مقالات

محمد نجيب عبد الكافي

خواطر خاطرة.. الجزر والعصا؟

أرشيف الكاتب
2021/11/25 على الساعة 15:25

كان عدد سكان مدريد عام 1974 أربعة ملايين نسمة.  كانت الحركة في شوارعها أقل ازدحاما وضجيجا. كما كان الأجانب المقيمين بها قليلون لا يؤثرون ولا يُميَّزون. أما أنا فكنت، كمراسل يبحث عن الخبر، ودخيل يتحسس الخطى والرؤيا، أحاول التمعن في كلّ شيء، وفهم كل ما أرى وأسمع. فأول ما جلب انتباهي فتابعته بعدّة أماكن من المدينة، ومختلف أوقات النهار حتى تأكدت من رسوخه وشموله. قد يسألني أحدهم عمّا أنا أتحدّث، فجوابي يقول، إني أتحدّث عن حركة المشاة وسيرهم على الأرصفة. فيندهش السائل ويبتسم، ابتسامة قد تكون ساخرة، بينما نظراته تواصل التساؤل، فكأني بها تقول: وما الغريب في ذلك؟ يمشون ويهرولون، أو حتى يجرون، كلٌّ نحو وجهته وغايته. نعم! كلّ هذا صحيح، إلا أن سيرهم منظم، يكاد يكون مقنّنا، مثل حركة السيارات والعربات في الشوارع والطرقات. فكل المشاة، صغارا وكبارا، نساء ورجالا، يسيرون على يمينهم نحو وجهتهم، وكذلك يفعل السائرين في الاتجاه المعاكس، فلا اصطدام ولا احتكاك. لكل سبيله ودربه. 

كانت البلاد يومئذ لا تزال تعيش النظام التعسفي الشديد برئاسة الجنرال فرانكو، طريح المستشفى آنذاك، وهو سبب تواجدي في إسبانيا، مرسَلا لتغطية أنباء مرضه أو حتى وفاته. بما أن الأمور الجماعية، والسياسية منها على وجه الخصوص، لا تأتي عفوا، فما كان مني، بعد التأكد من شمول التصرف الملاحظ وعمومية انتشاره، ربطت هذا بذاك، وأوعزت الأمر إلى النظام وشدته، فكان تفسيري أن السلط التي تتدخل في العام والخاص، وتفرض رأيها أو قانونها بالقوة والشدة، فلا غرابة أنها هنا أصدرت قانون مرور المشاة، مثل قانون المرور المسير لحركة السيارات والعربات وما شابهها. 

لذا وجب التأكد وربما الحصول على نسخة من القانون. لكن، بعد السؤال، والبحث، وإثارة الموضوع في مناسبات عدّة، لم أعثر على قانون ولا أحد وافق أو أثبت وجوده. عندها رجعت إلى الإنسان، الذي علمه الله البيان، ووضعت نفسيته وطباعه في الميزان، وأول ما بادرني، فضحكت من نفسي من أجله، هو الجنة وجهنم، بعد أن مرّ بذهني مثل الجزر والعصا. 

إنها نظرية، أو مبدأ، أو قاعدة، تقول "إذا أردت من حمارك التحرّك والسير، علق أمام منخاره رأس جزر، واضرب مؤخرته بالعصا"، فاتخذت الشركات والمؤسسات هذه القاعدة، أسلوب تعامل مع موظفيها لضمان العمل والفائدة. لا غرابة في هذا. فإذا خلق الله سبحانه الجنة والنار، فما ذلك إلا لحكمة يعلمها، نرى منها نحن تصرفنا وسلوكياتنا. هل كنت مصيبا محقّا في تفسيري؟ شككت وعجزت فعملت بالحكمة الصينيّة التي تقول: "إن الزمن يحل كل المشاكل، ويشرح كل غامض“.. تركت الأمر للزمن إذن، ونسيت أو كدت أنسى الأمر وما إليه.

مات الدكتاتور، وتمّ التحوّل سريعا وسليما، فأصبح أمثولة وعبرة، وانتصبت "صاحبة العزة" الديمقراطية المنشودة، ومرّت عليها أربعة عقود ونيّف، وها أنا في نفس المدينة، مع نفس الشعب، أعود فأتذكر " قانون مرور المشاة " الذي لا وجود له، وقاعدة "لجزر والعصا" التي قد لا تنفّذ، لكن وجودها له مفعوله. هل اهتديت إلى تفسير منطقي صحيح؟ لست أدري، لكن أعود إلى الجنة والجحيم ونحن لا نزال في هذه الدنيا "مرج الدموع" كما تسمّى هنا، فنسمع عنهما ونؤمن بهما ولم نزر لا هذه ولا تلك عفانا الله من نارها. هل في هذا تفسير لمقولة "تسمع بالمعيد خير من أن تراه"؟ أترك الإجابة لغيري. أما أنا فأقول لمن يريد الوضوح، تتبع ولا حظ، فسترى وتتأكد أنه حيث وضعت العصا جانب الجزر، سارت كل الأمور بسلاسة ونظام، والعصا نائمة بلا حراك، لكن بإحدى عينيها مفتوحة، "كأرنبة في الصيف حين تقيل"، على حدّ قول شاعر الوطن أحمد رفيق المهدوي رحمه الله. ألا يؤكد هذا تعلق أهلنا بما يسمى ديمقراطية؟ أعتقد مؤكدا صحة هذا التفسير، لأنهم يعتقدون أن الديمقراطية لا تحمل عصا بل جزرا طريّا، وهم في هذا مخطئون، إذا كانت ديمقراطية حقّة.

محمد نجيب عبد الكافي 

مدريد في 6-11-2021

* تنشر هذه السلسة بصفحة الأستاذ/ المهدي كاجيجي (فيس بوك)

 

 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع