مقالات

سالم الكبتي

كلية الحقوق في الجامعة الليبية.. ستون عاما

أرشيف الكاتب
2022/01/10 على الساعة 16:04

ظلت الجامعة الليبية حلما في صدور الكثيرين ثم غدت حقيقة واقعة بأنشائها في الخامس عشر من ديسمبر 1955 بعد أربع سنوات من إعلان الأستقلال. بدأت الجامعة بكلية الأداب والتربية وفي غضون سبع سنوات تاليات أخذت قاعدتها العلمية والأدارية في الأتساع بشكل مطرد ولافت للنظر في ذات الوقت أمام المتابعين والمهتمين بتطور البلاد ونهضتها تلك الأعوام.

وكان من الطبيعي أن تنهض في الجامعة المزيد من الكليات فتأسست في غضون هذه السنوات بعد كلية الأداب أربع كليات: العلوم والتجارة والأقتصاد عام 1957 والهندسة التي كانت تسمى (الدراسات الفنية العليا) عام 1961 ثم كلية الحقوق عام 1962 التي صدر قرار من مجلس الوزراء في إجتماعه الأسبوعي المنعقد برئاسة السيد محمد عثمان الصيد بمدينة البيضاء يوم الخميس الأول من فبراير 1962 بأنشائها ويكون مقرها مدينة بنغازي. هذا القرار كان وفقا للمادة الأولى من المرسوم الملكي بأنشاء الجامعة التي جوزت لمجلس الوزراء أن ينشئ معاهد وكليات أخرى تتبع الجامعة الليبية.

في مرحلة لاحقة كما هو معلوم تواصل تطور الجامعة بصورة أكبر وأنشئت كليات أخرى تتبعها منها كلية المعلمين التي أضحت كلية التربية ثم كلية الزراعة ثم كلية الطب.. وهكذا.

والواقع قبل ذلك كان أغلب الطلبة من البلاد يواصلون تعليمهم العالي خارج ليبيا . بعضهم على حسابه وجزء أخر على نفقة الدولة منذ مطلع الأستقلال. لكن اللافت في النظر أن الأهتمام والعناية بدراسة القانون وتفاصيله وجد ميولا عند الكثير من أولئك الطلاب في مراحل مبكرة. وثمة أمثلة عديدة على ذلك.. فقد كان فتحي عمر الكيخيا في أوائل من درس الحقوق من الليبيين في فرنسا ثم نال الدكتوراة في القانون من جامعة روما عام 1928 وعمل في مصر التي هاجر إليها عام 1938 في المحاكم المختلطة ثم محاميا في المحاكم الوطنية المصرية وإكتسب بذلك خبرة ومرانا قانونيين.

أهله لاحقا لأن يكون وزيرا للعدل إضافة إلى رئاسته لأول حكومة في برقة عام 1949 وأسهم في سن (الدستور البرقاوي)بحكم علاقاته مع فقهاء القانون في مصر ثم توليه الوزارة نفسها في أول حكومة وطنية بعد الأستقلال وفي عهده شرعت الدولة في وضع القوانين المهمة مثل القانون المدني والتجاري وغيرهما وقام بذلك نخبة من رجال القانون في مصر كان في مقدمتهم المستشار عبدالرزاق السنهوري.

وإضافة إلى د.الكيخيا نال محي الدين فكيني الدكتوراة في القانون من السربون عام 1951 ومثله علي الساحلي شهادة عالية في التخصص من لندن. وإستعانت الدولة الليبية عند تأسيس المحكمة العليا والمحاكم الأخرى والنيابات بالعديد من الخبراء والقانونيين المشهورين من فلسطين والأردن ومصر علاوة على الأستفادة من كفاءات الليبيين من رجال الدين في المحاكم الشرعية وأصحاب الخبرات في العمل القضائي الذين تأهلوا من خلال دورات ومشاركات أصبحوا بموجبها محامين أمام القضاء.

وفي الأعوام الأولى للأستقلال ولد الجيل المهم والنواة من الحقوقيين الليبيين ورجال القانون والنيابة والقضاء من الذين التحقوا بالمدارس الثانوية المصرية وأكملوا تخصصهم في دراسة الحقوق بجامعتي القاهرة والأسكندرية إلى جانب زملائهم الليبيين بالطبع في التخصصات الأخرى.

وهذا الجيل النواة ظل بعد عودته من الدراسة يتحمل مسؤولية التلييب في المجال القضائي والعدلي سواء في الدولة أو من خلال المكاتب الخاصة. وبرز هنا العديد من الأسماء أذكر منهم مثالا لاحصرا: منصور رشيد الكيخيا وكامل المقهور ومحمد بن يونس وعبدالحميد الرعيض ورمضان رقص وسالم بوقعيقيص وعبدالحميد النيهوم وسليمان تومية ورجب الماجري وعبدالرحمن الجنزوري وأحمد يوسف بورحيل وعبدالله شرف الدين ومحمد ياسين المبري وعبدالوهاب الساقزلي ومفتاح مبارك الشريف وإبراهيم الفقية حسن وإبراهيم الغويل ومحمد عمر الجروشي ومصطفى الشيباني وعبدالحميد البكوش وعامر البكوش وحمزة شنيب وشعبان الطاهر عريبي وعبدالحكيم البشتي وعبدالمجيد الميت وعزالدين المبروك وعمر الشلحي... وغيرهم.

صحيح أن أغلب من ذكرت لم يتجه للعمل القانوني المباشر من خلال المحاكم ودوائر العدالة لكن الدولة إستفادت من وجوده في مرافقها ووزاراتها ومؤسساتها المختلفة. إضافة إلى أن أغلبهم سمحت له الدولة بالعمل الخاص بفتح مكاتب المحاماة والتوثيق والأستشارات القانونية. ولوحظ بأن أغلب هذه الكفاءات الوطنية القانونية أختيرت لعضوية المحكمة العليا مرات عديدة وكلف بعضها بوزارة العدل وبرئاسة الحكومة والمؤسسة العامة للبترول.... وغير ذلك من مسؤوليات.

ومع هذا كله ظلت البلاد في حاجة إلى إنشاء كلية للحقوق لسد المزيد من النقص مع مرور الأيام فأصبحت الكلية المذكورة كما أشرت في البداية جسما على أرض الواقع وتواصلت الجهود عقب صدور قرار مجلس الوزراء وبدأت الدراسة في أول عام جامعي لها وهو 1962 _1963 بقوام من الطلبة من جميع مناطق ليبيا عدده ثلاثة وعشرون طالبا. وكان أول مقر لها هو المدرسة اليهودية سابقا الذي ظل فترة من الوقت قسما داخليا لطلبة الجامعة ويقع على شاطئ بحر الشابي قرب مقبرة خريبيش وسجن بنغازي القديم (العدالة والسجن متجاوران!). على حين كلف الدكتور شفيق الجراح (من الشام) وكيلا للكلية وظل يدير شؤونها إعتبارا من الثاني عشر من يناير 1963 ثم أختير الأستاذ إبراهيم المهدوي عميدا لها. وهو من جيل التربية والتعليم الرائد في ليبيا وسبق له إدارة العديد من المؤسسات التعليمية ومن المشهود لهم بالخبرة والعطاء. وبقى عميدا للكلية إلى عام 1973. عندما تبدلت الأمور في الجامعة وأضحت جامعتين وحدث (الترحيل المشهور) لطلبة ذلك العام أيام (الثورة الشعبية ومجرياتها وتداعياتها على الواقع)فخسرته الكلية والجامعة رجلا مهيبا ومسؤولا شجاعا فيما تولى مهام مسجل الكلية الأستاذ رزق إبراهيم العبيدي فترة من الأعوام. وشهدت الكلية خلال مدة عمله حسن التنظيم والأدارة وتسيير الأمور إلى أن أقبل الزحف في أعوام تاليات وإنتقل إلى جهة أخرى وتغير لاحقا أسم الكلية إلى كلية القانون. وكانت قد إنتقلت من مقرها السابق إلى مقرها الثاني وهو معهد دي لاسالي ثم إلى المدينة الجامعية في قاريونس. أحداث كثيرة عصفت بالجامعة ومرت بكلياتها ولم تسلم منها كلية الحقوق مثل شقيقاتها في كل الأحوال وهي تحتاج إلى تحليل عميق خاصة مايتصل بموضوع الترحيل أيام تلك الثورة الشعبية الذي ظل مجهولا حتى الأن.. من وراءه. ماهي أسبابه. من المستفيد.. وأسئلة كثيرة أخرى وكانت أيضا (الحقوق).. التي يفترض أن تدفع إلى الوطن برجال الحق والعدالة. هي الكلية الوحيدة في بنغازي التي شهدت تنفيذ الأعدام شنقا في أحد طلبتها السابقين ممن كانوا في إتحاد الطلبة الذي شكل عام 1976 وهو الطالب مصطفى النويري!.

تعاقدت الجامعة مع خيرة الأساتذة العرب والأجانب للتدريس بالكلية منذ إنشائها وشهدت قدومهم إلى بنغازي في أعوام جامعية مختلفة أما على سبيل الأعارة أو التعاقد. ومن ضمنهم: علي علي سليمان. عبدالعال عطوة. ليون زماريا. فتوح عبدالرحمن دوما . مأمون محمد سلامة. عوض محمد عوض. محمود سمير الشرقاوي. محمد عاطف البرقاوي. محمد شاهر حبيب. ثروت حبيب. أحمد عبدالعزيز الألفي. محسن الشيشكلي. أحمد فهمي أبو سنه. محمد سيد مدني. خالد عبدالعزيز عريم. محمد حسن سرحان. محمد عبدالخالق عمر. حسن المرصفاوي. وهبة الزحيلي. إدوارد غالي الذهبي. صبيح مسكوني. عبدالجليل القرنشاوي. عبدالرضا الطعان. محمد سامي النبراوي. فتحي عبدالحليم المرصفاوي. علي عبدالتواب عيسى. عبدالرزاق حسن فرج. عبدالمنعم عبدالعظيم جيرة. إسماعيل مرزا. زكي الدين شعبان. مصطفى كيرة. وغيرهم من فقهاء القانون والشريعة الأسلامية إضافة إلى أساتذة مشهورين من بلجيكا وفرنسا.

وكانت الكلية قد أختارت أول معيد ليبي فيها عام 1964 وهو محمد يوسف عريبي.

تخرجت الدفعة الأولى في العام الجامعي 1965-1966. والتحقت بالكلية أول مجموعة من الطالبات الليبيات في العام الجامعي نفسه وتخرجن ضمن الدفعة الرابعة للكلية في العام 1968-1969 وكن أربعة وهن: فتحية عبدالله سكتة وكريمة الهادي التركي وفتحية محي الدين السنوسي ونجية عثمان محفوظ. ومع تواصل التخرج ظلت الكلية تختار مجموعات أخرى من المعيدين الذين إنطبقت عليهم الشروط العلمية وأوفدتهم للدراسة بفرنسا ومنهم على سبيل المثال: عثمان فضيل الميار. مفتاح عبدالسلام المهدوي. سعيد محمد الجليدي. عبدالله إبراهيم صالح. عبدالله عبدالسلام التريكي. محمد حسن الجازوي. حسن محمد الدينالي. علي مصطفى الزواوي. مفتاح رمضان الرويمي. عبدالسلام علي المزوغي. عبدالله موسى الميهوب. أحمد عمر بوزقية. محمد إبراهيم الكيلاني. عبدالقادر محمد شهاب. عبدالرازق المرتضي سليمان. محمد محمد مصطفى سليمان. المدني علي الصديق . نوري ضو الحميدي... وغيرهم.

وعلى الدوام كان لتأسيس الجامعة الليبية وكلياتها طوال المرحلة الممتدة من 1955 وحتى 1973 الدور الحيوي والفعال في نهضة ليبيا التعليمية والأجتماعية والأدارية خلال تلك الأعوام وبرز وجودها وطنيا وعلميا ونهض الخريجون منها برسالتهم تجاه وطنهم. وذلك دور يظل قطعة مهمة في التاريخ الثقافي والفكري للبلاد. كانت الجامعة الليبية رحلة نحو المستقبل. وكلية الحقوق في ذكراها الستين من خطوات تلك الرحلة الشاقة والطويلة.

سالم الكبتي

الصور: (1) فتحي الكيخيا من اوائل رجال القانون في ليبيا. (2) عدد صحيفة العمل الصادر في بنغازي يوم الاثنين 5 فبراير 1962 يحمل خبر انشاء كلية الحقوق بقرار من مجلس الوزراء. (3) كلية الحقوق في مقرها الاول والطلبة امامها يوم الافتتاح 1962. (4) الاستاذ ابراهيم المهدوي من رواد التعليم الكبار في ليبيا واول عميدا لكلية الحقوق. (5) الاستاذ رزق ابرهيم العبيدي مسجل كلية الحقوق. (6) اسماء خريجي الدفعة الاولى لكلية الحقوق العام الجامعي 1965-1966. (7) المقر الثاني لكلية الحقوق في بنغازي (معهد دي لاسالي سابقا).

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع