مقالات

محمد نجيب عبد الكافي

حبيبتي (20) عبر التجربة

أرشيف الكاتب
2022/01/13 على الساعة 22:24

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى * ما الحب إلا للحبيب الأول

كم منزل في الحيّ يألـفه الـفـتى  * وحنـينه أبـدا لأول مـنــزل

نقلت فؤادي وجسمي حيث شاءت الظروف والمناسبات، بعد أن تركت أول منزل بحثا عن النجاة من الظلم والإجرام، وكذا فعل غيري من المواطنين سابقا ولاحقا، حتى أن بعضهم لم تطأ قدمه أرض الوطن إلا بعد أن سقط الطاغوت وبرزت بوادر عهد جديد، فتح بابه شباب آمن بالحق فأنجز ثورة الكرامة التي أدهشت ولا تزال تُدهش، من عرف بلادنا ومن لم يعرفها، فيُكال لها الثناء والإعجاب.

جبت مضطرا بلاد الله، فتعرّفت على أناس كثيرين، من مختلف الأقطار والأجناس ومن عديد المهن والاختصاص، وحتّى من نجوم السّياسة والأدب والفن. فمن رئيس الدّولة في النمسا، الى صاحب الحق في عرش اسبانيا، قبل أن يتنازل لابنه، ومن الرئيس الغيني أحمد سيكو توري، الى الجنرال علي أبي نوار الأردني، ومن صلاح جودت الى البياتي، ومن صوفيا لورن ألى أليزبت تايلور، مرورا بجون واين وفتوريو دي سيكا، فأثرت كل هذه اللقاءات والعلاقات تجربتي الحياتية، فتعلمت ما لم أكن أعلم، ولمست حقائق لا مناص من جعلها أساسا لكلّ بناء حياتي سليم. كثيرة هي تلك الحقائق، فمنها التآزر، والعمل الجماعي، والإخلاص في العمل، والتفاني فيه وإتقانه، وتسبيق الأهم على المهم، ومصلحة الفرد في مصلحة الجميع، والمال وسيلة لا غاية، والعلم أكبر الكنوز، والتضامن خير لبنة للبناء والتشييد، والصّراحة والصّدق أضمن مخرج للنجاة والسّلام. هذه بعض الدّروس والفوائد التي لقننيها الترحال، وعلّمتنيها التجارب، وأكدت لي صلاحها النتائج. فلست أدري أيّها أهمّ وأسبق للحديث عنها في هذه الأسطر، فسأبدأ بالتي تطفح على صفحة فكري قبل غيرها والبقية تأتي.

تعلّمت فآمنت بأن لا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة، وما قد يراه المرء حقيقة، ليس هو إلا اجتهاد منه قابل للخطئ وفيه الصواب أو بعضه، فلا سبيل لفرضه إذن، بل لابدّ من طرحه للنقاش وإجراء الحوارحوله. الحوار، تلك الحقيقة الأخرى التي بها "تتفاهم الشعوب"، حسب المقولة الإسبانية، والتي بها يتحقق الوفاق والاتفاق، وبدونه ليس ثمّة إلا الفوضى أو التسلط والجبروت بأشكاله المختلفة. ألم يقل الله عزّ من قائل: “وجادلهم بالتي هي أحسن “؟ تلك دعوة من الله سبحانه يدعونا إليها ولاتباعها، وما هي سوى الحوار بتعبيرنا، والحوار ليس سوى نوع من الجدال بالتي هي أحسن. فبالحوارالهادئ الرّصين وعن طريقه، وبتبادل الآراء (خذ ورد) بتعبيرنا الشعبي، وبالتنازل عن بعض أو إرجائه تتجلى الأمور، وتزول الخلافات، ويسود التفاهم، رغم عدم التمييز بين من أخطأ ومن أصاب، لأنّ الحكم الوحيد بين المجتهدين في شؤون الشعوب هو الزمن.

الزّمن، ذلك العملاق النّائم وعينه تلاحظ وترعى وتسجل، هو الذي في النهاية يقول كلمته ويصدر حكمه، بالنجاح والفلاح، أو بالفشل والرّسوب، لأن الحياة – خاصّة عند العمل والإهتمام بشؤون الشعوب ومصائرها – ليست سوى سلسلة من الإمتحانات والاختبارات، لا يفوز فيها ويعبرها بنجاح إلا من تواضع وأخلص، وأخذ بأكثر من رأي وتفرّس، ثمّ نفذ فأتقن، تاركا الباب، أو على الأقل النافذة، مفتوحة لاحتمال الخطئ وإمكانية الخلط والغلط.

فالكمال لله، وإذا وضعنا هذه الحقيقة بين أعيننا، لا ولن نخرج عن الجادة، وسنصيب، إن لم يكن الكلّ، فالبعض، وفي هذه الحالة لنا أجر واحد وهو كاف لمن لا يعمل إلا لوجه الله. وهل فينا من يعمل لغير الله؟ لا أسيئ الظن، وأجيب بمثلنا الشعبي القائل: "سبّق الخير، تلقى الخير". هكذا أفعل، وأظن أحسن الظن بغيري من مواطنينا، لكن هذا لا يمنعني من أن أذكّر بمثل شعبي آخر، ذلك الذي يقول: "أعمل مثل جارك، أو غيّر باب دارك": كثيرون جيراننا، فئن عملنا فليكن عملنا وسلوكنا مسلك الذي عملوا ويعملون بالمبادئ الحسنة الثابتة، مثل التي عددتها فيما سبق من هذه الثرثرة، التي تطمح أن تكون مفيدة، مبادئ علمتنيها الحياة بظعنها وإقامتها، بحلها وترحالها، بمشاهداتها وملاحظاتها، فكانت النتيجة دروسا وعبرا، أحاول تطبيقها في سلوكي وتصرّفاتي، وأنادي بها وأنصح في أحاديثي وكتاباتي، محاولا العمل بالقول الكريم الذي يقول: "لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّه لنفسه". اجتهاد منّي ومحاولة فهل حالفني التوفيق؟ لا يعلم ذلك إلا الله. فلنعمل بما أمرنا، ولنخلص في عملنا، لأننا انحدرنا إلى أسفل السافلين، وجميعنا شاعرون وعلى بيّنة من أوضاعنا، بدليل تشكينا وبكائنا، لكن دون أن نقوم بما يجب من تغيير في أنفسنا، وفي سلوكياتنا، وبلا بحث عن طرق وسبل ووسائل إصلاح ذات البين والأوضاع، وحتى الثقافة. ثقافة جديدة سادت، فهمّشت أو أتت على ثقافتنا الأصلية ذات المبادئ السامية دينيا ووراثيا، هدت أجيالا وأجيالا، فتركوا لنا ما كنّا نرفل فيه من خصال، وسلوك، وتعامل، ومعاشرة، وسلم، وأمن، وصدق، رغم ما فينا من عيوب البشر، عيوب حدت من وقعها وطغيانها تلك الثقافة المحمودة.

لكل هذا، وغيره كثير، وجب علينا فرادى وجماعات، رجالا وسيدات، هيئات واتحادات، مدنية أو رسمية، أن نكف عن البكاء والتشكي، وأن نبحث بجد وعلم وإرادة، عن إصلاح شامل جامع عميق، لكل ما نشكوه وننقده، فنغيّر واقعنا كي نضمن حاضرنا، إذ فيه ضمان مستقبل الأجيال التي تلينا. إن لم نفعل، برهنّا وأعطينا الدليل بأننا غير جديرين بالحياة، لأن الحياة إيمان، وإرادة، وتصميم، وعمل مستمر، وإنجاز متواصل، يفيد الفرد والمجموعة، ويخلّف الثمرة والفائدة. ختاما أقول: من عمل صالحا فلنفسه، ومن أساء فعليها، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

محمد نجيب عبد الكافي
مدريد في 22-10-2021  

 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع