مقالات

محمد نجيب عبد الكافي

حبيبتي (16) الـصـمـود

أرشيف الكاتب
2021/12/02 على الساعة 14:55

وجدت في محفوظاتي التي بعثرتها الأسفار والتنقلات، وشغلتني عنها ملاحم الحياة، بانهزاماتها وانتصاراتها، فعجبت من بقائها وصمودها، خاصة وأنها أقصوصة من أقصى الشرق، لا شك أنها هندية أو صينية، تشرح الصمود وفوائده. وكما لو لم يكن هذا كافيا، وجدت مع الحكاية، بلغة غير لغتها، عشر نصائح حول الصمود وله. كيف، ولماذا، ومتى، وأي استفسار آخر، عن سبب أو تاريخ أو مصدر هذه المحصولية، لا جواب عنه، لأني أجهل كل ذلك، ولا علم لي إلا بوجوده لأنه بين يدي. دفعني هذا إلى استفسار القواميس، علّي أجد معنى، أو معانيا، تخص الصمود وأنا لها من الجاهلين. فكان محصولي من القواميس، لا يعدو ما هو معروف، وما هو سوى صَمَدَ يصمد صَمْداً، وصُمُوداً أي ثَبَتَ واستمرَّ. ومنه قول الإمام عليٍّ: صَمْداً، صَمْداً، حتى يتجلّى لكم عمودُ الحقِّ بمعنى: ثباتاً، ثباتاً. تأكدت من أني على صواب إذن، فسأواصل بسرد الحكاية. يقول بطلها، وهو شيخ مسن يتحدث إلى شاب حائر، فينصحه بإحدى تجاربه فيقول: أجبت بنعم. فعندما زرعت بذور السرخس، والخيزران، اعتنيت بها عناية خاصة. كبر السرخس بسرعة. فغطى لونه الأخضر اللماع الأرض. لكن لم يظهر شيء من بذور الخيزران. رغم هذا، لم أعدل عن الخيزران. جاء العام الثاني كبر السرخس، وزاد لمعانه وكثرته، ومن جديد، لم ينبت شيء من بذور الخيزران. لكني لم أهمل الخيزران. العام الثالث، دائما لا شيء ظهر من بذور الخيزران، لكني لم أعدل عن الخيزران. جاء العام الرابع، ومرة أخرى لم تنبت حبات الخيزران شيئا. لكني لم أهمل الخيزران. خلال العام الخامس، برزت من الأرض نبتة صغيرة من الخيزران. بالمقارنة مع السرخس، بدت صغيرة جدا ولا تعني شيئا. العام السادس، كبر الخيزران، حتى بلغ ارتفاعه أكثر من عشرين مترا. إنه قضى خمس سنوات كي يقوّي جذوره حتى تقدر على حمله. جذوره جعلته أقوى وأعطته ما يحتاجه كي يعيش.

هل علمت أنك طوال هذه المدة التي قضيتها مكافحا، كنت فيها في الواقع بصدد تكوين جذورك؟ قال الشيخ وواصل... إن الخيزران له دور مختلف عن دور السرخس، لكن كلاهما ضروري، ويجعل من هذه الغابة مكانا رائعا. لا تندم إذن أبدا، ولو على يوم واحد من حياتك. فالأيام الحسنة تجعلك سعيدا. والأيام السيئة تعطيك تجربة. لأن كلاهما ضروري في الحياة. هكذا قال له الشيخ وواصل: إن السعادة تجعلك حلوا دائما. والمحاولات تجعلك قويا، والآلام تجعلك محافظا على إنسانيتك. والعثرات تجعلك محافظا على تواضعك. والنجاح يتواصل به لمعانك. إن لم تحصل على مبتغاك، لا تيأس... فمن يعلم، لعلك، في تلك الأثناء، بصدد تقوية جذورك..

حكم وأيم الله كل ما نطق به هذا الشيخ، نجدها في ثقافتنا أيضا، ثقافة زال وأهمل منها الكثير، وما تبقى مهدّد أكثر من ذي قبل. فعندما يقول الشيخ لا تيأس أبدا، ألا يذكّرنا قوله بما جاء في الكتاب العزيز "ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون؟" وقوله السعادة تجعلك حلوا دائما، أليس هذا مشابها لما يقول مثلنا الشعبي "اضحك للدنيا تضحك لك؟" مليئة ثقافتنا الزائلة المُحتقرة، بالحكم والمكوّنات الدافعات إلى التحسين والتطوّر، لكننا بدل التمسك بما عندنا وهو ما جعل أسلافنا أمثولة للعالمين، وتطويره وتحسينه إن أمكن، حاكينا وقلّدنا فأصابنا ما نبّه إليه المثل الشعبي "جي يمشي مشية الحمام ضيّع مشيته" وإذا بنا نعرج ونتعثر. لذا سيكون من المفيد جدا نقل بعض ما قاله علماء النفس في الصمود وإدراج هذه النصائح التي جمعتها من كلامهم وكلام بعض الدارسين الاجتماعيين. فمما قالوه بشأن الصمود مثلا "إن الأشخاص الصامدين يمتلكون بُنْية عاطفية واجتماعية كاملة". هم واعون بأنه أحيانا، ليس طلب العون ضروريّا فقط، بل من الممكن أن يتضح بأنه مثمر للطرفين، طالب العون ومعطيه. بهذا تتكون علاقات عاطفية وتتقوى. يجب أيضا، على دارس الصّمود، البحث عن أشخاص إيجابيين ليحصل على معطيات صادقة عن الصمود، كما يجب الابتعاد عن "مصاصي الدماء" العاطفيين. ويقول هؤلاء العارفون، إن كلمة أزمة، تتركب في اليابانية من الحرفين خطر+ فرصة. فيجب إذن، تَعلُّم الاستفادة من الفرصة التي تمنحها الأزمة والخروج، وقد كبرنا، من الأوقات الصعبة. لابد من التعوُّد على الواقع الذي يدل على أن أي مشكلة ما هي إلا مؤقتة، باستثناء الموت. فبهذه الطريقة يتحمّل الأشخاص الصامدون فيتخطّون العواصف التي تفرضها عليهم الحياة. إن الحل هو مجابهة الأزمة كفرصة لخلق تغيير، للتعلّم والنمو. 

فها هي عشر نصائح تعلم تنمية الصمود الباطني. عشر نصائح تجعل المرء صامدا. أولاها تكوين علاقات مثمرة مع المحيط. الثانية عدم اعتبار أية أزمة بأنها لا تُغلب. أما الثالثة فهي الاعتراف وقبول بأن التغيير جزء من الحياة. لا محالة من أن كل شيء يتغير ويتطور، مرة إلى ما أحسن ومرة لا. يجب قبول الأحداث التي تفلت من مراقبتنا، كي نركز على الأشياء التي يكون لنا عليها تأثير. إذا تحطم إناء، مثلا، لا تجدر محاولة إعادة جبره وإلصاقه، لأنه لن يكون كما كان. لكن الشخص الصبور يخلق من قطع ذلك الإناء، فسيفساء تكون فنيّة أحيانا. لابد من البحث دائما عن الجمال، ولو ضمن الصعوبات. رابعا: الاتجاه دائما نحو الأهداف المراد بلوغها. خامسا أخذ القرارات بلا خشية أو خوف، وحتى إذا ساورتنا الخشية، يؤخذ القرار بالرغم من ذلك. سادسا تعلُّم النظر إلى النفس بمنظور إيجابي. النصيحة السابعة هي التي تنقصنا جميعا لأنها تقول: اكتشف نفسك بنفسك. الثامنة توصي بتنمية وتطوير المنظور، البعد النظري. وتاسعا عناية المرء بنفسه واحترامها. عاشرا وأخيرا عدم اليأس وإضاعة الأمل.

إن الصامدين يعرفون كيف يواجهون المصاعب والمحن، كي يوجّهوها نحو أهدافهم. لذلك من الواجب تعلُّم الخروج من منطقة الراحة، والتحلّي بالشدة والمثابرة على الأهداف، وهذا ليس بلاهة. فبدل إتيان ما يأتيه سمك السلمون السابح ضد التيار، وجب استغلال التيار كي يجعل السير أكثر سرعة. كل ما تقدّم من حكم، وآراء، ونصائح، تشرح وتدعو إلى الصمود وما يحتويه من إرادة، وتصميم، ومثابرة، ومدّ، وزجر، وأخذ، ورد، أساسه كلّه الإيمان والصبر. إيمان بالله وبالمبدئ، أو الهدف والغاية التي من أجلها وجب الصمود. أمثال كثيرة على الصمود نجدها في تاريخنا البعيد والقريب، منها ما أظهره المجاهدون في ليبيا ضد الغزاة الطليان، أو الجزائريون ضد الطغاة الفرنسيين، أو ما يظهره اليوم في كلّ آن وحين، الإخوة الفلسطينيون، ضد الدخلاء الصهاينة ومؤيديهم بالسلاح والعتاد، صمود نال وينال وسينال تقدير واعتبار ذوي الحجى ومحبي الحق والعدالة. إن في الصمود صبر والله يحب الصابرين.

محمد نجيب عبد الكافي
مدريد في 16-10-2021.

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع