مقالات

محمد نجيب عبد الكافي

خواطر خاطرة.. أنـــيـــس

أرشيف الكاتب
2022/01/26 على الساعة 21:15

أنـــيـــس، تعرّفت عليه بضاحية تونس جنوبا بمدينة حمام الأنف، ذات الثالوث السياحي الصحّي، ماء البحر وشاطئه، حمّامان شهيران بمياههما المعدنية الحارّة، والجبل المنيف بخضرته وزهوه. كنت أقطنها وجاءها هو ليلعب الكرة. كنت فيها – كما يقول العامة، "كيف الطير الأبرق"، واشتهر هو فيها بحذق رجليه.

تعارفنا ولا أقول تصادقنا لأن الكرة حالت دون ذلك. فهي له مهنة وهواية، وهي لي صخب وصياح، وإلى اليوم هذا والساعة، لا أفهم منها إلا جزئيّتين، الركنيّة والهدف. رغم هذا كنا نتقابل كثيرا، يوميا تقريبا، لأني كنت أقطن على سفح الجبل وعلى ملمس من دار الباي، أو قصر الملك، وهو أيضا لأنه كان منتسبا لفريق حمام الأنف لكرة القدم، ومؤسس هذا الفريق وصاحبه ومسؤوله الأول هو صلاح الدين باي، ابن الملك وصديقي الوفي، فنان عازف عود ببراعة، وذو صوت رخيم طروب. رحمهم الله جميعا. قضى أنيس ما كتب الله وما حدّده عقده مع الفريق، ثم غادر عائدا إلى الوطن تاركا سمعة طيبة وأصدقاء كثيرين، ما انفكوا يذكرونه بخير وثناء وأسف على فراقه.

كان أيضا بحمام الأنف، وفي نفس الفترة تقريبا، حارس المرمى الشهير، عبد الحفيظ بيزان، ذو الوجه الصبوح والطلعة البهية، الذي ترك هو الآخر أحسن الأثر، لا لمقدرته الرياضية الموصوفة بالعالمية من ذوي المعرفة فقط، بل مثل أنيس، بالسلوك الحسن، والأخلاق النبيلة، والأدب المتناهي. ثمّ شاءت الأقدار أن أُجْبر على ترك مسقط الرأس وأحط رحالي بليبيا، بعاصمتها طرابلس لؤلؤة أو جوهرة البحر الأبيض المتوسّط آنذاك، فصادقت وعاشرت وتعاملت مع الكثيرين، وكيف لا، أنيس من بينهم وفي مقدّمتهم.

إني أتحدّث عن أنيس، أو ونيس حبيب الله، ذلك الإنسان، الصغير جسما، العظيم – والعظمة لله – أخلاقا وأدبا، الخفيف روحا وحضورا، الباسم للحياة ولو كشرت، مرح طروب، سريع البديهة، دقيق الملاحظة، يُعلّق وينقد، أو حتى يعاتب، بلطف ودعابة وحتى بسرور. تلازمنا طوال سنوات عديدة، فلم أر منه ولم أسمع عنه إلا الثناء وأحسن الأوصاف. كنا إذا تجوّلنا، خاصة في شوارع الأحياء الشعبية كالظهرة مثلا، قابله الشباب والأطفال بالهتاف والمناداة باسمه، فيعلّق هو ليقول لي: "هذا جمهور المعجبين" مستعملا الكلمة الأجنبية الشهيرة "فان" ويضيف "كل حد وقسمه" مقارنا بنوعية المعجبين بكبار الممثلات والممثلين أو المطربات والمطربين. كان خير جليس، يكره نقد أو ذمّ أيّ أحد إن لم يكن حاضرا. كانت له آراؤه الخاصة سياسيا ووطنيا واجتماعيا، يعلق عليها غالبا بكلمة واحدة تكفي وتُعبّر وتضحك أو تُبسم. فقدت الكثيرين من الأصدقاء عندما استأنفت ظعني وابتعدت، لكن، ما أن حططت رحالي وعرفوا أين، حتى اتصلوا بي، وكان أنيس في مقدّمتهم ومن الأولين المسارعين في لقائي، فزارني رحمه الله، في هذا البلد الذي أواني وفي عاصمته مدريد.

استقرّ بعد ذلك في العاصمة المعزّيّة، القاهرة، أم الدنيا على حد تعبير إخواننا المصريين، فبقينا نعمل بما قاله المطرب الشهير فريد الأطرش رحمه الله، "كفاية أشوفك من بعيد لبعيد * ولو قضيت العمر كلّه وحيد * أو كما قال شاعر الأندلس المبدع ابن زيدون، لحبيبة قلبه ولادة بنت المستكفي بالله، الأميرة الشاعرة هي الأخرى، وصاحبة" نادٍ أدبي "ببيتها: أَضحى التَنائي بَديلاً مِن تَدانينا * وَنابَ عَن طيبِ لُقيانا تَجافينا. لم يكن بيني وبين أنيس أيّ تجافٍ بل هي سنة الحياة التي قال عنها الشاعر الأندلسي الآخر أبو البقاء الرُّندي" وهذه الدار لا تُبقي على أحد * ولا يدوم على حالٍ لها شان*. فبقينا على اتصال بالرغم من المسافات إلى أن لبّى نداء ربّه وسبقنا إلى دار الخلد والحساب، عسى أن يكون يسيرا له ولنا يوم نلحق به.

تذكرت أنيس، وشكرت الله على مصادقتي له ولمثله، تحت وطء ما أشاهده وألمسه يوميا، من سوء أخلاق، وذمّ ونميمة، وصداقات كاذبة، وجري وركض وراء مادّة فانية وحاضر زائل. صدق شوقي بقوله: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت... فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا» فتمسك أنيس بالأخلاق الحسنة فكان مثالا لها وتجسيما. فيا أيها الصديق ونيس حبيب الله – ما أجملهما من اسم ولقب - إلى اللقاء في رحاب الجنّة يا مؤنس أنيس بحول الله ومشيئته.

محمد نجيب عبد الكافي
مدريد في 23-12-2021.

* الصورة: من اليمين سلام قدري المطرب المشهور وونيس حبيب الله و؟.. وعلي الزقوزي رحمهم الله جميعا من منشورات صفحة ارشيف المشجعين.

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع