مقالات

جمال صالح الهنيد

اشيروا علي معشر الأصدقاء!

أرشيف الكاتب
2022/01/20 على الساعة 22:02

كانت هي ابنة الجيران، الفتاة التي خفق قلبه العذري لها، وكان هو الفتى الذي خفق قلبها العذري له. وتواءم الخافقان بنبضٍ واحد، استمر خلال مرحلة الدراسة الثانوية. حب بعذريةٍ؛ لم يكن قبله حب. وبطهارةٍ؛ لم تنجسه فاحشة. وصفاءٍ؛ لم تكدره شائبة. ونقاءٍ؛ لم يخالطه قذى. وعلوٍ؛ لم تضعه نقيصة. وشرفٍ؛ لم يمسه عار.

لم يكن بينهما إلاّ نظرات في الشارع، يترصدها وهي في طريقها إلى ومن المدرسة، فإذا التقت العيون ابتسم لها، فبادلته ابتسامةً قصيرة، تواريها عن أعين المارة ولكن تفضحها وجنتاها بتوردهما خجلاً كلما ازداد منها اقتراباً... ولولا أن أخته كانت صديقتها وسفيرته إليها... لما وصلت لها ومنها رسائل.

ذهب عاشقنا هذا للجامعة ليواصل دراسته وأكملت عاشقتنا دراستها الثانوية... وما إن انتهت منها، حتى تقدم لطلب يدها ابن عمها، وما كان لها أن ترفضه. فهي البنت التي لا تخالف أمر أبيها أبداً، فلأبيها في قلبها مكانته وهيبته وجلاله وقدره وحبه، وعندها ثقة في حسن اختياره لزوج كفء لها. وليس في ابن عمها ما تكره، بل فيه من صفات الرجولة والأخلاق الحميدة والرفعة والورع والوسامة ما يدفع كل فتاة في القبيلة إلى الحلم بالزواج منه والاقتران به.

فكان الزواج... وأصبح الحبيب الأول ذكري باهتة، سرعان ما طوته الأيام وتلاشي من ذاكرتها. وعاشت صاحبتنا في كنف زوجها كأهنأ ما ترجو الحبيبة، وأحب ما تكون الزوجة وأعز ما تكون ابنة العم. ورزقها الله منه بثلاثة أولاد، ومع كبر الأولاد، كبر الحب، بروافده كلها التي اجتمعت حتى فاض الحب فيضاناً، فهي الحبيبة وهو حبيبها، وهي الزوجة وهو زوجها، وهي ابنة العم وهو ابن عمها، وهي أم الأولاد وهو أبوهم.

ولقد كان زواجهما زواجاً مثالياً اشتهر في القبيلة، ولكل من يعرفهما... وما كان لزواج كهذا أن يمضي دون أن تلتهمه أعين الناس ويقت نصه الحسد. ويحطم صرحه القدر. ففي طريق مساعد - طبرق، ذاك الطريق الذي يُعرف بطريق الموت، لكثرة الحوادث المميتة فيه، تصطدم سيارة شاب طائش بسيارة الزوج فيموت الزوج في الحال.

***

كتبت الأرملة بعد ست سنوات من وفاة زوجها: 

"كان زوجي أجمل شيء في حياتي. وكان زواجنا أجمل الصدف، وكان لقائي اليومي به أجمل اللقاءات. كنت أتهيأ له كما ينبغي أن تتهيأ الزوجة لزوجها، فلا يرى مني إلاّ ما يسره، ولا يشم مني إلاّ ما يرغّبه، ولا يسمع مني إلاّ ما يحبه، كنت أخاف الله فيه، أسعى لمرضاته وكان يبادلني الحب حباً، والود وداً والاحترام احتراماً.

كنت أترقب مجيئه كل يوم، واستعجل وصوله من عمله، أنظر إلى عقارب الساعة، وأنصت لصوت سيارته، وأتطلع من حين إلى حين إلى النافذه، أنتظر بلهفة وشوق ساعة دخوله، فإذا دخل؛ جئته أجري كما تجري الطفلة للقاء ابيها، وأرمي نفسي في حضنه، ولا اتركه حتى ارتوي منه، أبثه لواعج الشوق، ولهفة التوق، فلما وهبنا الله ولدنا الأول؛ أسلمه له فيحتضنه من بعد حضني، ولما وهبنا الله ولدنا الثاني، يستلمه بعد حضن الولد الأول، ولما وهبنا الله ولدنا الثالث يستلمه بعد حضن الولد الثاني، حتى كنت أنا أول الحاضنين ورابعتهم. وكنت حريصة أن يفعل الأولاد هذا معه كل يوم، فما كان يتأخر عن المجيء للبيت لأنه كان يعرف أن هناك أربعة قلوب متلهفة للقائه، تواقة إلى حضنه". وتمضي كاتبة: "إذا صُنفت السعادة، كانت حياتي معه أجمل صنف منها، فقد أسعدني رحمه الله وأحسن إلي...".

ما يخطر ببالها أن تفكر في الزواج مرة أخرى أبداً... ولكن عاشقنا القديم عاد إليها من جديد، بعد ثلاث سنوات من ترملها، يطرق باب قلبها الصدء، ويسمع أذنها الصماء، وتحت اصراره، سمحت له أن تسمع منه، ولها الآن ثلاثة سنوات أخرى تسمع منه وهو مصر على الزواج منها، راضياً بأي شرط تشترطه.

فقالت له إن لها شرط واحد، وتعرف أنه لن يقبله، فأكد لها أنه سيقبل بأي شرط. طلبت منه ألاّ يجيبها في الحال، بل يفكر في الطلب، ويستشير ثم يرجع إليها بقراره، وذكرت له الشرط. اتصل الرجل بي، وأخبرني بالشرط، وسألني المشورة، فاحترت ولم أعرف بماذ أجيبه، ثم خطر علي أنا ستشيركم معشر الأصدقاء، فلعلي لا أعدم منكم رأياً صائباً، وحكماً حصيفاً.

قالت له: "إني أقبل الزواج منك بشرط واحد، أن ننتقل من هذه المدينة التي عاش فيها زوجي ودفن، إلى أي مدينة أخرى. لا أستطيع أن أعيش كزوجة لرجل آخر في هذه المدينة، كما أن أخ زوجي تقدّم لطلب يدي بعد انقضاء عدّتي، فرفضت بحجة إنني لا أريد الزواج، وإنني أوقفت حياتي على تربية أولادي ورعايتهم، فسيثير غضبه وغضب أسرته رفضي له ومخالفتي لحجّتي ولعذري الذي اعتذرت له به، وربما انتقمت عائلة زوجي مني وأخذوا أولادي".

فهل ينتقل صاحبنا معها إلى مدينة أخرى ويترك أهله وإخوته وأصدقائه وذكرياته ويواجه مشاكل أهل أرمل حبيبته وتحدياتهم، أم يعتذر لها عن قبول الشرط ويمضي كلٌ منهما في حاله؟! لا يخفى عليكم أنه يحبها حباً جماً، بدليل إنه انتظرها كل هذه السنوات، وراضٍ بها زوجة ثانية وبأولادها أربّاء مع أولاده الخمسة.

جمال صالح الهنيد

هشام بن غلبون | 22/01/2022 على الساعة 01:07
لابد من إتاحة فرصة جديدة
مهيش واعرة بالحيل راهي يا بولهنيد ... وطلبات الحبيبة منطقية وما هنش شروط تعجيزية في تقديري ... فهكذا مشاعر وحبّ لا ينبغي أن يُحكم عليه بالإعدام أو أن يُدفن، ولابد من إعادته إلى الحياة ... ليعيد الحياة إلى صاحبك، ولمن حوله ...
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع