مقالات

محمد نجيب عبد الكافي

حبيبتي (15) التربية الشعبية

أرشيف الكاتب
2021/11/25 على الساعة 16:51

دوام الحال من المحال. كل شيء في هذه الدنيا الفانية، حيّ يتحرّك، له بداية وتطوّر ونهاية. أصل مختصر، ينمو ويكبر، يتفرّع ويتنوّع، فتتعدّد فيه الاختصاصات فالاتجاهات. سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلا. لم تشذّ العلوم عن هذه السنّة. لها بعث وزوال، حركة وانتقال، وتطوّر وتقدّم مستمرّان، على مدى الأزمان، ما دام الإنسان عاملا يبحث عن التحسين والكمال. علم التربية، أو قل البيداغوجيا، كما تسمّى بالأعجميّة اللاتينية، علم قائم بذاته، ناله على مدى السنين ما ناله من لمسات تحسين وتنوّع، قواعد وقرارات، أثرت فيها أو حتى فرضتها، علوم أخرى كعلم النفس، والطب، والاجتماع وغيرها. أهمّ هذه القواعد التربويّة، الحديثة على ما يزعمون، تجنّب استعمال العنف، والتأديب بالضرب والإهانة، لأنها أفعال تؤثر تأثيرا سلبيا في نفسية الطفل، فينعكس على شخصيته وطباعها، حاضرا ومستقبلا. ظهر بعد هذا ما يسمّى بحقوق الطفل، فاحترم وطُبِّق، وإذا به يتحوّل إلى ما يمكن اعتباره عكس ما أريد منه. لأن الأطفال، تحت تأثير وسائل الإعلام والقنوات المرئية في المقدّمة، أعطت وأكثرت من الأمثلة الحيّة، تجسّم حالات وأوضاعا، فيها من قلّة احترام الوالدين والصياح عليهما وما أشبه ذلك، مما يجعلنا نقول، انعكست الأمور، فأصبح السيد مسودا، والذي ساد ينقصه الرُّشد والنضج. لكن، لنترك هذا فهو، كما يقول المثل هنا، نشيد وغناء آخر، قد نعود إليه مستقبلا. أما الآن فالعودة لما كنا فيه فنقول، بأن تجنب العنف في التربية، إن كان حديثا لدى الزاعمين، فنحن، أعني شعوب المغرب العربي، وربما بقية البلدان العربية، سبقنا بهذه القاعدة، وطبّقناها منذ قرون، ومن أرادها وجدها في مقولات، وتنبيهات، وتحذيرات تربويّة تهذيبيّة أخلاقية، تأتي أكثر ما تأتي على ألسنة الأمهات، والنساء قبل الرّجال، تخاطب عقول المقصودين بالتربية والتهذيب، لتصلح من سيرتهم وتصرّفهم، بالمعقول، ولو أن تفسيراتهم وبراهينهم، لا علاقة لها، أحيانا، بالتعقل والتبصّر، وهي في ظاهرها، أقرب إلى الخرافات والمعتقدات، من قربها إلى العقل والتعقل والتفكير. جمعت نصيبا منها من ليبيا – أكثره من طرابلس - مؤمنا بأنه متواجد في بقية أنحاء ليبيا ولو بلسان أو مفردات مخالفة – وكذلك من تونس، إذ الآراء والألفاظ تكاد تكون موحّدة بين البلدين. سأقدم فيما يلي أمثلة منها، محاولا تفسير التفسير، أو العلّة التي تعطى في أكثر الحالات، منبّها من الآن، أن الشيطان له نصيب الأسد في التعليل، ولا أدري هل سبب ذلك ضياع الأصل فعوّض بإبليس اللعين، أو هكذا قيل منذ البداية والروايات صادقة، فيصبح بذلك دليلا آخر على رسوخ الإيمان والإسلام، فالعمل دوما بتعليماته مثل "ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدوّ مبين. "أيا كان السبب، فالفائدة التربوية مضمونة، واطلاعنا الآن على الموروث عن أسلافنا، نثبت به سبقنا التربوي، ونضمن أيضا دوامه وبقاءه، والدّوام والبقاء لله وحد، عليه توكلنا وإليه المصير.

نبدأ بآداب الأكل التي أولها الجلوس فئن كان على الأرض فجلسة التربع، وإن كان على كرسي فبظهر مستقيم مستوٍ. لذا ينهى الأطفال بقول "ما تاكلش مقعمز، ياكل من تحتك الشيطان". هذه النصيحة عامة تخص الأطفال والفتيات. أما الآتية فموجهة إلى الفتيات غالب الأحيان، إذ هي تقول: "ما تتركيش حوايج الصغار البرّا في الليل يشخ عليهم طير الليل" وطائر الليل هذا ما هو، حسب الظن، إلا لص أو رطوبة. كل النساء وخاصة الصبايا يحرصن على صيانة وطول شعرهن – يا حسرتاه – فتقول لهن المربّية: " بعد مشطان شعرك، اللي يطيح أرميه في الخُرّارة، باش شعرك يطوال ". أكثر أعمال البيت تنظيفه، والكنس أولها، وربما أثقلها. لكن ما تفيد به هذه النصيحة التربوية، تحملنا إلى ما هو أبعد. إنها تقول: "ماتكنسيش بعد العصر، يدير الفقر". كأني بالقارئة وحتى القارئ يضحكان لهذه الفكرة، رغم صحتها ومنطقها المعقول. فربّة البيت التي تكنسه بعد الظهر، ماذا فعلت صباحا؟ نامت وكسلت، وكلاهما يخلّف الفقر وقلة ما باليد، لأن الزوجة والمرأة عامة، وهذا قليلا ما يُقال، هي سند الزوج ومساعدته الأولى، وضمان نجاحه، مثل ما هو مسجل بحكاية شعبية عنوانها "كله من مراته". فالأعمال المنزلية تؤدّى صباحا، وبعد الظهر للراحة، وتناول الشاي، والخياطة والطرز، واستقبال الأهل والصديقات، أو حتى الغناء والرقص. النصيحة أو التحذير الآتي، يخصني وكأنه أنشئ من أجلي، لأني ميال لما يلتصق بقعر القدر و"البُرمة" خاصة إذا كانت رشدة - من يديك الملاح – لكن ما العيب في ذلك؟ آ، خطر وقلق، كنت أجيب عنه بأنه لا يمسّني بل يمس الآخرين. والغريب أنه مسّني إذ الدرس نصه: "ما تقرقشش قعر القدر، يجي عرسك في الشتي"، والغريب أني تزوجت شتاء. تأتي الآن نصيحة أو تنبيه لا يعني إلا سكان البلدان الحارّة، لأن النوم على عتبة البيت أو الغرفة، لا يأتيه إلا الباحث عن هواء رطب يحميه من الحرارة والعرق. فما هي يا ترى عاقبة النوم في العتبة؟ "ما ترقدش في العتبة تطلع قصير". يا لها من مصيبة، قصر القامة مشين خاصة وقد قالوا: من قرب إلى الأرض قرب شرّه، ومن لا يصدّق هذه المقولة، فليستعرض من عرف من الدكاترة والساسة الظالمين، فسيجد معظمهم قصيري القامة. هذه الوصيّة معقولة بيّنة إذ مفادها "ما تتثاوبش وفمّك محلول، يخش له الذبان". بينما الآداب تقتضي بأن يضع المرء كفه أمام فمه إذا تثاءب.  نفس الدرس نجده في المثل الشعبي الذي يوصي بالصمت والسكوت إذ يقول: "الفم المسكر ما يخشلاش ذبّان". يعود الشيطان إلى شيطنته في هذا التنبيه التربوي الذي يقول: "كيف تشرب أمسح فمك والا يمسحه الشيطان." عبارة تأديبيّة أخرى لا دخل للشيطان فيها بل يرجعها من يقولها إلى سبب وتعلّة فيها نصيب من المعقوليّة. النصيحة هي " ما تلعبيش أو ما تلعبش بالمقص، يدير النشاف."إذا عرفنا أن "النشاف" هو الخصام، وأن اللعب بالمقص قد يحدث جرحا وألما، وصلنا إلى نتيجة ذلك وهي الخصام. بين من ومن؟ بين الأب، عندما يعود ويجد ابنته أو ابنه يشكو جرحا قد يكون كبيرا، وبين الأم التي سرعان ما تُتّهم بعدم العناية بأطفالها وإهمالهم. القاعدة الآتية لها، هي أيضا، تفسيرا وسببا منطقيّا، إذا عدنا زمنيّا إلى الوراء، وعرفنا أن الاجتماعات العائلية، وغير العائلية، كانت تتمّ جلوسا على الأرض المفروشة، فكانت العادة والنظافة تقضيان بخلع الأحذية عند العتبة، ودوس الفرش بأرجل حافية. يفرض هذا أن يترك الحذاء في وضعيّة طبيعية أي نعله على الأرض، لا منقلبا، ونعله موجه إلى السقف. لأنه قد يكون عفس ما يكره منظره ورائحته، فليس من اللائق ولا من الأدب أن يبدو ذلك إلى الجالسين. كثيرا ما يقوم الأطفال، وحتى الكبار، بليّ أصابعهم فتحدث طقطقة وهذا في العرف ليس من الأدب. لذا يقول المربّون "ما تقطقش صوابعك، يدير الورم". عافانا الله من الورم وأشباهه، ونختم بتنبيه خاص بالنساء إذ يقول: "ما تنبطحيش قدام نسيبك، يخلف لك الشلل".

هذه نبذة من تراثنا الشعبي، سبقنا بها الآخرين في مجال التربية والتأديب، بدون عنف أو شدّة، كما تنادي اليوم المذاهب التربوية، والعلوم النفسانية، وجمعيات الحقوق بأنواعها. وهذا السبق ثمرة ثقافة كانت عامة شاملة، محاسنها أغلب من مساويها، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

محمد نجيب عبد الكافي
مدريد في 11-10-2021.

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع