مقالات

إبراهيم محمد الهنقاري

علي مصطفى المصراتي.. وحديث الذكريات

أرشيف الكاتب
2022/01/16 على الساعة 16:13

كان لقاؤنا الأول في مكتبة الفرجاني. كان هو شخصية عامة معروفة وكنت حينها مجرد طالب في مدرسة طرابلس الثانوية. وكنت من بين المترددين على مكتبة الفرجاني في شارع الوادي الذي تحول اسمه بعد ذلك الى شارع عمرو بن العاص في العاصمة طرابلس وهي المكتبة التي كانت أشبه بمركز ثقافي يلتقي فيه هواة الادب والصحافة واقتناء الصحف الليبية والصحف والمجلات المصرية سواء من الطلبة أو من الأدباء والكتاب والمثقفين والصحفيين وعامة الناس أيضا.

كنا كطلبة في ذلك الوقت نتابع كل النشاط السياسي والثقافي الذي كان يجري في الوطن الليبي وفي الوطن العربي. وكان اسم الاستاذ علي مصطفى المصراتي على رأس الاسماء الوطنية التي كنا نسمع عنها ونقرأ لها ولكننا لم نكن نتواصل معها.

في ذلك اللقاء الاول حدثني بعد أن عرف إسمي عن والدي رحمه الله وعن علاقته به خلال النشاطات السياسية التي كان يقودها حزب المؤتمر الوطني بقيادة الزعيم بشير السعداوي في سنوات ما قبل إعلان الاستقلال. حيث كان الاستاذ علي مصطفي المصراتي من أبرز خطباء الحزب وحيث كان المرحوم والدي واحدا من أركانه.

ثم لم تتوقف اللقاءات بيننا بعد ذلك الا بسبب الغربة او بسبب ظروف العمل. كان يكبرني بأكثر من عشر سنوات ولكن فارق العمر لم يمنع من قيام علاقة مودة وصداقة جادة بيننا امتدت لسنوات طويلة.

كنت ألتقيه كثيرا خلال سنوات خدمتي الاولى في الحكومة الليبية في دار الاذاعة. فقد كان واحدا من أهل الفكر والثقافة الذين يساهمون في برامج الإذاعة. وقد كان هو من مؤسسي هذه المؤسسة الليبية العريقة مع الرواد الاوائل كالأستاذ فؤاد الكعبازي والاستاذ أحمد الحصائري وغيرهما رحمهم الله جميعا.

كانت محطة الارسال الوحيدة والاستوديو اليتيم للإذاعة الليبية في شارع الزاوية. وكانت محطة بدائية ولم تكن فيها لا غرفة تحكم ولا غرفة متابعة "Control Room" كما هو مفترض في أية محطة إذاعية. وكان الاستاذ علي مصطفي المصراتي حينها هو المسؤول عن البرامج. وكان يتم تشغيل الميكروفون عبر مفتاح صغير وعن طريق اليد. وكان الارسال يبدأ في العادة بتلاوة مباركة من القران الكريم.

أحضر الأستاذ علي المصراتي الشيخ القارئ وكان كفيف البصر وأخذ بيده إلى ذلك الميكروفون ووضع يده عَلى ذلك المفتاح الصغير أسفل مكبر الصوت وقال له إن عليه أن يحرك ذلك المفتاح إلى أسفل لفتحه إذا أراد التلاوة وأن يحركه إلى أعلى لاقفاله إذا أراد أن يفعل في نفسه شيئا آخر.

سأل الاستاذ علي: هل فهمت يا شيخ.!؟ قال الشيخ: نعم إن شاءالله.!!

قدم الاستاذ المذيع علي مصطفي المصراتي فضيلة الشيخ ليتلو ما تيسر من الذكر الحكيم وأقفل المايكروفون بيده حتى لا يسمع الناس خطواته وصوت قفل باب الاستوديو الصغير. ظانا ان الشيخ الذي فهم سوف يفعل ما طلبه منه.

ولكن الشيخ القارئ ظن أن الاستاذ علي قد ترك الميكروفون مفتوحا له فبدأ التلاوة بعد ان أغلق الاستاذ علي الباب. وظل يتلو ولكن لم يكن يسمعه أحد.! ثم يمد يده من حين لاخر ليحرك ذلك المفتاح وقد نسي الفرق بين فوق وتحت ويتنحنح او يفعل او يقول في نفسه ما شاء وكان ذلك هو ما ينقله ميكروفون الاذاعة الوطنية الليبية للمستمعين والمستمعات.!! ثم يمد يده ويحرك المفتاح ليغلق المايكروفون ويواصل التلاوة ولكن دون ان يسمعه أحد.!!

وبعد أن تكررت هذه العملية بدأت المكالمات تنهال من المستمعين عَلى دار الاذاعة تنبه المسؤولين الى هذه الفضيحة.!! وهنا فقط أدرك الاستاذ علي ما حدث. واضطر الى الاعتذار للسادة المستمعين ووجد العذر الأقبح من الذنب للشيخ الذي ابتلاه الله بما ابتلاه به.!! وربما أدرك أنه كان عليه أن يكون أكثر دقة في شرح الامر للقارئ الضرير.!! وكانت تلك إحدى النوادر العديدة التي حدثت خلال السنوات الاولى لدار الإذاعة الليبية التي لم يكن يعرفها إلا قلة من أوائل قدماء الإذاعيين الليبيين.!

الاستاذ علي مصطفي المصراتي كان من الشخصيات التي لا تمل الجلسات معها. فهو الى جانب أنه محدث لبق واسع الثقافة غزير المعرفة بالكثير من الأسرار الليبية الادبية منها والسياسية فهو صاحب نكتة وخفة دم قلما تتوفر في كبار العلماء والمثقفين مثله. ولكنه كان رجلا لماحا ويعرف كيف يتخلص من المواقف الصعبة.

روى لي في إحدى لقاءاتنا العديدة أنه دعي ذات ليلة من ليالي رمضان الى قصر الخلد الملكي الذي أسموه بعد انقلاب أيلول الاسود بقصر الشعب حيث كان قد تم الأعداد للقاء في تلك الليلة بين بعض المثقفين والرياضيين وبعض الشخصيات الطرابلسية الاخرى و"الأخ قائد الثورة" معمر القذافي. فوجئ الاستاذ علي مصطفي المصراتي بأن مقعده قد أعد بجانب وإلى يمين مقعد "قائد الثورة".!! ربما تكريما له وربما لغرض في نفس "يعقوب" الثورة.!

وبعد أن جلس وسلم عَلى "الأخ القائد" فوجئ بالأخير يسأله: "أنت كنت زمان تقود المظاهرات وتحرض الناس عليها فلماذا لم تعد تفعل ذلك الان.!؟" أجاب الاستاذ علي بعفوية ولكن بدهاء: كنا نفعل ذلك أيام الاحتلال الانجليزي.!!

ولا أعرف إن كان "قائد الثورة" قد فهم ما يعنيه هذا السياسي الليبي المحنك وهو أنه اذا تحول "جيش الثورة" إلى "جيش احتلال" فسوف ينتفض عليه الشعب كما انتفض ضد الانجليز.!! ولكن "قائد الثورة" قام بعد ذلك مباشرة بتصرف غريب ربما كان رد فعل فوري لما سمعه للتو من رجل يعرف عن السياسة أكثر بكثير مما يعرفه ملازم صغير في الجيش.!!

فقد جاءت كؤوس الشاي ووضع أمام كل واحد من الحاضرين الكأس الخاص به فبادر "قائد الثورة" الى استبدال الكاس الذي وضع أمامه بالكأس الذي وضع امام الحاج مسعود الزنتوتي رحمه الله والذي كان يجلس إلى يساره وسط ذهول الحاج مسعود والاستاذ علي.!! هل كان "القائد" يشك في أن كأسه قد يكون مسموما.!؟ أم هو الخوف الذي يحيط دائما بكل من يغتصب السلطة.!؟ المهم أن ذلك هو ما حدث بالفعل كما رواه لي الاستاذ.!

وقد رويت هذه القصة التي رواها لي الاستاذ علي للصديق المرحوم الحاج مسعود الزنتوتي خلال إحدى زياراتي له في مرضه الاخير في روما فأكدها وقال إنه قرأ الإخلاص والمعوذتين في سره ثم شرب الشاي من الكأس البديل.!! والله سلم ولله الحمد والمنة.!!

رحم الله استاذنا الجليل علي مصطفي المصراتي. ورحم الله شيخ الرياضيين الليبيين الحاج مسعود الزنتوتي وجعلهما من ورثة جنة النعيم. والى اللقاء مع المزيد من الذكريات. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إبراهيم محمد الهنقاري

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع