مقالات

د. محمد محمد المفتي

مفارقات السياسة الليبية؟

أرشيف الكاتب
2021/11/25 على الساعة 18:54

الأطفال يفهمون حقائق الحياة أكثر بتبسيط مذهـل.. فحين سألت صبيا من الجيران عن اسم صديقه الذي كان يحكي معه قال: "معانا في المدرسة، دماغ، وبوه حكومة، ورق، وعنده سيارة دهشه حمراء.." كلها سمات لا علاقة لها بالقبلـية!! ومثل هذه التصنيفات الحداثية متسقة مع رؤية الناس لأنفسهم وللآخرين في عصر السيارة والموبايل والكمبيوتر.

بالمقـابل، وخاصة في هذه الأسابيع المصابة بحمّى الانتخابات، تحتـشد الأخبار والقنوات الفضائية بالحديث عن القبائل والبيانات القبلية وشتى الفعاليات. ولا اعتراض لي على كل ذلك. لكن أن يكون من باب منح مشايخ وأعيان "القبائل" دورا اجتماعيا وسياسيا وكذلك منح شباب المناطق المنقطعين في الواحات والذين لا صوت ولا دور لهم. هذا كله مقبول ومطلوب في دولة لا صوت فيها إلا لأقلية من الوزراء والإداريين والمرموقين لا يزيد عددهم عن 1000 شخص على أقصى تقدير.

وقبل أن نغوص في التفاصيل، أريد أن أشير إلى أن ما يكتب عن القبلية مستمد في معظمه من كتابات ومراجع تجاوزها الزمن، ويستوي في ذلك ما يكتب في المراكز والجامعات الدولي وما تنشره النخب المحلية.

ولا خــلاف على أن القبيلة كانت عنصرا مميزا وفاعلا في المجتمع الليبي طيلة قـرون كاملة. لكن الطليان نجـحـوا تدريجيا على مدى عقدين من الزمن في تفـكيك وخلخلة البنية القبلية بالتهجيروالتجنيد والتوظيف، ومن ثم تحويل القبلية إلى مشاركات تشريفية بلغت ذروتها في استقبالات موسيليني حين زار ليبيا عام 1937.

القبلية كمظهر تشريفاتي

بعد الاستقلال في العهد الملكي تبنت الدولة الليبية ظاهريا، مفهوم القبلـــية في توزيع الوظائف وخاصة التمثيل في البرلمان ومجلس الشيوخ، وتوزيع المشاريع وتجنيد الجيش والشرطة. لكن دور القبيلة سياسيا، لم يتجاوز المظهر التشريفاتي. وكان على المشايخ والأعيان الظهور للتعبير عن تأييد النظام، ومساندته في الأزمات، مقابل مزايا وهبات.

القبلية كمنظومة دفاعية؟

عبر القرون ظل النظام القبلي مقصورا على البدو الرحل وشبه الرحل حيث تعتمد على المراعي ، ولأن المراعي متغيرة فإنها تفرض حياة الترحـال، وتكون ملكية المرعى ومصادر الماء جماعية، ويصبح الدفاع عنها مهمة حيوية وواجبا مشتركا. ويرافق هذه المهمة نسق تنظيمي لعلاقات الناس على أٍساس نظام الانتساب السلالي إلى أجداد مشتركين،. وهناك طبعا الأعراف لفض النزاعات.

حضرنة الـريف

في سنين سابقة شاع الحديث عن "بــدونة المـدن" لكن ما عايشـناه كان في الواقع تحول حياة البادية نحـو التمدين، بفضل مشاريع التنمية:

• انتشار وتحديث التعليم.

• انتقال 85% من السكان من الدواخل إلى المدن، طلبا للرزق وخاصة الوظيفة والمرتب.

• مشاريع التنمية قادت إلى حضرنة البادية (عكس بدونة) فـتـنـفيذ مشروع إسكاني في قرية أو واحة وافتتاح فرع مصرف ومركز شرطة ومستوصف ، كله تؤدي إلى ضعف التوازنات المحلية وبالتالي تـتـم على حساب الانتماء القبلي.

• التنمية خلقت أيضا انتماءات أو هــويات جديدة، كالانتماء للجيش والشرطة، والمعلمين، سائقي الشاحنات والأطباء وخريجي الجامعات وموظفي قطاع النفط أو الكهرباء.. ناهيك عن مناصري النوادي الرياضية ... وهذه كلها ولاءات جديدة عريضة.

• على مستوى آخر، نحن ما نزال في مرحلة انتقالية ولهذا تبقى القبلـية عند الكثيرين حنينا عاطفيا ... فـنـحـنّ إلى مسقط الرأس، ونسافر لنبارك الأفراح ونعزي في وفاة الأقارب.

الخـلاصـة:

في انتخابات 1952 وما بعدها في العهــد الملكي كانت الروح القبلية هي المحدد لمن سيفوز أو يخسر.

وحاول القذافي استنباط كيان سياسي من القــبلية ، لكنه لم يكن مستعدا لمنح هامش صحي من الحرية. بل لم يكن هو نفسه راضيا عنها بدليل تغيـيراته المتـكررة لـبـنـيتها وأسمائها وصلاحياتها (مؤتمرات، فعاليات، كومونات).

الخلاصة أن تأثير القبلـية يكاد يكون قد اندثر بفعل شتى عوامل التطور والتحديث. كما لم تنضج لدينا الحياة السياسية لتعطي مؤسسات كالآحزاب والنقابات (كما في تونس مثلا). وإذا أضفنا انتشار السلاح وغياب الدولة يصبح المشهد الليبي عبثيا ومحيرا وربما انتحاريا.

هـذا الفراغ السياسي هـو سر مأزقـنـا وهو ما جعل المال عاملا حاسما يحدد نتائج التنافس الانتـخــابي. لكنــه لا يـنـتـج ديـمـوقراطية !!

ما الحـل؟

لقد فشلت بعثات الأمم المتحدة رغم ما قــدمـوا من توافقات وحلول، وفشلت عشرات من حوارات المصالحة في احتواء الصراعات الجهوية لأن المصالحات كانت قائمة على أساس قبلية لا فعالية لها أصـلا.

فمتى نخرج من نفق الفوضى وشلل الإدارة؟

ربما سنترك المهمة للأجيال الشابة، بعد أن يهـرم رجال الدولة الحاليين وأمراء الحرب والمهـربــون، وينفذ ما نهبـوا من مال عـام. حينها قد تنجـح الأجيــال اللاحقة في خلق مناخ ملائم للعقل والحــوار. أو لـعـلهـا سـترغم على ذلك فالمستقبل محمل بأزمات هائلة: أزمة شح المياه والاحتباس الحراري .. إلخ، وما سيترتب عليهـا من حـروب ونـزوحــات.

إذن نحـن نـقـف اليوم أمـام خيـارات صعبة بل وفرصة أخيرة !!

آسـف على هـذه النـغـمـة المتشائمة، وكل عام وأنتم بخير.

محمد محمد المـفــتي

فوزي عمار | 27/11/2021 على الساعة 00:14
تحليل رائع
تحليل رائع رغم انه لامس بقفاز بعض المواضيع و التي تحتاج لتفصيل اكبر و الكاتب قادر على ذلك بكل تاكيد . لذلك نطمح في تفصيل اكبر خاصة في ما يخص تدني الوعي بالهوية الليبية في ظل المتغيرات الاخيرةً منذ 2011 .
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع