مقالات

محمد نجيب عبد الكافي

حبيبتي (22).. المرأة الإفريقية

أرشيف الكاتب
2022/01/29 على الساعة 02:08

أولى زياراتي لإسبانا كانت في مستهل الستينات من القرن الماضي، وكانت زيارة سياحية استطلاعية تثقيفية بحتة. قضيت شهرا كاملا، فتنقلت في ربوعها شمالا وجنوبا، واطلعت وتعلمت وتثقفت، كما تثقف وتعلم الرحلات، فكان حصادي مباركا لم يخل من التعجّب. كانت سنّتي التي لا أحيد عنها هي أني لا أقوم بترحال إلا منفردا، وكان لي نظام يومي لا أتبع غيره. يبدأ يومي، بعد الفطور وإلى الغداء، مكرّسا للزيارات والاكتشافات التاريخية والأثرية بما فيها المتاحف. بعد استراحة الغداء جولات ارتجالية اجتماعية، ألاحظ أثناءها وأراقب الناس وتصرفاتهم، وأتصل بهم متى أمكن، للتعارف والحصول على ما يمكن من معلومات عن الحياة الاجتماعية، العقائدية، الاقتصادية، السياسية، وما يفيد ويثري المعرفة. بقيت السهرات فهي خاصة بالمسارح والفنون، ونزوات الشباب أيضا. فمما أدهشني في إسبانيا وتعجبت له كبير العجب آنذاك، هو ما علمته حول المرأة وحقوقها، إذ أعلمني كم واحد وواحدة، أنها فاقدة أكثرها، وهي رهينة الرجل خاضعة لإرادته، لا حق لها في المتاجرة، ولا في الحصول على جواز سفر، ولا حق القرض أو التفويض، وغير هذا، إلا بموافقة الرجل أبا كان أو زوجا.

دفعني تعجبي إلى معرفة المزيد فوجدت أن قانون الحالة المدنية الساري به العمل يومئذ، ووضع المرأة يسير بموجبه، صادر يوم 16-8-1889، ففهمت ما عليّ أن أفهم، وتركت الأمر رهن الزمن والأوضاع. تغيرت هذه بعد وفاة الدكتاتور وبعد التحول المثالي إلى الملكية الدستورية، وما تلا ذلك من تغيير وتحسين وتطوّر وتقدم، فها هي المرأة شرعيا، تتمتع بما هو لها، وتطالب كل يوم بالمزيد. لا غرابة إذن، أن تعجّ إسبانيا بالحركة والنشاط المتابع، والمدافع، والمطالب، بحقوق المرأة في أي ركن من أركان عالمنا المليء ظلما واعتداء وسلب حقوق. فالمرأة الأفغانية، والإيرانية، والفلسطينية، والإفريقية، مثلا، حاضرة في أي تحرّك نسائي إسباني، وما أكثره.

طبيعيّ إذن، أن نرى ما تم أخيرا هنا في مدريد. ففي إطار برنامج " رايسا " الذي يعمل بدفع من وكالة التعاون الدولي والتنمية الاسبانية التابعة لوزارة الخارجية، وبمشاركة كلّ من البيت العربي ومنظمات نسائية، استدعي وفد نسائي مكوّن من عشرين امرأة قيادية، آتية من حوض البحر المتوسط وإفريقيا، فزرن إسبانيا من 24 الى 30 أكتوبر بغية توطيد العلاقات مع مؤسسات إسبانية عمومية وخاصة، وكذلك مع أعوان من المجتمع المدني. استقبلت المدعوات من جانب جلالة الملك فيليبي السادس، وقد رافقتهن وكيلة الدولة للتعاون الدولي بيلار كنثيلا رودريغث. وزرن "الكونغراس" مجلس النواب، حيث أعطين بسطة ضافية عن تكوينه وقوانينه، وطرق عمله ومختلف اختصاصاته، كما قمن بجولة استطلاعية للمبنى التاريخي وأقسامه، تحت إشراف دليل مختص. اجتمع الوفد أيضا بوزير الخارجية والتعاون الدولي والاتحاد الأوربي، وبوزيرة العدل، ضمن نشاطات أخرى مركزة على معالجة، ونقاش، وفهم وضع المرأة في منطقة البحر المتوسط وإفريقيا.

إن برنامج "رايسا" الذي بموجبه استدعي الوفد، يهدف إلى الإصغاء لصوت النساء الإفريقيات، وإعطائهن الكلمة، وضبط خطوط تعاون ممكنة بين إسبانيا والقارة الإفريقية. فداخل هذا الإطار، أجرى الوفد النسائي الإفريقي المتوسطي، سلسلة من الحوارات، والموائد المستديرة، وذلك لمناقشة، وعرض القوى والإمكانات، ومعرفة التهديدات، والتحديات، التي تجابهها اليوم النساء الإفريقيات. إن برنامج رايسا، قد حصل على التمتع بمساندة البيت الإفريقي، والبيت العربي، وبيت البحر المتوسط، كما ساهمت فيه أيضا مؤسسة النساء الإفريقيات، مساهمة نشطة، في التنظيم المشترك لهذا البرنامج ونجاحه. إن هذه المبادرة ببرنامجها ليست الوحيدة ولا هي منفردة، بل ليست سوى نموذج، من النشاطات، والمنتديات، واللقاءات والندوات المحلية والمشتركة دوليا، المتعدّدة، التي تقيمها وتنظمها حول المرأة وحقوقها، ووجوب حصولها على المساواة في كل مظاهر الحياة وأنشطتها، لا بالنسبة ولصالح المرأة الإسبانية فقط، بل المرأة عالميا، مع التركيز والاتصال وإيجاد مجال للتعاون والشراكة وتوحيد الجهود، بهدف الحد من الظلم والاعتداء، الذي كثيرا ما يكون بالعنف والشناعة.

إن ما أعرفه وأحصيه، من جمعيات ومؤسسات نسائية في إسبانيا، يبلغ خمس عشرة مؤسسة، ولا أظنني بلغت الحقيقة، لأن الأقاليم السبعة عشر المكوّنة منهم إسبانيا سياسيا وإداريا، يتمتع كل إقليم منها باستقلال داخلي يشمل معظم المصالح المحلية. فمن المؤكد أن بكل إقليم جمعية أو مؤسسة نسائية واحدة، على أقل تقدير، فها نحن إذن أمام سبع عشرة قوة أخرى تضاف لما سبق. أين كنا وأين أصبحنا؟ كما تعبّر عنه المقولة الشعبية لدينا. فما بالأمس من قدم، والمرأة الإسبانية زينة ورفقة، مبجلة محترمة أي نعم، لكنها مغتصبة حقوقها الطبيعية والشرعية، فما كان منها إلا أن تأخذ الثور من قرنيه، كما يقول المثل هنا، أي أن تبادر بتصميم وإرادة وثبات، ولا تعوّل إلا على نفسها، فثارت وقاومت تحت النظام الدكتاتوري التعسفي، فصنِّف نضالها في خانة النضال السياسي. هل كان نضالا سياسيا كما ادعت السلطات يومئذ؟

طبعا، لأن المرأة ما هي سوى مواطنة تشعر وتحس وتتأثر وتتألم وتفرح وتُسرّ وتسعد بسعادة وطنها ككل المواطنين. لكنها كانت تعلم وتتيقن أيضا، أن نضالها السياسي غايته الحرّيّة، وهذه ضامنة الحقوق جميعها، لا تستثني امرأة ولا رجلا. لا أزال أذكر الفرحة العارمة والتظاهرات المرحة السعيدة، التي عمت البلاد يوم 22 يونيو 1981 عندما أعلنت نتيجة تصويت البرلمان بالموافقة على قانون الطلاق بأغلبية 162 صوتا، ضد 128 وسبعة أصوات ملغاة. كانت الهتافات، والمناداة بالحرية، والضحكات، في كل شارع ومكان، وما لفت الانتباه أكثر، هو أن الفرحة شملت الكثيرين من الرجال فشاركوا في تعبيرهم عن مشاعر الرضا والقبول.

إن المرأة الإسبانية مرّت طوال فترة غير قصيرة، بمرحلة كانت فيها شبه مهمّشة، بينما هي تتثقف وتتعلّم وتتبصّر، فناضلت حتى انتصرت، وها هي اليوم تقف إلى جانب أختها المعتدى على حقوقها، وخاصة المعتدى عليها فعليا وجسمانيا، وتحاول بما لديها من إمكانات ووسائل، مساعدتها على الخروج من الضيق إلى السعة، من العسر إلى اليسر، لأنها ذاقت وجرّبت الحرمان من الحقوق والحرية، وبعضها ناله العسف والإهانة المعنوية والجسدية، وهذا لا ترضاه لغيرها من أخواتها في أي مكان. أما اليوم فالمرأة الإسبانية متمتعة بحقوقها، ولا زالت تطالب بالمزيد. فهل يبلغ الأمر إلى ترك النظام العائلي الأبوي فتترأسه المرأة؟ ليس ذلك مستحيلا. لكن ما لا يعلمه الرجال، أو لا يريدون علمه، هو أن المرأة هي الحاكمة الناطقة في البيت وحتى خارجه. أليست هي سيدة البيت، ربة البيت، أم البنين؟ أليست الكلمة الأخيرة كلمتها؟ بلطف، أو بابتسامة، أو بدمعة، أو حتى بأكلة شهية متقنة، تقدّمها " للطاغية المتبجح " فيصبح طينة ليّنة تكيّفها كما تشاء. لكن "هذا غناء آخر" كما يُقال هنا إذ هو حديث ذو شجون.

محمد نجيب عبد الكافي
مدريد في 4-10-2021.

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع