تتجاوز القيمة التي يحددها القانون بغض النظر عن اسبابها واغراضها.

3. الاحترام
بمعني الاعتراف بالاختلافات وتقديرها، ومعاملة الآخرين بتواضع وكياسة، والتحلي بـالوعي وممارســة ضـبط الـنفس. فالاحترام مُكون من اهم مُكونات القيم الأخلاقية، أذ يمكن الحكم على شخصيتك من خلال الطريقة التي يراك بها الآخرين ومن خلال كيفية معاملتك لهم. وعليه ان احترام الاخرين واجب على كل شخص يريد ان يُحترم. ولا يجوز التقليل من الاخرين ولا نبذهم، لان احترامهم يبني ويعزز الثقة والأمان بين الناس، ويُتيح الفرصة للفرد علي أن يُعبر عن نفسه دون خوف أو تردد، وعند ذلك تسود المحبة بين الجميع.

4. الالتزام
بمعني يجب علي المسؤول السياسي تأدية واجباته ووظائفه بالطرق القانونية والمهنية، والمحافظة على المعايير المطلوبة، واستعمال علمه ومعرفته الفنية والتقنية بالاساليب البنّاءة، ولما فيه صالح الوطن والمواطن. وبمعني اخر، ان الالتزام هو واجب يتطلب من كل مسؤول القيام به والمداومة عليه لصالح نجاح الدولة وازدهارها، ولا يجب تركه أو التخلف عن أدائه مهما كانت الظروف.

5. الكفـاءة
بمعني هي الاعتماد علي المعرفة والمنطق والخبرة، وهي تعني وجود الشخص المناسب، في الوقت المناسب، في المكان المناسب، وتعني التوظيف العقلاني والمنطقي لموارد المؤسسة البشرية والمادية المتوفرة للمسؤول. وبمعني اخر، تعني الاستخدام الانسب والأمثل للموارد المتاحة لتحقيق حجم أو مستوى معين من المخرجات بأقل التكاليف وفي اسرع وقت ممكن. ويمكن اعتبار الكفاءة من أهم معاييرومقاييس التقدم والنجاح لمؤسسات الدولة في تحديد مستقبلها وتحقيق أهدافها.

6. المساءلة
بمعني يجب علي المسؤول ان يقوم بواجباته ويتحمل مسؤوليته، ويعترف بأخطائه، وان يؤدي مهام وظيفته بأفضل ما في وسعه. بمعني يجب علي المسؤول تحمل المسؤولية عن كل قراراته وعواقب تصرفاته. وبمعني اخر، يجب عليه ان يكون مسؤول عن أفعاله، ومستعدا لتوفير التبريرات المنطقية والعملية والمقبولة لاتخاذ قراراته وإجراءاته.
 

7. الشفافية
من بديهيات الامور، ان الشفافية هي عكس السرية. بمعني ان تكون افعال ونشاطات المسؤول علنية، وان تكون المعلومات حول المواضيع التي يتعامل معها متوفراً للجميع. وبمعني اخر، ان يقوم المسؤول بنشاطاته واعماله وتنفيذها باساليب مفتوحة وواضحة. وعلي كل مسؤول ان يدرك ان الهدف النهائي من الشفافية هو الوصول الي أهداف سامية، وتحقيق قيم نبيلة لعل من اهمها - ممارسة الصدق والأمانة والاخلاص في القول والعمل.

الخلاصة
اذا سلمنا بالمؤشرات والمعايير السبع المذكورة اعلاه، أي: النزاهة والحياد والاحترام والالتزام والكفـاءة والمساءلة والشفافية، واعتبرناها مقاييس ومعايير ضرورية لوجود (او غياب) أزمة أخلاقية في دولة ما، فان المرء يمكن ان يستخلص، وبكل وضوح، ان الوضع السياسي الليبي يعيش هذه الايام أزمة اخلاقية حادة وخطيرة صنعتها، للأسف الشديد، النخب السياسية المُسيطرة علي المشهد مند 2011، تحت شعار"شرعية الامر الواقع،" وسيطرة "السلاح والمسلحين المرتزقة والوطنيين!"

وفي اعتقادي، ان السبب الرئيسي لهذه الازمة الأخلاقة يعود إلى غياب الاشتراك في القيم والمبادئ الأساسية، واحترام ما تم الاتفاق عليه بين هذه النخب. فمن المؤسف ان تجد هذه النخب لا تلتزم بما توافقت عليه فيما بينها، ولا تحترم مواثيقها وتعهداتها التي كتبتها بنفسها، ولا تنظر للسلطة الا انها مجرد هدف في حد ذاتها، وليست وسيلة لبناء الدولة وتطوير المجتمع.

وتناست هذه النخب إن السياسة الحقيقية تتطلب، من الذين يمارسونها، أن يكونوا أخلاقيين في اعمالهم وسلوكيتهم، وان يلتزموا بالقيم السبعة التي ذكرتها اعلاه، أي بالنزاهة والحياد والاحترام والالتزام والكفـاءة والمساءلة والشفافية، اذا ارادوا النجاح وتحقيق احلام شعبهم؟

وتكمن أهمية هذه القيم الأخلاقية السبع في أنّها تلعب دورًا اساسيا ومهمًا في حياة المسؤول، وتؤثر بشكلٍ مباشر في عمله وسلوكه وتصرفاته، وتساعده على الوصول لاهدفه في حياته المهنية وفي كيفية تعامله مع الاخرين، ومع المواقف الصعبة التي تواجهه، وترشده الي فعل الصواب واختيار المهام والمناسبة له. وعليه، علي كل من يريد ان يتعاطي السياسة ان يدرك انه لا يمكن، باي حال من الاحوال، فصل الأخلاق التي يعيشها شعبا ما عن مجالها السياسي التي وجدت فيه، وفي هذا الصدد يقول امير الشعراء احمد شوقي:

إِنما الأمم الأَخلاقُ ما بقيت ** فإِن هم ذهبت أَخلاقهم ذهبوا.

فهل يمكن ان تستوعب نخبنا السياسية الحاكمة هذا الدرس الاخلاقي المطلوب لإصلاح ما يمكن اصلاحه وإعادة بناء دولتنا الحديثة التي يحلم بها شعبنا المظلوم؟! ادعو الله ان يتحقق ذلك.

أخيرا يا احباب، لا تنسوا ان هذا مجرد راي، فمن أتي براي أحسن منه قبلناه، ومن أتي براي يختلف عنه احترمناه. والله المســـتعـان.

د. محمـد بالروين

غومة | 30/01/2022 على الساعة 18:49
الاخلاق يجب ان تترجم الى قوانين وموسسات…!
لو كانت هنالك مشكلة اخلاق فانها تكمن في عدم تحديدها وتقنينها وايجاد الروادع لمن يخالفها. ليبيا لم تبني تصغ القوانين وتبني الموءسسات وتربي الاجيال على احترامها والحرص على سلامتها. فترك الاخلاق والمثاليات في ايدي الافراد كان من خصائص المجتمعات البدائية البسطيه. التطور والحضارة يقاس بمدى دقة القوانين وحرص الموسسات وغيرة المجتمع على ما اتفق علية. اننا في القرن الواحد والعشرون وترك الافراد وضمائرهم ليس من خصائص المجتمعات والدول الحديثة. الاخلاق الضمير، المسوولية والتفاني في العمل ليست هدايا تنزل من السماء وانما عمل يومي جاد من قبل كل افراد المجتمع. خطب المساجد والمثاليات وانتظار ان يصحوا الافراد ويخافوا ربهم ليست من خصائص العصر. القانون وعواقب من لا يلتزم به هي التي تسير السياسة وبقية امور المجتمع. كل الحث والكلام الجيد حيبقى هراء في الفضاء ما لم تكن هنالك مواطنون اوفياء وموسسات نشطة وصحافة حرة وفعالة ومحاكم وسجون وغيرها من ذلك القبيل. Leave preaching to the Imams, writers should talk reason and what is possible.
حميد البيجو | 29/01/2022 على الساعة 16:33
ازمة الأخلاق , ام ان كونها أخلاق الأزمة ؟ !!!
في البداية اولاً ودا ان تقدم بالشكر والعرفان للسيد الدكتور محمد بالديون على مساهمته الإيجابية حيث يطبع عليها طابع الانتقائية والدقة المتناهية في اختياره لموضوع الساعة . لنا فيما يتعلق بالأزمة التي تطرق تليها الكاتب بشرح واضح ودقيقة تود بعد ان يسمح لي بالأذن بأن اضيف الى ما تفضل به وجهة نظر متواضعة حيث ان ازمة بلادنا تتمثل في ما اوصلنا اليه القابعين عنوة على المشهد السياسي في تحوير وتشويه الخلاق من اخلاق نبيلة كما ينبغي الى اخلاق قذرة فاسدة شوهة بذلك المشهد بصفة عامة وبذلك اعتقد ان اخلق الأزمة هو إنتاج هؤلاء الأوغاد المسيطرون على خشبة المسرح السياسي والأمني والعسكري والاقتصادي في البلاد !!!
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع