مقالات

محمد. م. ف. دربي

الخاضع المستنير.. الخاضعة المستنيرة (ثلاث مقالات)

أرشيف الكاتب
2021/12/06 على الساعة 18:45

الأولى:

جاء في قول قديم:"حياةٌ من دون مراجعة نقدية للذات ضربٌ من الجهل"، فهل هي تلاوين من السخرية من الذات أما أنها احتمال معقول يجلب الفائدة ثقافياً والجتماعياً وسياسياً، لصالح الجميع. فإن ارتفع الإهتمام بمراجعة الذات الجماعية بفكر ناقد يصبح من الممكن أن يرافق ذلك ارتفاع في الوعي الإجتماعي العام ومن ثمة قد يسود المجتمع الوفاق والتفاهم على أنّ التفاهم الناقد يعني الخروج من الأزمات الخانقة وليس تحقيق الرضى للجميع.

فهل في وسع المرء أن يعود إلى رشده لمواجهة الذات ليسأل: هل "القائد" الزعيم المستبد والذي كنت أقدسه ولا أزال مُتيماً في عبادته والذي كان مُحسناً لي وسفاحاً مع آخرين من ابناء جنسي وعلى ديني، فهل هذا المستبد يستحق كلّ هذا التماهي وإلى الأبد والإعجاب والوله به إلى حدّ الجنون رغم قسوة المناخ السياسي الخانق؟

وفي سؤال قديم: فماالذي تعنيه الحياة عند انعدام القدرة على أنْ يعيش المرء الإنسان وباستمرار ناقداً ومجابهاً تحررياً لا يُرتهن لسلطة متسلطة ولا اديولوجية واحدة مهيمنة وعلى ذلك يبقى حراً؟

لا يُعبد الجسد الوثني الذي تخترع له الثقافة المعطوبة لقب "القائد" إلا عند اِنطفاء المنطق والعقل وسيطرة ذهنية العصبية والخرافة على المرء وازاحة التفكير الناقد حيث لا تتجلى إرادة المرء سياسياً وثقافياً إلا في إرادة "القائد" الذي يرتفع إلى مقام "قائد الأمة" والناس "على دربه طوالي" حيث تتوالى وتتراكم السلوكات والاشارات والكلمات فالقائد "رافع الراية المرفوعة في العالي والغالي شعبه غالي" والذي بسوط استبداده جعل الناس "عايشين في حرية" ويعرف الناس أنّه "امين القومية".

فهل يمكن للانسان القيام بتحطيم عقله أو عقلها، من أجل أنْ يبقى "القائد" الصنم معبوداً - رغم اختفائيه الملموس -  يرسم ذهنية الناس كما يختار ويحلو له من مثواه الأخير؟ فما الداعي إلى استمرار اشكال التخلخل الذهني والترواح بين زمان وزمان بنطقٍ معكوس من أجل أنْ تحيا هذه الذاكرة المرضوضة التي لا تعرف كيف تفصل بين الحق والباطل، أو تُميز بين الصالح العام والتماهي مع "القائد التاريخي".

الثانية:

تعرية اغوار الذات الحالمة المُستسلمة لتفرد "القائد" وزعامته الطاغية، حالة نقدية يصعب الغور فيها ومواجتها بصدق وشجاعة.. فليس من الصعب الانسياق وراء ايهام الذات وفقدان مفاتيح البصيرة في حقيبة آمال مشاعر الخيبة واليأس والعجز وانفصالها عن واقعها الاجتماعي؛ وهو ايهام يحيل المرء الذي استعبده الحاكم المستبد "الزعيم" لعقود غابرة وهمّش كينونته الاجتماعية والإنسانية، يحيله إلى مخلوق مهزوم يلتجئ إلى الخرافة ورنين الكلمات المعطوبة كي يدافع بها عن ذاته المنكسرة المهزومة، وما السلطة القامعة في آخر المطاف إلا - في جزء منها- انعكاساً لهذه الذات الواهمة التي لا زالت تطارط خيطاً من دخانٍ وتجدف خلف سرابٍ في بيداء جرداء.

وما الثقافة التي تعبد "القائد" لها القدرة على أن يتقدم المجتمع بها ولو قيد أُنملة. وما الوله بالقائد إلى حدّ الجنون إلا انسلاخ الإنسان عن هويته الإنسانية مستسلماً ذليلاً. وقيل قديماً: اختلاط الذّل بالإستسلام وانسلاخ الانسان عن انسانيته هو نعيٌ لامالها الخائبة المتسربلة بالحنق دون تبكيت للضمير.

الثالثة:

في مجتمع كان"القائد" فيه فوق القانون والمساءلة وفوق الجميع وفي جزء كبيرمنه مازال يتماهى الناس معه إلى حد العبادة والإفتنان، إنْ هو إلا مجتمع يحتاج للمراجعة ونقد الذات وإعادة التفكير في هويته الوطنية. أما انكفاء الذات على ذاتها وبالذات في السياسة وبناء الدول ليس ثمة من نوايا حسنة وحسب بل لزوم الوعي يدعو لمراجعة الذات الجماعية، فالوعي الجمعي إنْ لم يكن مستقلاً معرفياً وثقافياً وذهنياً وعقائدياً عن الحاكم الذي مضى بعد أن أفسد البلد والحاكم الذي سيأتي مجهول البرامج السياسية والتنموية، فهو ذاته الوعي الذي يصدر عنه – فعلياً- إما مجتمع حرّ ديمقراطي أو سلطة دكتاتورية.

والدول لا تبنى بالمتاهات ولا بالعناد النمرودي ولا بالعنطزة الوهمية ولا بذهنية القبيلة والغنيمة ولا باحتراف نهب المال العام ولا بمجرد وجوه عابرة على "الفيسبوك" والفضائيات والدعايات الإنتخابية التي يحجبها الظلام وسطحية التفكير الهزيل، فالظلام ضدّ البصر والبصيرة، او هكذا قيل، والعود إلى جلباب ديكتاتور سابق في زيه السابق والعناد المتفاقم في رفض بناء الدولة لهو أشدّ باساً من الخواء والفراغ والملل والحملقة في صفحات الورق وشاشات الفضائيات والعين ميزان الإنسان!!!

إذا أُتيح لي أن أسأل سؤألاً قبل اقفال هذا المقال فلا أجد إلا هذا اسؤال: كيف استطاع "الفاتح من سبتمبر" أن يكشف عن عقلية الثقافة الليبية؟

محمد  دربي

 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع