مقالات

محمد نجيب عبد الكافي

حبيبتي (30) إذا رحل الخليل

أرشيف الكاتب
2022/01/16 على الساعة 16:05

لو طُلب مني تجسيم نبل الأرومة، وسمو الأخلاق، وخفة الروح، وحب المزاح، وقوة الذاكرة، ووفاء الصداقة، لأجبت فورا وبلا تردّد الشاعر نور الدين صمّود. جواب صادق صادر عن إيمان ويقين، بعد تجربة سبعة عقود، شملت فجوة طالت سبعة عشر عاما، وبعد استئنافها خضعت لابتعاد الأجسام رغم اقتراب القلوب والأرواح، فبقي الاتصال والتواصل حتى نزل القضاء الّذي لا مردّ له، فاستجاب الشاعر نداء ربّه وبقي الآخر ينتظر، وما بدّلا تبديلا. بقيت في هذا البلد، حيث استقرّت هجرتي فحططت رحالي، وأنهيت ترحالي، ومنه، رغم المسافات، بقي التواصل عبر الوسائل العصرية، المفيدة الضارة، ذات الوجهين الإيجابي والسلبي، ككلّ عمل بشري في هذه الحياة.

إن حديثي اليوم نعي صديقي وعشيري الدكتور نور الدين صمود، رحمه الله، الذي لا حاجة له بتعريف منّي، إذ هو نور الدّين صمّود، الشاعر المجيد، سيّئته الكبرى مصادقتي، صداقة عمرها يقرب الآن من سبعة عقود وتزيد، لم تشُبها طوال حياتها أيّة شائبة، لأنها من الشعر والأدب تغذّت، وبالوفاء والصّدق تحلّت، رغم تعرّضها لآلام الفراق وبعد المسافات. فهو في عاصمته قليبيا، في أعلى نقطة من خريطة الخضراء، يطلّ منها على ليبيا جنوبا، وعلى المشرق القريب إذا التفت يسارا. أمّا إذا أدار ظهره قابلته صقلّيّة ومالطة، تذكّرانه بصلتهما بتونس في قديم العهود، خاصّة العهدين القرطاجي والإسلامي. أمّا أنا، فإنّي قابع أجترّ بقايا بعضٍ من تاريخ أسلافنا بقلعة أسّسها الأمير محمّد الأوّل (852-886) في أواخر القرن التاسع وأسماها، مجريط. رغم المسافات لم تشْكُ صداقتنا إلاّ تمتّع كلانا بطلعة صاحبه "البهيّة"، واستمرّ الاتصال والتّواصل بفضل عصا سحريّة، قيل إنّها شبكة عالميّة، وقعنا فيها جميعا كالذّباب في شبكة العنكبوت، مع فارق بقائنا على قيد الحياة، وانتعاشنا بجميل الأنباء والأخبار، بدل الموت الذي يصيب الذّباب في شباك العنكبوت. حياة وانتعاش، هما فعلا الدّافعان اللّذان جعلاني أقْدِم على الكتابة عن الصّديق الشاعر، الذي كلّما راسلته، أو داعبته، أو نغزته فدغدغت قريحته، إلاّ وأجاب مسرعا بدعابة أو طرفة أو بيت شعر مرتجل. هذه الأبيات العفويّة المرتجلة، هي التي سأحاول تقديم بعضها في هذه " النّفاثة " مع ذكر المناسبة إن استطعت التقاطها من قعر الذّاكرة المسنّة الهرمة، لأنها، بدون استثناء، مرتجلة وسريعة الارتجال، إذ بعضها وصلني وأنا لا أزال أمام حاسوبي الذي أرسلت بواسطته ما أثار قريحته فارتجل وأرسل لي ما جادت به. ثمّ إن هذه الأبيات، قلت أو كثرت لا يملكها غيري، فخصصت لها ملفا وحفظتها بالحاسوب، تطل عليّ من شاشته كلّما أشعلته وجلست إليه، وتذكرني بالصديق الشاعر، واسع المعرفة، متعدّد التخصصات، كثير النشاط في عالم الفكر والشعر، في تونس وفي بلدان كثيرة غيرها، مما أعطاه سمعة واسعة الانتشار، ومنحه من المحبة والأصدقاء والمعارف ما قد يعجز هو نفسه عن حصره. لست مؤهلا، ولا أنوي الحديث بأية صفة عن شعره، فذاك من حق وواجب أهل الذكر. أما ما لا أحد غيري يمكنه الحديث عنه، هو ما أشرت إليه في الأسطر السالفة، أعني ما وصلني منه، مجيبا عن سؤلي أو التعليق على ما وافاه مني في "شعر منظوم مرتجل". سأبدأ من النّهاية، لأنّي وأنا أكتب إحدى ثرثراتي، أرسلت له بريدا به سلسلة من أجمل المناظر الطبيعيّة في بلد بجنوب أميركا، وصادف إرسالها ليلة عيد ميلاده، فلم يخرج عن القاعدة وأجابني مرتجلا: 

تنامت أمامي المناظرُ حتى ** تخيلت أني أزورُ الجنانْ

وأبصرت طودا وشاهدت سهلا ** يقولان لي إننا راسيانْ

وفي قمة الطود ثلج ضحوك ** يسيل إلى السهل كالأفعوانْ.

وينساب مثل الأفاعي برفق ** فيُضحك في سيره الأقحوانْ

كذلك فعل في شهر يونيو 2011 عندما استلم منّي بريدا يحمل هو الآخر مناظر معظمها حول القبّة السماويّة وما يظهر لنا فيها فكتب:

"هذه الأقمار أو تلك الأهلة ** من سماء الله في الليل مطلّة

ظهرت أكبر من أحجامها ** وبدت في أفقها كالمضمحلة

تبادلنا، ايّام الهزّات أو الانتفاضات أو الثورات، التي هبّت رياحها على أقطار عالمنا العربي، مختلف الأنباء، ممزوجة بالأملوحات والطّرائف، دون أن تخلو أنباؤنا من رمز السّخرية السّياسيّة الذي قبع على صدر ليبيا أربعة عقود، يهلك الحرث والنّسل، ففاجأني صاحبي يوما من أيّام نوفمبر 2011 بهذه الأبيات عن القذافي، الذي نعت أفراد الشعب الليبي الأبيّ بالجرذان:

أبا الألوان لم تظفر بلونٍ ** سوى لونٍ قبـيـح للغرابِ

ومثل الهدهد المعروف شكلا ** وإنْ كانَ المهَـدَّدَ بالعـذابِ

فقد هَمَّـشـتَ آلافـًا عِـظـامـا ** لتبقى مفـرَدًا فـوق السحابِ

ولكنْ همّشوكَ، وأنت أهلٌ ** لتـُوضع تحـت أكوام التـرابِ

فمَن قد كان يحسب أنّ ذئبا ** تنمّر بـيـن أســراب الذئـابِ

سيغدو هاربا مِـمَّن دعاهـمْ ** بجرذان تعشش في الخرابِ

ويعلو الشعبُ إذْ تنحط ُّ فيهمْ ** فـيـا لله للعـجـب العُجابِ!؟

تكرّر تعليقنا عن ذلك البشر الغريب، وتكرّر ارتجال نور الدّين يصفه ويقدح فعاله. لكنّي أراني أطلت الكتابة، وقديما قيل، خير الكلام ما قلّ ودلّ. لذا سأكتفي هذه المرّة بالقول بأنّي اعتدت تهنئته في المناسبات بما يشبه بيت الشّعر، مثل: هلّ عيد الفطر هلاّ * مرحبا أهلا وسهلا. أو مثل ما أرسلت له في مناسبة أخرى أقول: لا تلم قول يراعي* فهي أمري لا تراعي. أو كما قلت له مرّة أخرى، أطال فيها الصّمت وعدم المراسلة، حتى علمت من صديق آخر كان يتمم ثالوثنا، هو الاستاذ أحمد الرمادي، الذي عرف ليبيا جيّدا إذ درّس في ثانوياتها عدّة سنين، انتقل إلى الرّفيق الأعلى منذ سنوات، رحمه الله، فأخبرني أنّ شاعرنا توعكت صحّته فأجريت له عمليّة، نجحت بحول الله، فقلت له آنذاك: أصلح وأتمم وكتبت: ما لصوت الشعر دهرا صامت... فيثير كلّ ذلك غيرته على العروض فيجيبني نظما مثل ما فعل في عيد فطر عام 2012، إن صدقت الذاكرة فيما روته، إذ أجابني يقول:

هَلَّ عيدٌ بعد شهر ** تـُبْتلـَى فيه الإرادة

إثـْرَهُ نلقـَى جميعا ** كلَّ ألـوانِ السعادة

كلُّ مَن أحياهُ صوما ** حقـق الله مــرادهْ

جنةُ الخلدِ جزاءٌ ** للـّذي يهـوَى العبادة

لم يبق لي إلاّ العودة إلى البداية التي شرعت فيها من النّهاية وهي سلسلة الصّور التي أثارت قريحته يوم عيد ميلاده، عيد قدّمت له فيه أصدق تهاني وتمنيّاتي فأجاب:

 كـلَّ عـام وأنـتـمُ بـســـلامِ ** فــتـقـبـلْ تحيـتي وسلامي

واسلمِ الآنَ ولـْتكنْ كلَّ آنٍ **خافقَ القلبِ بالهوى والوِئامِ

ولـْتكن هانئا مدى العمْرِ واسلمْ ** ولْتعش، في سعادةٍ، ألفَ عامِ

وأراها كـثـيـرةً غير أني ** أحسب العمْر بعد يوم الحِمامِ

نور الدين صمود (1932 – 11 يناير 2022)، هو شاعر وأستاذ جامعي تونسيولد عام 1932 في قليبية، درس بجامع الزيتونة حتى أحرز على شهادة التحصيل، ثم التحق بمصر حيث واصل دراسته العليا بجامعة القاهرة وحصل على الإجازة في الآداب من الجامعة اللبنانية 1959، وعلى دكتوراه الدولة 1991. أما أطرحته لدكتوراه الدولة فقد ناقشها عام 1991.

محمد نجيب عبد الكافي
مدريد في 15-1-2022

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع