مقالات

سالم الكبتي

لماذا يكره الليبيون إستقلالهم؟!

أرشيف الكاتب
2021/12/24 على الساعة 17:37

(مالجرح بميت إيلام..)

يوم الأثنين الرابع والعشرين من ديسمبر 1951 أصبح الصبح على ليبيا بأعلان إستقلالها وظل ذلك اليوم وعلى مدى فترة من الأعوام عيدا للبلاد. وحين يقترب حلول ذلك اليوم تكون في الغالب الغيمات في السماء.. ثم ينهمر المطر وثمة شعور بالصقيع. وفي أماكن أخرى بعيدة يسقط الثلج ويستعد سكان العالم للأحتفال بعيد الميلاد ويشعلون أضواء شجرتها في عواصمهم وبيوتهم وكافة الدروب المغطاة بالجليد. إحتفالات على مد العين فيما يقترب العام من الرحيل ليقبل أخر جديد.

وعندنا في ليبيا مع سقوط المطر في ديسمبر تنهمر المزيد من العواطف متذكرة عيد الأستقلال.مجرد تذكر يمتلئ عاطفة وحماسا فقط دون وعي كامل به وبمعناه. الأستقلال الذي وحد ليبيا ذات يوم وجمع شعبها على هدف سواء ثم تنكروا له وتفرقوا من بعده.

فماذا تجدي العواطف؟ وماذا يفيد الحديث المكرر والمعاد عن اليوم الرابع والعشرين من ديسمبر؟ ماذا يفيد ذلك وقد إختفى بكل وضوح أو بهت معنى الأستقلال وأسئ إليه طيلة أعوام وإنقطع عن أجيال تكاثرت وظل يتردد في أسماعها بأنه (باطل) و(مزيف) و(خائن) و(عميل)و(صناعة أجنبية).. وكل بقية الأوصاف التي لاتنتهي!

ماذا يجدي الحديث عن عيد الأستقلال وقد غادرت ورحلت الأجيال التي ضحت في سبيله وشيدته فيما قاربت على ذلك أيضا الأجيال الأخرى التي جاءت بعدها وعاصرته إلي حد كبير.. ثم أجيال أخرى عاشته إلى حد ما وظل في أعماقها ثم أنطفأ توهجه في المواقد وتلاشى لدى غيرها وإبتعد تماما من منطقة الضوء لينحسر أخيرا عند الكثيرين في منطقة العتمة والظلام!

لقد غربت شمس الأستقلال بزوال مفهومه وبأنقراض أغلب من عاصره وعايشه وشاهده وبكى من أجله فرحا أو حزنا. أجيال ليبية فتحت أبصارها على معاني الأنتماء وعلى دروس التربية الوطنية وعلى تجارب مضت كانت كالشوك في الحلوق من الحاجة والجوع وأيام الشر والفاقه والألبسة المرقعة والأمراض وقلة الحيلة والتخلف. لكن الكبرياء كان لديهم في النفوس عندما خرج أولئك الليبيين في ذلك الأثنين الشتائي يعلنون إلى العالم ولادتهم العسيرة.. من دهاليز العبودية والأنكسار التي عاشوها أزمانا طويلة بين دوي المدافع والغارات والطاعون والخرائب والقصف والمنافي والمعتقلات والأعدامات والمحاكمات الطائرة وتغيير الهوية وطمس معالم الشخصية الوطنية وتحويلها شاطئا رابعا لروما. كان الأستقلال عند الرجال الذين عاشوا هذه المرارات القاسية حلما غاليا خاضوا من أجله صراعات على كل المستويات.

إختلفوا. وتوافقوا. وإهتدوا إلى طريق واحد قادهم إلى الأستقلال فقط. أجيال عانت ولامست القهر بأصابعها وكل أطرافها ثم نهضت من الركام و إرتفعت إلى فوق وتسامحت ورمت بالماضي إلى البعيد لتنطلق بالحلم الغالي إلى المستقبل.

كان الأستقلال يعني بجلاء في مفهومهم الكبير: المواطنة والحقوق والواجبات. الغذاء والأمن. التوافق والتراضي. الكتاب والكراس والقلم والسبورة والمدرسة. العلم والنشيد. الدستور والحريات. التغاضي عن الأخطاء والأبتعاد عن التربص. يعني المستوصف في القرية النائية والطريق المعبد إليها. والبيوت المطمئنة. التخطيط والمشاريع لصالح المواطن في كل الأماكن من دون فرق. الأنتماء. التحديث والتطوير والبناء ومعالجة الأخطاء. والتربية الوطنية التي ترتبط بالأستقلال ومعناه وأبعاده وتؤسس للوعي به والحفاظ عليه كل يوم .

كان الأستقلال عند الليبيين من من مساعد إلى راس جديرإلى جبال تمو وتيبستي يعني الرابع والعشرين من ديسمبر ويعني ليبيا رغم نقاط الأختلاف أو التقاطع في وجهات النظر. ويعني أبناءها ومستقبلها ويعني أن بلادهم صارت لهم وأضحت دولة وليست كيانا مصطنعا أو لقيطا وأن بقية خطوات المشوار تنتظر أن تمضي بالمزيد من الصبر والتطلع إلى الشمس. كان الأستقلال مبنيا على التصالح ورغم العثرات والثغرات التي لابد منها في أية دولة كان أيضا لايدل على الخيانة أو الغدر ولايعني التحقير والتمييز ولايعني الأقصاء ولايعني التعالي ولايعني السخرية ولايعني الأنانية والتراشق بالجهوية والقبلية والتعصب. كان يعني ليبيا كلها بأبنائها يشملهم الوطن الواحد والحلم الواحد والحدود الواحدة والنظرة الواحدة وتكافؤ الفرص والأنتماء الواحد على الدوام . كان عنوانا نبيلا وساميا وراقيا لوحدتهم الواحدة.. ثم تفرقوا من بعد أن وحدهم الأستقلال.. ثم أضحوا يرجمونه بالحجارة وينعتونه بأقذع الأوصاف.. (إستقلال مزيف) و(كاذب).. وكيف يستقيم ذلك. كيف يتواءم الزيف مع الحقيقة الساطعة التي ظلت تؤكد بأن ليبيا نهضت من الرماد . بأنها دولة في العالم وأن إستقلالها كان ناصعا وحقيقيا بعد تضحيات من الدم والأرواح وأعوام الشر والتهجير والدموع والحزن الذي لاينقطع صباحا ومساء. والأجيال معذورة لأنها لم تحضر ذلك أبدا. سمعته من الرواة وضربت عنه صفحا وأعتقدت أن ليبيا أضحت هكذا كما هي الأن. كيف يكون الأستقلال مزيفا دفعة واحدة ويرمى به في الخلف بكل إحتقار ومهانة مازالت تتواصل حتى هذه الأيام. كيف يكون مزيفا وقد واجه رجاله المؤامرات والأيام الصعبة والأحتياج. كيف يكون مزيفا وقد ربط الحزام على بطنه ومنحهم شهادات التخرج وأنفق على التعليم لأبنائه وجعل لهم وظائف وأرسلهم في بعوث إلى الدنيا.

كيف يستقيم التزييف الأعوج والباهت مع اللمعان الحقيقي الذي إنصرف عنه الليبيون الذين لم يفطنوا إلى هذا الهجاء والشتم وبعضهم شارك فيه خلال سنوات الأستقلال دون أن يدري وبعده في أعوام لاحقة. الليبيون حتى الأن يذرفون الدموع على أيام الأستقلال لكنهم لم يدركوا قيمته بعد. لم يجيدوا نقله والأستفادة منه بوعي وأمانة وصدق إلى البقية في بعده الوطني والأجتماعي. في بعده الأنساني والزماني والمكاني والظروف السائدة والمنطق والعقل.

البعض بدلوا جلودهم وصاروا الأن من أجيال الأستقلال وقد كانوا بالأمس القريب يولونه أقفيتهم ويضربون عنه صفحا. ومع هذا لم تعد هناك لهم معرفة أصيلة بتاريخ الأستقلال ومعناه ومبناه. لم يتواصلوا لأنهم فتحوا أعينهم وبطونهم على ثقافات أخرى ومعارف أخرى وقنوات أخرى ونظريات أخرى وكلام أخر محشو بالأكاذيب.

إن إنفصال أبناء ليبيا المعاصرة عن تاريخ إستقلالهم هو إنفصال عن الأنتماء وإنقطاع عن الجذور. والأمثلة كثيرة تطلع لنا في كل لحظة. إن هذا الأنفصال المؤلم والمؤسف يمتد ويتواصل وكلما يأتي الرابع والعشرين من ديسمبر ينهض المزيد من النفاق والكذب. يتجدد الحنين العاقر والمكرر إلى أيام الأستقلال . كل ذلك يظل مجرد (مكاء وتصدية).

الأمم الحية تشعر بالفخر تجاه ميلادها ونهوضها من العدم وتعلم أبناءها كيف يكون الأنتماء إلى أوطانهم. ونحن أمة تفتقر إلى ذلك.

الليبيون الأن يكرهون بكل بساطة إستقلالهم.. ولو أستفادوا من دروسه ومعاناته لما حدث لهم ماحدث لأنهم بمنتهى الأختصار فقدوا الأنتماء فضيعوا الأستقلال ولم يعد يجدي التكرار.. أو البكاء!!

سالم الكبتي

- راجع: في ذكرى الإستقلال (ملف خاص)

احتلال معاكس | 26/12/2021 على الساعة 02:46
من الممكن جداً
لو بقى الليبيون جزءاً من إيطليا، كما كان يتمنى لهم بينيتو أندريا موسوليني، لكانت الآن جزيرة سردينيا و مدينة البندقية و بحيرة غاردا و سهول البو و نصف العاصمة روما أملاكا لهم بالكامل.
اثينا مينيرفا | 25/12/2021 على الساعة 19:26
كانت ليبيا دولة محترمة فعلاً
بريطانيا حررت ليبيا من المانيا و ايطاليا، و حارب الجيش السنوسي في صف بريطانيا و النتيجة كانت وعد بريطانيا باستقلال برقة بعد الانتصار، ثم طلب الطرابلسيون من الأمير ادريس السنوسي الانضمام له خشية الوصاية الايطالية. و كانت ليبيا دولة مستقلة و في تطور مستمر لمدة ١٨ سنة، و لكن و بعكس الشعب التونسي فأغلب الشعب الليبي كان غير وطني و أغلب الجيش متآمر فباعوا ليبيا لعبد الناصر و النتيجة كانت القذافي. و لايزال الليبيون إلى الآن يدفعون ثمن غلطتهم تلك.
اثينا مينيرفا | 25/12/2021 على الساعة 17:45
كانت ليبيا دولة محترمة فعلاً
بريطانيا حررت ليبيا من المانيا و ايطاليا، و حارب الجيش السنوسي في صف بريطانيا و النتيجة كانت وعد بريطانيا باستقلال برقة بعد الانتصار، ثم طلب الطرابلسيون من الأمير ادريس السنوسي الانضمام له خشية الوصاية الايطالية. و كانت ليبيا دوة مستقلة و في تطور مستمر لمدة ١٨ سنة، و لكن و بعكس الشعب التونسي فأغلب الشعب الليبي كان غير وطني و أغلب الجيش متآمر فباعوا ليبيا لعبد الناصر. و النتيجة كانت القذافي. و لايزال الليبيون إلى الآن يدفعون ثمن غلطتهم تلك.
غومة | 25/12/2021 على الساعة 03:00
الاستقلال ليس موضوع انشاء…!
لو فكرت قليلا فيما تكتب لاستدركت بان اي فكرة، او شيء، يحتاج جهد لترسيخه في عقول الناس انما يفتقد الى المعطيات التي تبرر وجوده. الليبيون لم يكافحوا لنيل استقلالهم بل اتاهم هبة من اختلاف الذين كان بامكانهم تقرير مصير الشعوب.لقد اعطوا ليبيا استقلالها لغرض الاستحواذ بها من قبل الغرب. بل وضعوا رجل بسيط، صوفي المزاج، كملك طرطور. لم يستمر لا "الاستقلال"ولا الملك،بل لم يفهم الليبيون معنى الاستقلال والملكية ولا حتى معنى المواطن والوطنية! ان الاستقلال اكثر من ان يوهب من قبل هذا او ذاك، انه ياءتي من غمرة التاريخ وشحنة الطاقة وعمق التفكير. كل هذه العوامل لم تكن حاضرة في تلك الجغرافيا المسماة ليبيا في كل تاريخها الضايع في الزمان، ان لم يكن حتى المكان. اولئك الذين ما زالوا يحنون ويحلمون بما يسمونه الاستقلال انما لاسباب شخصية وعواطف رومانطقية. ليس هنالك في ليبيا ما يرثى له بل يجب التفكير في البدء من المربع الاول ونقطة الصفر. عندما ندرك دلك نكون قد بداءنا الخطوة الاولى لحل مشكلة شعب بلا هوية او تاريخ او ادب وثراث. هذه احدى معضلات الوقت الحاضر وكثير من تلك البلدان التي تسمي نفسها شعوب العالم الثالث
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع