مقالات

هشام بن غلبون

21 نوفمبر قبل 72 سنة، أول الانتصارات السياسية نحو الاستقلال

أرشيف الكاتب
2021/11/23 على الساعة 13:06

في 21 نوفمبر من سنة 1949 صدر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة باستقلال ليبيا؛ وهي الخطوة الحاسمة التي مهّدت إلى إعلان استقلال البلاد في 24 ديسمبر1951، وولادة الدولة الليبية المستقلة في إطار الدستور الليبي الذي صدر في 7 أكتوبر 1951.

العقل السليم والمنطق المستقيم والمصلحة العليا للبلاد تفرض على أي أمة تحترم تاريخها ونضال أبنائها وتحرص على تثبيت هويّتها وتوطيدها في وجدان مواطنيها أن تكون هذه المناسبات وأمثالها حاضرة باستمرار في الفكر الجماعي للمواطنين على قدم المساواة مع تواريخ المعارك المفصلية ضد الغزاة والمستعمرين في ساحات القتال وذلك لكي تتجذّر معانيها وما يتصل بها من رموز في ثقافة المجتمع التي تشكّل هويّته بصرف النظر عن التغيرات والتقلبات السياسية التي تمر بها الدولة في مراحل نموّها وتطورها سواءً تلك التغييرات التدريجية الهادئة، أو تلك التي تعصف بها فجأةً فهذه المناسبات معالم وثوابت ينبغي أن تكون راسخة في وجدان المواطن كرسوخ تضاريس الوطن ومعالمه الجغرافية؛ وذلك ما تغطيه تسمية "التربية الوطنية" للفرد والمجتمع...

ولضرب أمثلة سريعة تقرّب المعنى، فإن الشعوب المتحضّرة والمستقرة تحتفل في كل سنة بقائمة من الأعياد الوطنية لأحداث ومناسبات مرّ على بعضها عدّة قرون من الزمن؛ لم تغيرها الأنظمة أو الحكومات التي توالت على إدارة شؤون البلاد منذ تاريخها.

فمثلا تحتفل بريطانيا العظمى (ودول الكومنولث، والولايات المتحدة الأمريكية) في اليوم الحادي عشر من نوفمبر من كل سنة، منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، بما يسمى في بريطانيا بــ"يوم التذكُر"، و "يوم المحاربين القدامى" في أمريكا، تخليدا وعرفاناً بتضحيات من سقطوا في ميادين القتال أثناء تأديتهم لواجبهم حيال بلادهم في تلك الحرب، وفي النزاعات المسلحة التي تلتها. حيث تجري الاحتفالات في بريطانيا بمشاركة ملكية من قصر باكنغهام، وحكومية بحضور رئيس الوزراء وأعضاء حكومته؛ بالإضافة إلى رئيس الحزب المعارض ووزراء حكومة الظل، وتوضع أكاليل الزهور على نُصب الجندي المجهول الذي يعبّر عن جميع المفقودين... ولكن الأهم هو المشاركة الشعبية الواسعة، حيث يعبّر المواطنون البريطانيون منذ دخول شهر أكتوبر عن تفاعلهم -وتذكّرهم وتقديرهم لأبطالهم- بشراء وردة الخشخاش الحمراء التي اتُخذت رمزا لهذه المناسبة، ويعلقونها على صدورهم لإظهار تقديرهم للمناسبة وإن وُلدوا بعدها بعدة أجيال، وللتعبير عن امتنناهم لجهود من سبقهم، وكذلك للمساهمة المالية في دعم المؤسسات الخيرية (غير الربحية) التي ترعاها. كذلك يُحتفى بمناسبات وطنية كثيرة تحت شعار "كي لا ننسى"  بل إن أحد هذه الاحتفالات تعود أصوله إلى أكثر من 800 سنة!!! فقد جرت احتفالات كبيرة في 15 يونية 2015 بالذكرى الـ (800) إحياءً لذكرى إصدار وثيقة "الماغنا كارتا" أو "الوثيقة العظمى" التي تُعتبر إحدى أهم الوثائق القانونية في تاريخ الديمقراطية في العالم، والتي كان لها نفوذ وصدى واسع في العملية التاريخية التي أدت إلى سيادة القانون الدستوري اليوم، وأثرت تأثيراً كبيرا على دساتير بقية دول العالم مثل وثيقة حقوق دستور الولايات المتحدة الأمريكية... وتحتفل الولايات المتحدة الأمريكية كذلك بأعياد وطنية كثيرة أخرى منها "يوم الاستقلال" من حكم استعمار الإمبراطورية البريطانية في رابع يوليو من كل عام، و"يوم الدستور" في 17 سبتمبر، لتخليد ذكرى اعتماد الدستور الأمريكي سنة 1787... وينبغي التوقّف هنا على أن الاحتفال بهذا اليوم الوطني العظيم لم يتغيّر على مدى أكثر من 200 سنة تعاقبت فيها أكثر من 45 إدارة على حكم الولايات المتحدة الأمريكية من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وجلس في البيت الأبيض أكثر من 45 رئيساً!!

وفي روسيا تُحيَ ذكرى "عيد النصر" في اليوم التاسع من شهر مايو في كل عام لتخليد ذكرى الانتصار على ألمانيا النازية، ويقام عرضاً عسكرياً ضخما في الساحة الحمراء في موسكو، بالرغم من مرور أكثر من قرن من الزمن على ذلك الحدث، شهدت فيها البلاد تغيرات جسيمة أبرزها انهيار الاتحاد السوفيتي.

أما في عالمنا العربي فتحتفل المملكة العربية السعودية باليوم الوطني لتوحيد المملكة في 23 سبتمبر من كل عام، وتحتفل المملكة المغربية بعيد الاستقلال في  18 نوفمبر من كل عام... ويشارك في هذه الاحتفالات أبناء الشعب مع الملك ومسؤولي الدولة بنفس القدر من الفخر والاعتزاز.... والأمثلة أكثر من أن تحصى في هذا المجال في جميع الدول المستقرّة التي لم تُبتَلى بآفة الانقلابات العسكرية، أو التي تعلمت من التجربة وتعافت منها...

فبناء المواطن القوي الذي يعتزّ بهويته وانتماءه لوطنه، عملية تربوية تتم على مراحل وبخطوات مدروسة، لا شأن للتجاذبات السياسية بها، تحتاج إلى التذكير المستمر بمثل هذه الإنجازات الوطنية لتجديد وتطوير وتقوية انتماءه للوطن، بعيداً عن مجرد الانتماء الغريزي لقطعة الأرض التي وُلد فيها، والحي الذي ترعرع فيه، والمدينة التي عاش فيها....الخ... من هذه الانتماءات البدائية الضيقة... ومن هنا جاءت فكرة خلق علمٍ يرمز للوطن، ونشيد وطني يمجّد هذا الوطن وإنجازاته وأبطاله... فمعلوم أيضاً أن العلم والنشيد يُطوّران من مفهوم الانتماء إلى الوطن -بأكمله- وليس لبقعة بعينها دون سواها... فعندما يقف تلاميذ المدارس -على سبيل المثال- إجلالاً للنشيد الوطني عند تحية العلم في كل صباح في كافة أرجاء الوطن تنمو في وجدان هؤلاء التلاميذ فكرة أنهم ينتمون إلى وطن أكبر من مدينتهم أو قريتهم، ويضمّ غيرهم من المواطنين من ذوي اللهجات والألوان المختلفة عنهم، فضلا عن التوجهات الفكرية والميول السياسية، وبصورة تلقائية يؤدي هذا التمدّد في الانتماء للوطن إلى الانكماش التدريجي للانتماء المناطقي والجهوي والإقليمي، حتى ينحسر تماما ولا يتبقّى منه إلا الانحياز -المحمود- إلى فرق كرة القدم والفنون الشعبية.... الخ

***

ومن البديهي بأن تكون مثل هذه الرموز وهذه التواريخ الهدف الأول للانقلابيين والمتآمرين ومغتصبي السلطة، الذين يسعون إلى تبرير فعلتهم والضحك على ذقون المواطنين بتشويه كل من سبقوهم، وإلغاء كل الرموز الوطنية وفرض أشخاصهم المشوهة والهزيلة كبدائل جديدة تحل محلهم... وتُعدّ الحالة الليبية من أوضح وأقبح نماذج ذلك التشويه، حيث ألغى قائد الانقلاب جميع الإنجازات الوطنية مثل الدستور والعلم، ولم يعترف بأن البلاد قد استقلت في الرابع والعشرين من ديسمبر سنة 1951 وإنما في "فاتح" سبتمبره، قبل أن يتجرّأ على التاريخ فيغيّر من حقائق معارك الجهاد نفسها، ويطمس أدوار شخصياته المعروفة، ويهمّش الأحياء منهم، ليقدّم معارك جديدة قادها "أبطال" وهميون ومجاهدون جُدُد مثل أبيه محمد عبدالسلام بومنيار القذافي، الذي شيّد له نُصباً يُنقل إليه ضيوف البلاد ليضعوا عليه أكاليل الورود بدلا من شيخ الشهداء سي عمر المختار، الذي هدم ضريحه واستخرج جثمانه ونفاه خارج مدينة بنغازي!!... ولكي يخلو الأمر لأبيه ظلت المدن الليبية خالية من ضريح أي من المجاهدين المعروفين بأدوارهم الخالدة في محاربة الاستعمار الإيطالي والفرنسي، ولا تخفى المفارقة بأنه لم تُعرف من قبل أي شخصية تاريخية -بارزة-. تُعرّف بالاسم الرباعي كما في حالة هذا المجاهد المزعوم!!. وقد ساعده على تحقيق ذلك تقاعس النخبة الفاسدة من المثقفين عن القيام بواجبهم الوطني الذي تُمليه عليه ثقافتهم من باب "إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا"، ومن باب "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته"... ولكن الحديث عن النخبة الفاسدة وخذلانها لشعبها طويل ومؤلم والخوض فيه سيخرجنا عن سياق هذا الموضوع.

وقد انتبهنا في الاتحاد الدستوري الليبي مبكراً إلى تركيز الانقلاب وآلته الإعلامية على مهاجمة الرموز البشرية للعهد السابق، وعلى رأسها الملك ادريس (رحمه الله)، وإلغاء كل ما من شأنه تقوية تشبّث المواطن بتراثه ومكاسبه الوطنية في حقبة الاستقلال، وسياسته الممنهجة لمسح ذاكرة المواطن واستبدالها بذاكرة جديدة مفصلة على هواه وبما يخدم أغراضه؛ ولاحظنا نجاحه السريع في ذلك بسبب عدم تجذّر الثقافة الوطنية اللازمة في نفوس المواطنين. فدأبنا على إبراز وتخليد هذا المناسبات التاريخية المفصلية للتصدّي لهذه السياسة الهدامة، وللتأكيد على أن ما حدث في ذلك اليوم المشؤوم لم يكن إلا انقلاباً عسكرياً يهدف إلى وأد التجربة الدستورية التي كانت تتحسس خطاها بصعوبة بالغة، ووسط تحديات أثبتت الأيام أنها كانت أكبر منها، وأنه تمرّد مخابراتي محض لا يمت إلى الثورة بأية صلة!!

وكان هذا الكتيّب الذي صدر بتاريخ 21 نوفمبر 1981 هو الثاني الذي شُرحت فيه فكرة الاتحاد الدستوري وأهدافه. سبقه الكتيّب الأول في ذكرى إصدار الدستور (سابع أكتوبر)، وتلاه الكتيّب الثالث في الذكرى الثلاثون للاستقلال...

وفيما يلي الفقرة الأولى منه، وبالإمكان قراءته كاملا على موقع أرشيف الاتحاد الدستوري الليبي ..

[ يسـقـط الانقـلاب لا محالة، لأنّه من أصله دسيسـة جبـانة وعـار.. لأنه ضدّ طبيعة الأشيـاء،.. لأنه يطغـى على حريّة الانسـان.. يطفئ بهجة الحيـاة ذاتهـا.

فالانقلاب العسكري ظاهرة بدائية خطرة، بل مشينة ليست تليق بالمجتمعات المتحضرة، اذ أنه إهانة بالغة لذكاء الانسان الراقي وقدراته العقلية من حيث تحكيم المنطق والفطرة السليمة في معالجة مختلف شؤون حياته، بما في ذلك التصدي السلمي لحلول إشكالات الحكم والسياسة. والانقلاب في جوهره عدوان داخلي مسلح يرمي الى اختلاس سلطة الدولة السياسية بالدرجة الاولى، ثم فرض سلطة دخيلة بديلة عن طريق الاكراه. فالحركة الانقلابية تعمل، في الواقع ، بمثابة غزو أو هجوم مباغت من الداخل تشنه زمرة من ضمن المؤسسة العسكرية القائمة فى البـلاد، إما توطئـة لتحقيق مآربها الخاصة أو خدمة لأطماع خارجية معينة أومن أجل هاتين الغايتين معا. وهي مغامرة محسوبة النتائج أصلاً بقدر من الدقة قد ينقص أو يزيد عن الحد الأدنى من امكانيات نجاحها في شتى ظروف الاقدام عليها. فاذا أخفقت المجازفة واختلت حساباتها، سُميت باسمها الصريح، "مؤامرة فاشلة" يخرج مدبرها خائبا صفر اليدين مثل مقامر خاسر فيوصم لتوّه بالخيانة والغدر والدناءة.. والحماقة أيضا. ويعامل من ثم على ذلك الأساس. أما لو قدر لها أن تنجح في مسعاها الى قلب نظام الحكم السائد في البلاد، وهو هدفها المباشر، فإنها تسمي نفسها على الفور.. "ثورة"!!....((.......)).....]

هشام بن غلبون

جمال صالح الهنيد | 27/11/2021 على الساعة 10:13
تذكرتَ حين نسى الناس
يعجبني جدًا وفاءك لعهد الاستقلال وتذكيرك لنا بأحداثه باسلوبك الجميل المميز. تعريفك للانقلاب وتبيان حقيقته وكونه ظاهرة بدائية مشينة لا تليق بالمجتمع المتحضر وأنه عدوان داخلي كسوس ينخر في كيان الدولة فلا يتركه حتى يجعله ركامًا، وقفت على وصفك البديع له، وفيه كشف لعورة الانقلاب مهما حاول زبانيته ستره بترهات فاسدة قبيحة لا يقبلها عقل ولا ضمير أي إنسان حر وطني. شكرًا هشام!
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع