مقالات

جمال صالح الهنيد

طول السلك يودّر الإبرة

أرشيف الكاتب
2021/12/16 على الساعة 14:28

الفعل "يودّر" يعني "يضيّع" والمثل الشعبي معناه أن طول الكلام يُنسي بعضُه بعضاً، فيضيع المقصد الذي يريده الخطيب أو الكاتب بسبب طول المقال. ولخطباء صلاة يوم الجمعة نصيب وافر في طول الخُطَب وذلك لسببين رئيسيين؛ أولهما أن الميكروفين جذّاب فلا يريد الخطيب أن يتركه. وثانيهما؛ أن الجمهور أسيرٌ، لا يستطيع ترك المسجد قبل انتهاء الصلاة. 

ولك أن تتخيل كيف يستفتح أو يخطب خطيب الجمعة خطبة عن وجوب إتباع سنة الرسول والعض عليها بالنواجذ وهو يخالف هديه وسنته في الخطابة والحديث والنصح. كان يأتي السائلُ عن الإسلام رسولَ الله فيُعلّمه أركان الإسلام الخمسة، ويسأله عن الإيمان فيُعلّمه أركان الإيمان الستة، إجابة لا تستغرق دقيقة من وقتنا المعاصر. 

يسأله الصحابي: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك، فيجيبه: "قل آمنت بالله ثم استقم". لا تفصيل في الكلام ولا حديث عن توحيد الربوبية ولا توحيد الألوهية ولا توحيد الأسماء والصفات. ومنه تعلّم الصحابة الخطابة وأخذوا بسنته، فها هو عبدالله بن مسعود رضى الله عنه يقف في الناس واعظاً في الكوفة كل يوم خميس فقيل له: أما لو وعظتنا كل يوم، يرجون أن يسمعوا منه أحاديثه عن رسول الله الذي صاحبه وسمع منه وهم لم يروه، فيقول لهم: إنه ليمنعي من ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم كان يتخوّل أصحابَه بالموعظة مخافة السآمة عليهم. 

هذه هي سنة الرسول عليه الصلاة والسلام الذي هو أعلم الناس بالدِّين وأخشاهم وأتقاهم لله، وأحرص على الناس بالهداية من الأئمة والوعاظ.

إن القارئ لخطبة الرسول عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع، يدرك شعور الرسول بأنها آخر خطبة في آخر حجة له بدليل قوله فيها:"لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا"، وقوله: "ألا  ليبلّغ الشاهد منكم الغائب"، وهي خطبةُ رسولٍ ناصحٍ ومشفقٍ على أمته الشاهدة والغائبة، ومع هذا.. فلا يتجاوز طول الخطبة خمس دقائق. 

لا شك أنه صلى الله عليه وسلم قد أُوتِي جوامع الكلم، ولن يأتيَ أحدٌ بخير مما أتى به الرسول، ولكن كما أُمرنا أن نتأسى به في أخلاقه وأفعاله يجب أن نتأسى به أيضاً في كلامه؛ معنىً وطولاً. كلامي هذا تذكرة لخطباء المساجد ولكتّاب فيسبوك، أن يتخوّلوا المصلين والقرّاء بالموعظة مخافة السآمة عليهم. ألا هل بلّغت؟ اللهم فأشهد! لم يبق إلاّ شيءٌ واحدٌ... أن أكون أنا أولى بالموعظة منكم فأسكت!

جمال صالح الهنيد

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع