مقالات

محمد نجيب عبد الكافي

خواطر خاطرة... الخليفة

أرشيف الكاتب
2022/01/13 على الساعة 01:36

قال بعضهم هات رأيك في الرجال والنساء، في الناس جميعا، قلت فاهم وغير فاهم. قال اشرح: قلت عارف بدوره ومؤدّيه، وجاهله فمرديه. قال لم توضّح. قلت ألم يقل سبحانه {إني جاعل في الأرض خليفة}؟ قال بلى. قلت أليس من واجب الخليفة أن يحذو حذو من يخلف؟ قال هذا المفروض. قلت أليس من واجب الخليفة ألاَّ يأتي إلا ما يُرضي من خلّفه؟  قال هذا ما يثبّت خلافته. قلت أليس الله سلاما يحب السلام؟ قال هو كذلك. قلت أليس الله العدل؟ قال لا يظلم ويغفر. قلت أليس الذي خلق الإنسان وجعله خليفته في الأرض لطيفا، شكورا، كريما، ودودا، برّا، عفوّا، رؤوفا، وهو الحق؟ قال كلّ هذا وأكثر، وهو الرحمن الرحيم. قلت لولا رحمته وغفرانه لبعث علينا الطوفان وجرفنا جميعا. 

استغرب صاحبي واندهش فقال عرفتك متفائلا لا تيأس. قلت فيما يخصّني شخصيّا، لكن نظرتي الشمولية التي لا تنحصر في مكان ولا زمان، لا تأتيني بما يحمل على التفاؤل ولا الأمل. قال {لا تيأسوا من روح الله، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون}. استغفرت الله ورجوت عفوه وقلت إني من الخاطئين. ابتسم صاحبي وسألني عمّا أدّى بي إلى هذا الحدّ من التذمّر والتشكي؟ قلت هو بلا شك دافع البحث عن الفهم وقبول ما يدور حولنا ويحيط بنا مما لا يرضي الله ولا القوم العاقلين. ألم يقل الله سبحانه " وسعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحبّ الفساد؟ قال صدق الله العظيم. قلت التفت حولك، من مكانك حتى أقاصي الأرض، وقل لي ماذا ترى وتسمع. أحنى رأسه ولم يجب، فقلت لا شيء غير الدمار والخراب شرقا وغربا، ولا ودّ ولا محبّة إلا محبة المال وسيّئ الأعمال، وهو ما يخالف أوامر الله ورضاه كما جاء في الأديان السماويّة وحتى في غيرها. فكلّها تأمر وتوصي بالمحبة والمعاشرة والتآزر والتعاون، وغير هذا كثير. 

ألم يقل سبحانه: {يا أيها الناس إِنَّا خلقناكم مِّن ذكر وأنثى وجعلناكم شُعُوبًا وقبائل لتعارفوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ الله أتقاكم ۚ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ} فأين التعارف، وأين التعاشر، وأين المحبّة، وأين ما يجعل الإنسان حقا خليفة كفءا ليصلح في الأرض {إنا لا نضيع أجر المصلحين}. بدل كل هذا لا نرى إلا التفرقة، والنفور، والخداع، والخديعة، فإذا هو عنف، وابتزاز، وحروب ودمار، وتسلط، وحب هيمنة وسلطة، يجوز في بلوغها كل عيب وسوء بالسرقة والاستلاء على ما هو للغير بكل الوسائل غير المباحة. لم تخطئ الملائكة حين سئلت فقالت: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء}؟ بقي ما ليس لنا به علم، إذ أجاب الله بقوله {إني أعلم ما لا تعلمون}. فهل ما يصيب الناس اليوم حكمة من حكم الله، أم هو جزاء وعقاب؟ سواء كان هذا أو ذاك، ليس أمامنا سوى رفع الأيدي إلى السماء والدعاء مبتهلين {ربنا لا نسألك ردّ القضاء، ولكن نسألك اللطف فيه}. ونردفه بالعمل تلبية لقوله تعالى {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون}. قد يسأل بعضهم ماذا علينا أن نعمله؟ أمامنا وبوسعنا عمل الكثير، نبدأه بتغيير ما في النفس، تغيير وتطهير ما في باطننا من مشاعر ونوايا تحمل السيئات، وننوي ونقرّر ونصمم، على إتيان الحسنات، لأن الأعمال بالنيّات، والله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم، ثمّ نعين بعضنا البعض على العمل الصالح حسب اجتهاد كلّ منّا، بدأ بمقاومة المنكر، باليد واللسان والقلب، كما جاء في القول الكريم. 

فكرة تجر أخرى، ورأي يأتي بآخر، فها أنا بالرغم مني، واعظ يذكر بالإرشاد والتوجيه الحسن، دون سابق إرادة. أختم إذن بأبيات شعر جادت بها قريحة الشاعر اليمني عبد الله البردوني يقول فيها: (لا تحسب الأرض عن إنجابها عقرت.. من كلّ صخر سيأتي للفدا جبل.. فالغصن ينبت غصنا حين نقطعه.. والليل ينجب صبحا حين يكتمل.. ستمطر الأرض يوما رغم شحّتها.. ومن بُطون المآسي يولد الأمل).

محمد نجيب عبد الكافي
مدريد في 16-12-2021

* تنشر هذه السلسة بصفحة الأستاذ/ المهدي كاجيجي (فيس بوك)

 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع