مقالات

مختار المرتضي

اليسار والديمقراطية (هذا الترف البرجوازي)..

أرشيف الكاتب
2021/11/22 على الساعة 17:03

في مارس 1919 تكونت نواة الحركة الشيوعية في عالمنا العربي بتأسيس (حزب العمال الأشتراكي في فلسطين) الذي انشق عن حركة (عمال صهيون) وكانوا معظم اعضائه من اليهود وبأمر من الاتحاد السوفيتي تم أختيار محمود سعادة أمينا للحزب بحكم أن أغلبية السكان في فلسطين مسلمين. 

نمت في المنطقة العربية الحركات اليسارية فتكونت أحزاب شيوعية في لبنان وسوريا ومصر والعراق من عشرينات القرن الماضي. وكانت هذه الاحزاب تقرأ الكتب الحمراء وتقتفي أثر الأتحاد السوفيتي وتقتدي به وتتبع خطواته وتستنسخ مواقفه وتنسق معه في المواقف السياسية. 

 في سنة 1948 اصدر الحزب الشيوعي العراقي والسوري بيانا يباركون فيه التقسيم في فلسطين تماشيا مع الموقف الروسي الذي أيد التقسيم ودعم الكيان الصهيوني بالسلاح وبالمواقف السياسية وصوت في الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح بناء دولة اسرائيل. وندد بيان الحزب الشيوعي العراقي آنذاك بالتدخل العسكري من اطراف عربية رجعية في إشارة لجماعة الإخوان المسلمين التي كانت تقاتل في اسرائيل وحكومات دول اقطاعية متخلفة ضد تأسيس كيان تقدمي سيخدم المنطقة. 

كان الانتماء لليسار يعني الاقتناع أن الاشتراكية العلمية هي الطريقة المثلى لتحليل حركة المجتمع ودراسة التاريخ الانساني وفهم قوانين الصراع الطبقي لتغيير العالم إلى الأفضل وإقامة مجتمع الاشتراكية والعدالة الاجتماعية بين أفراده. والنضال ضد الامبريالية والرجعية والصهيونية ومحاربة الاستبداد ومناصرة الفقراء والمسحوقين ورفض التخلف والدعوة لاستعمال العقل ومحاربة الخرافة. 

هكذا كان اليساربشعاراته التقدمية البراقة ووهج خطابه التنويري المنادي بالعدالة والمساواة والتحرر من الاستعمار والقوى الرجعية المتعاونة مع الامبريالية الذي ألهب مشاعر الجماهير. وأنار ظلمة الطريق وفتح كوة في جدار التخلف بزغت منه شمس الكثير من الكتاب والمفكرين والفنانين والشعراء تضيء دهاليز الظلام في العقل العربي. 

في عالمنا العربي ولد اليسار من رحمان. الرحم  الأول كان الثورة البلشيفية والشيوعية بألوانها المتعددة لينينية وتروتسكية وستالينية وماركسية. والرحم الثاني كانت القومية العربية بأطيافها المتعددة بعثية وناصرية وكان للناصرية الحضور والتأثير الأقوى على جموع الناس والفضل يرجع للإعلام المصري وشخصية عبدالناصر المميزة. 

 تحول اليسار المنبثق من الشيوعية إلى ذيل للإتحاد السوفيتي يتبع في سياساته الإملاءات الروسية ويتمترس وراء شعارات براقة يدعي أنها تؤدي لبناء نموذج اشتراكي تنعم فيه الشعوب بالحرية والعدالة والمساواة وتسيطر في قوى الشعب العاملة على وسائل الأنتاج وتوزيع الثروة وتأسس (دولة البروليتاريا) بديلا متقدما وأرقى من النموذج الرأسمالي الجشع الذي تطحن فيه جماهير الفقراء من أجل حفنة من البرجوازية تتحكم في رأس المال وتسيطر على الساحة السياسية. 

أما اليسار المنبثق من القومية العربية فقد تحول إلى ذيل للسلطة  بعد وصول القوميين للحكم واصبحت الاشتراكية  دين الدولة الجديد فصار اليسار تابع لأنظمة الحكم  يخدم مصالح الإنقلابيين المستبدين الجدد فاهتزت صورته أمام الجماهير وانحسر دوره وفقد بريقه وجاذبيته وقدرته على التأثير واصيب بالجمود الفكري والعقائدي.وتراجع دوره الطليعي وتجاوزته الأحداث والزمن والجماهير. ووجد مثقفوا اليسار انفسهم في المقاعد الخلفية يستخدمهم الطغاة كزينة ويوظفهم للدفاع عن سياسات القهر والقمع  والاستبداد. وتخلى اليسار عن دوره التنويري والعمل على تحقيق العدالة والمساواة المنشودة في ظل نظام اشتراكي, وغض الطرف عن الانتهاكات الجسيمة  للحريات في الأنظمة الفاشية العسكرية التي تحكم المنطقة وتوجه لخوض قضايا لا تخدم بناء نموذج ناجح اشتراكي.   

 لم تنجح الانظمة العسكرية الاشتراكية في تحقيق التقدم في مجال العدالة والمساواة ولم تنجح في تحقيق الاكتفاء الذاتي لشعوبها من الخبز وفشلت فشلا ذريعا في معارك التنمية والتعليم بل فشلت حتى في الانتصار في معارك محو الأمية. فلم  يبق لدى اليسار العربي قضية يناضلون من أجلها سوى التصدي لما يسمونه الاسلام السياسي والاصطدام مع البيئات الشعبية وعقيدة الجماهير والفكر الميتافيزيقي الغيبي أو كما يسميه رفاق الأمس (الفكر البخوري). وهنا أذكر محاولة التشكيك في قصة الاسراء والمعراج وأنه لم يكن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من تم الاسراء به قائلين ما يلي: (الاسراء لغويا هو المسير ليلا وانتم تتحدثون عن طيران على صهوة مخلوق اسطوري. والقران لم يذكر أن سيدنا محمد هو من تم الاسراء به بل قال عبده ولم يحدد من هو. وغيره من التخاريف). 

مأزق اليسار العربي أنه خلال قرابة مئة سنة لم يستطع أن يبني نموذجا اشتراكيا ناجحا بالرغم من أكثر من 48 انقلاب عسكري خلال هذه الفترة قام بها اليسار في أوطاننا العربية جرت بلادنا خطوات للوراء وأسست جمهوريات وراثية قمعية تتحكم في ثرواتها قلة برجوازية باسم الاشتراكية واليسار العربي. ولم يكن لليسار أي نموذج عالمي يستطيع تقديمه للجماهير يفتخر به حقق العدالة والمساواة فكل أنظمة الكتلة الشرقية الاشتراكية كانت تئن تحت وطأة الفقر والقهر والعسف والغبن يقودها قادة برجوازيون يتنعمون بعرق المسحوقين والكادحين من العمال والفلاحين. 

بعد سقوط الأتحاد السوفيتي وانفراط عقد الكتلة الشرقية التي ارتمت في احضان الدول الرأسمالية لإنقاذها من ضيم اليسار وانكشاف عورات اليسار العالمي وزيف مزاعمه عن الحريات والعدالة. وبعد ثورات الربيع العربي التي اطاحت بانظمة عربية قمعية وموقف اليسار العربي المؤيد للطغاة وتحالفهم مع قوى الثورة المضادة لوأد ثورات الشعوب اتضح جليا موقف اليسار العربي من الحريات والعدالة والديمقراطية. 

في حقيقة الأمر إن مقتل اليسار هو زيف علاقته بالديمقراطية وهو مستعد للتضحية بالديمقراطية تحت دبابات الانقلابيين وذبح سيادة القانون أمام نصب الزعيم البطل..، فالديمقراطية التعددية عند اليسار هي مجرد (بدعة) اختلقتها القوى الرأسمالية والليبراليون للسيطرة على الشعوب والتحكم في اللعبة السياسية. وهي ترف برجوازي وليست هدفا ولا غاية لليسار بل وسيلة وتكتيك سياسي للإستيلاء على السلطة وتمكين قوى الشعب المنتجة من الحكم لتأسيس دولة البروليتاريا.  

فالحريات والديمقراطية البرجوازية التعددية التي تشارك فيها كل أطياف المجتمع وتضم كل الفرقاء ليبراليون واسلاميون وقوميون واشتراكيون من وجهة نظر اليسار لا تعني شيئا للطبقات الكادحة المتضررة من سياسات الجشع والنهب والتوحش التي تنتهجها الرأسمالية. وأن شعوبنا العربية لم تصل لسن النضج كي تمارس الديمقراطية التعددية وبذلك يجب المحافظة على الأنظمة القائمة لمواجهة جهل الشعوب والتصدي للحملة الأمبريالية لتفتيت المنطقة العربية وخلق واقع جديد لتنفيذ صفقة العصر. 

اليسار العربي الذي عاني التهميش والإقصاء من قبل الأنظمة العربية وذاق القهر والقمع والسجن والتهجير والنفي هذا اليسار نفسه نراه يقيم التحالفات السياسية مع الأنظمة الطاغية ويصبح تابعا لقوى رجعية متأمرة منقلبة على كل الشرعيات ويتحول إلى مثقف قبلي متقوقع  متواطيء مع أعداء الشعوب يبحث عن خلاصه ومصالحه الشخصية. ويقف موقفا صامتا مخجلا من ثورات الشعوب ويصبح نصيرا للثورات المضادة التي تسعى لبناء انظمة شمولية بوليسية قمعية تهرب فيها ثروات الشعوب للخارج وينهب فيها قوت الفقراء والمهمشين والمسحوقين الذين كانوا دوما وقودا  للنضال والثورات. 

 أصبح اليسار العربي حالة هلامية لا طعم لها ولا لون ولا رائحة صار الخنجر الذي يستخدمه الطغاة لطعن الشعوب في ظهرها. فلم تعد تنفع اليسار تاريخه النضالي وخطاباته النارية المحرضة على الثورة والمنادية بالعدل والمساواة، فقد تآكل ووهن عظامه وأصابته الشيخوخة وبدأ يودع رفاقه ويستجدي رصاصة رحمة وكفن. 

مختار محمد المرتضي  

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع