مقالات

سالم الكبتي

د. بورو.. الجغرافيا والتاريخ

أرشيف الكاتب
2021/11/27 على الساعة 20:19

الجغرافيا ليست مادة وخرائط فقط. ليست منهجا يدرس اليابسة والجهات الأربعة والرياح والتضاريس ونسيم البر ونسيم البحر. الجغرافيا فكر وعلم مهم يخدم الواقع والأنسان. ويردف العلوم الأخرى بروافد شتى. تشابك الفكر الجغرافي وإمتزج بتدفقات هائلة من المعرفة ونتج عنه على سبيل المثال.. جغرافية السياسة وجغرافية الأقتصاد وجغرافية البحار والمحيطات. وجغرافية السلالات البشرية والسكان وجغرافية المواصلات والنقل.. وغيرها.

الجغرافيا.. جغرافيا وفكر. واذا ما تحركت الجغرافيا.. حصلت الزلازل. قامت بأسبابها ولم تقعد حروب وضاعت أمم وبلدان وأقاليم. إختفت وطواها الزمن. الجغرافيا ليست سهلة وهي مع التاريخ تشكل وجها واحدا لما يدور ويحدث في العالم المتقلب على الدوام. الدراسات الجغرافية تكشف وتحدد وتبين وتحذر أيضا.

إن ذلك إستقر وببساطة فى ذهن رواد المدرسة الجغرافية الليبية الحديثة.. لم يكونوا إستثناء من المدارس الأخرى.. القريبة والبعيدة. الهادى بولقمة ومحمود الخوجة. وكان مختار مصطفى بورو من بينهم. درسوا فى القاهرة وتخرجوا فى جامعتها. ثم فى بريطانيا. ولحق بمدرستهم الكثير من تلاميذهم ليكملوا المشوار العلمي والمنهجي.

لقد عرفتهم قاعات قسم الجغرافيا فى كلية الاداب ومدرجاتها ونقاشاتها والرحلات العلمية لمختلف مناطق الوطن والعطاء لطلابهم فى أوقات الدراسة وغيرها. إنهم جيل الجغرافيين الليبيين الرواد.

د.مختار مصطفى بورو أستاذ الجغرافيا تولى عمادة كلية الاداب واْدارها عن جدارة منذ أواخر 1967 وحتى أغسطس 1969. وعندما شاهد معمر القذافى يأتي إلى الكلية بلباسه العسكري وكان ملازما في المخابرة ومنتسبا في قسم التاريخ بالكلية منعه من الدخول بهذه الهيأة وحذره من تكرار ذلك وطلب منه الحضور في المرات القادمة بزيه المدنى مثل بقية الطلبة. فهذه جامعة. هذه كلية. هذه مدرجات وقاعات ومحاضرات وأساتذة وطلبة. هنا الفكر والعلم. أما غير ذلك فمكانه تلك الثكنة.

له مواقف عديدة. عرف بصراحته وجديته. رعى أنشطة الطلاب وشجعها وفي فترته واصلت مجلة كلية الأداب الصدور عام 1968 بعد انقطاع دام عشرة سنوات (صدر العدد الأول عام 1958). ترأس تحريرها الدكتور عبد الرحمن بدوي الذي إنضم لطاقم التدريس في الكلية أواخر 1967.

في مدة عمادته للكلية أقيم المؤتمر الكبير الذي لن يتكرر (ليبيا في التاريخ) على مدى أيام في مارس 1968 وبرعاية الجامعة التي يديرها الأستاذ عبد المولى دغمان وبحضور العديد من الباحثين الليبيين والعرب والأجانب.

في إفتتاح جلسات المؤتمر ألقى كلمة ورد فيها: (إنه محاولة لتجميع الجهود العلمية وتكوين مكتبة للتاريخ الليبي من فترة ما قبل التاريخ إلى اليوم ولايخفى عليكم أن العديد من مصادر التاريخ الليبي قد نشرت خارج ليبيا وبالتالي كان طالب التاريخ الليبي وكان المواطن الليبي المهتم بتاريخ بلاده يواجه بنقص في المصادر نتيجة لعدم وجود مركز تجمع فيه هذه الوثائق والدراسات العميقة الجدية عن تاريخ ليبيا فالهدف أن تكون المكتبة الليبية مرجعا عن التاريخ الليبي داخل ليبيا وليس خارجها فقط. وبالأضافة إلى هذا فأني كجغرافي أرى أن حياة الأنسان هي تفاعل بينه وبين بيئته وبالتالي يكون التاريخ سجلا لهذه التفاعل على مدى العصور. لو حققنا ذلك وهذا في رأيي هو الغرض من البحث التاريخي نكون قد رسمنا صورة واضحة للتطور التاريخي لهذه الأمة. فالعلوم الأنسانية تتطلع للحصول على نتائج علماء الأثار والمؤرخين حتى يمكن أن نفسر صراع الأنسان مع بيئته فأهمية مؤتمركم هذا للتاريخ هي على نفس مستوى أهميته للعلوم الأنسانية الأخرى كالجغرافيا والأجتماع والأقتصاد مثلا التاريخ إذن ليس تسجيلا للحوادث فحسب بل هو أيضا تفسير لمجريات الحوادث التاريخية..). وإلى جانب ذلك أسهم بحضوره في جلسات ذلك المؤتمر العلمي بالتعقيبات والمداخلات الجادة والمفيدة.

بعد سبتمبر 1969 بفترة أختير محافظا لطرابلس وقام بواجبه كاملا غير منقوص خدمة للوطن والناس والمدينة. ثم في أيام (الزحف الشرس) في إبريل 1973 وما إعترى البلاد خلالها من كوارث وعاهات كان الملازم الذي صار عقيدا قد أسر في نفسه الموقف القديم من د. بورو في الكلية. أهين الأستاذ وحكم بأحكام قاسية نجاه الله منها. وظل في بيته بعيدا مثل كل الشرفاء. مثل كل الرواد. مثل كل أصحاب المواقف الشجاعة.. لكنه واصل أيضا عطاءه العلمي في الجغرافيا بالجامعة في طرابلس رغم الأحالة على التقاعد. كان الواجب الوطني والعلمي يهزه للعطاء والبذل دون تردد إلى وفاته في السادس من يونيو 1991.

الدكتور مختار مصطفى بورو فهم عن وعي وإخلاص التاريخ والجغرافيا. جغرافيا الموقف والمواجهة والمبدأ. جغرافيا لم تؤثر فيها الرياح التجارية أو رياح المصالح أو بقية العواصف.. وسيظل مثل غيره من الرواد جغرافيا وتاريخ معا لوحده يعطي أحسن أنواع الأمثلة للكثيرين.

سالم الكبتي

الصور: (1) د. بورو يلقى كلمته في إفتتاح مؤتمر ليبيا عبر التاريخ. قاعة الأدارة العامة للجامعة الليبية. بنغازي 16 مارس 1968. (2) في مدرج رفيق. د. بورو في لحظة باسمة اثناء محاضرة للاستاذ مصطفى بعيو في فبراير 1969. وفي الصورة يبدو أيضا.. الأساتذة مراجع الغناي وأبراهيم نصحي ومحمد خيري وياسين طربوش ومجموعة من الحاضرين منهم السيدين عبدالسلام قادربوه والشريف الصديق السنوسي... واخرين

 

ابراهيم محمد الهنقاري. | 28/11/2021 على الساعة 13:18
الدكتور مختار بورو.
شكرا للعزيز سالم الكبتي المؤرخ الليبي الكبير الذي يبذل ما وسعه الجهد كل يوم ليقدم كل جديد عن الاحداث و عن الشخصيات التي تركت بصماتها في كتاب التاريخ الليبي. و رغم الود المفقود بيني وبين الجغرافيا كمادة من مواد الدراسة خلال كل مراحل التعليم التي مررت بها إلا إن علاقة الود و الصداقة التي كانت تربطني باثنين من اقطاب وكبار الجغرافيين في الوطن العزيز هما الدكتور الهادي بولقمة والدكتور مختار بورو غيرت نظرتي الى و موقفي من الجغرافيا . هذا العلم الواسع الذي تحدث عنه الصديق العزيز الأستاذ الكبير سالم الكبتي في هذا الحديث و اعطى له و لرجاله و للدكتور مختار بورو ما يستحقونه من الاشادة ومن التقدير. شكرا اخي سالم ومزيدا من مثل هذا التنوير. مع خالص التحية. ابراهيم.
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع