مقالات

سالم الكبتي

أبومدين.. مشوار البركة إلى الجزيرة‎‎

أرشيف الكاتب
2021/12/05 على الساعة 19:38

خطوات من الوطن البعيد إلى الجزيرة.. في تلك الحمى. من البركة وبنغازي. البحر الأبيض. ثم ضفاف البحر الأحمر. جدة ودروبها القديمة. أطلق إسمها على أم البشر حواء. ويتردد على الشفاه وفي الروايات بأن قبرها هناك. الصحف وأحبار المطابع والسهر. النوادي الأدبية. وبنغازي من البعد. والوطن في الأقاصى. تهامة ونجد والصحراء والدمام ومكة والمدينة. أفق جديد ورحاب واسعة تمتد أمامه وتستقبل مفتاح أبومدين الذي أضحى لاحقا هناك عبدالفتاح. لم يألف أهل جدة أسم مفتاح. أستقر بعد أن أستدعاه خاله بدر الدين. ذلك جمرك جدة عند الميناء والعمل الجديد. الحسابات والصادرات والواردات والبضائع وحركة الحجاج القادمين والرائحين. وأصوات العتالين والبراحين.. وأنفاس بنغازي البعيدة فى الظلال والألوان.. هناك في جدة حيث أم البشر ترقد مطمئنة.

البحر والمد على الضفاف في الأحمر والأبيض والرطوبة والأمواج والأثباج.. مثل بنغازي التي تعلم خلالها في جامع بلوطة في شارع الطيرة بالقرب من بيت العائلة والأقارب والجيران. واجه الحياة بكل عصامية يندر شكلها هذه الأيام. تجربة أخرى. عمل بناء في مطار قاريونس بعد الحرب. ربط الشملة الحمراء وتحزم بها في الوسط. العجنة والملاط وتسوية الأحجار. وخبازا يقترب من حطب الفرن في ساعات الصباح عبر أيام الصقيع والحر.. ومهن أخرى. والصداقات والذكريات والأسرة فى الوطن البعيد لاتفارقه.. لاتترك خياله وتظل تجذبه في كل وقت. صورة بنغازي أيام الحرب ومابعدها. القوات الأجنبية. والجوع والجلاء إلى الضواحي والغارات المفزعة.. ورغم ذلك يبقى الأمل يتوهج في الصدور المكلومة ولايخفت قنديله أبدا.

لكن هذه جدة ياعبدالفتاح. وتلك بنغازي. تلتقطان أنفاسهما من أمواه الشوق والحنين وصيحات النوارس البيضاء قرب الأرصفة والجمرك والأرقام وحركة الميناء لم ترض أن تقيدك أو تشدك في أسرهما. الثقافة والكتاب هما العشق والحب الأول والأخير.

غادر الأرقام وعالمها المتشابك مثل الألغاز والرموز المبهمة. لم تكن على مقاسه الطموح الذي مايزال مفعما بالعصامية في الظروف الصعبة. تركها عند أرصفة الميناء والأمواج تتلاطم والمد يعلو. والبراح الاْوسع من البحر يلوح أمام النظر بأتصال وكانت الثقافة وعالم الحروف ودنيا الكلمات ميناء أخر ألقى عنده مراسيه ولم يتوقف.

عبدالفتاح اْبومدين يصبح في الجزيرة قامة يشار إليها بالتبجيل. ليبي من بنغازي في السعودية يظل علامة من علامات الفكر والتنوير. يتقدم الصفوف. يترأس الصحف ويصدر مجلة الرائد ويتواصل عبرها مع مجموعة من كتاب ومثقفي بلده البعيد. رحلة العصامية وتثقيف الذات والأجتهاد التي يجهلها الكثيرون ولايستطيعون خوضها. رجولة وبسالة في مجتمع اْخر عند ضفاف الأحمر. ينهض بالثقافة. كانت هما وشغلا شاغلا له. عشق شعر المتنبي. واْعجب بطه حسين العميد الكفيف وإلتقاه عندما أتى للحجاز فى موسم الحج عام 1955. وشارك في الكثير من المعارك الفكرية والنقدية وجلى الكثير من الغبار.

.. والدروب في جدة التي صارت أكبر والمعاناة والسهر وأحبار الصحافة والمطابع وحروف الكتب. والأندية الثقافية. كان نادي جدة الأدبي يضئ بأفكار ووقدات الليبي أبو مدين. أسسه وطوره وأقام المحاضرات والندوات. والتنوير يلتهب ويشتعل. وأصدر عن النادي الذي توقف نشاطه لاحقا.. ربما المنشورات المهمة للعديد من المثقفين والأدباء العرب أبومدين البنغازي الليبي السعودي كان في كل تفاصيل تجربته حركة لا يشوبها الملل ولايعتريها الجمود. كان طاقة إيجابية تتدفق وترمي بجميع عوامل السلبية والتقاعس. الثقافة والفكر تقدم وإنطلاق إلى الأمام. هذا البناء الخباز العامل القارئ تحت وهج السراج في بنغازي أضحى مؤسسا ورائدا كبيرا بعد مشواره النبيل من البركة إلى جدة في منتصف الأربعينيات الماضية.

لم يهدأ. لم يتعب. رحلة الحروف كانت هواه. الأنتماء للكلمة الشريفة والأنسان محطة بالغة التأثير في مسيرته الطويلة.

ثم يلقي عصا التسيار والرحيل بعد التسعينات من العمر بأربع أعوام في الثاني من ديسمبر 2019. يمنحه الملك أكبر الأوسمة في السعودية. يرحل هناك. والنوارس على الشواطئ المقفرة تغرد في حزن. وبنغازي هنا.. بعيدة عنه. أجيالها لاتعرفه. لاتعرف عصاميته. لاتعرف قدره. أجيال إنقطعت كعادتها الدؤوبة ولم تتواصل مع تجربة جيله. لكنها تظل تنتحر كل يوم وتلعن تاريخها وتعاني اليأس وتدور في الفراغ!

سالم الكبتي

الصور: (1) عبدالفتاح ابومدين .. بعض المراسلات منه الى الكاتب وحكاية الفتى مفتاح هدية منه

 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع