مقالات

د. عبيد أحمد الرقيق

الإنتخابات الرئاسية في ليبيا، ماراثون التهافت!

أرشيف الكاتب
2021/11/19 على الساعة 10:50

حيث أن اعلى منصب في الدولة هو منصب الرئيس، يكون حجم مسئوليته أكبر واعظم، منطقيا يفترض ان لا يتقدم لهذا المنصب الرفيع الا من يجد في نفسه الكفاءة والقدرة والخبرة اللازمة التي تؤهله لحمل امانة تنوء من حملها الجبال الراسخات، ومنطقيا ايضا ان يتمتع من يتصدى لهذه المسئولية الجسيمة بموهبة القيادة والقدرة على تحمل ثقل الأمانة، بمعنى أن من يتقدم للمنصب يفترض أن يكون مميزا في الكفاءة والقدرة والخبرة وحسن التدبير، لكن بالنظر الى المشهد الليبي حاليا، نجد الأمر مغايرا للمنطق، ويعتريه غرابة وعجب من الكم الكبير من المتقدمين للترشح لمنصب الرئيس.

 قد يحتار البعض في تفسير ذلك، لكن المتأمل في الواقع الليبي يمكنه ادراك علة ذلك التهافت الغريب، على ارفع منصب في ليبيا، ويدرك أن للثقافة السائدة دورا محوريا في ذلك، فالليبيون صاروا لا يقيمون وزنا للكفاءة والخبرة التي توفر القدرة والأهلية، بعد أن طغت عليها مؤثرات اخرى اجتماعية وثقافية ومادية، يتم تسخيرها في إطار من العلاقات النفعية المتبادلة، ويمكن القول أن من أهم اسباب ذلك التهافت من قبل الليبيين على منصب الرئيس، يكمن في سببين اساسيين، أنتجتهما في الواقع تأثيرات ثقافة سائدة منذ عقود وتعود عليها الليبيون.

السبب الأول:  يتعلق بمدى الاستهتار بالمسئولية لدى اغلب الليبيين، والذي مرده نوعية من تقلد المناصب في ليبيا خلال هذه العشرية الكئيبة وما قبلها الى حد ما،  حيث لا وجود لمعايير ولا مواصفات قيادية تؤهل اغلبية من يتقلدون المناصب، الذين عادة ما يكونوا من الأغرار الذين لا سابق تجربة او خبرة لهم بالعمل المكلفين به، بل أن بعضهم يفتقدون لابسط ابجديات علم الإدارة وضوابطها، واكثر من ذلك قد يكون من بينهم من كان يمارس افعالا خارجة على القانون وله سوابق جنائية، وأتت بهم صدف مرتكزها علاقات اجتماعية شخصية.

السبب الثاني:  يتعلق بسيادة ثقافة الغنيمة لدى الليبيين في تولي كل المناصب الحكومية، حيث يعتبرون المنصب مجرد مغنم يتنفع به شاغله شخصيا طيلة وجوده فيه، من خلال استغلال المنصب للتنفع الشخصي او العائلي او القبلي، ويشجع على ذلك عدم وجود من يحاسب مهما كان حجم الفساد، الأمر الذي جعل البعض ممن يتولون المناصب يعتبرون المؤسسة العامة التي يديرونها بمثابة الملك الشخصي للمسئول، فيحق له التصرف فيها كيفما شاء ومتى شاء، دون رقيب او حسيب.   

هذا الوضع شكل مفهوما لدى العامة ببساطة شغل المناصب العليا، حتى فقدت قيمتها مما ولّد استهتارا بالمسئولية وتتفيها لحجمها، الأمر الذي شجع كل من هب ودب على التفكير في خوض غمار التجربة، دون تردد او حسابات!، والأمر المحوري في ذلك هو غياب عنصر المسائلة والمحاسبة طيلة العقود السابقة حيث لم يتم محاسبة ومعاقبة أي مسئول برغم حجم التجاوزات الكبير والخطير مما شكل بيئة دافعة الى استسهال كل المناصب وبالتالي الإستهانة والعبث بها وما يترتب عن ذلك من عواقب وخيمة تضر بمركز الدولة المالي والإقتصادي والسياسي.

 إن محاولة مجلس النواب في اشتراط ان يتحصّل المرشح الرئاسي على تزكية من (5000) مواطن ليبي، قد تحدّ فعلا من اعداد المترشحين للرئاسة، الا ان هذا الإجراء قياسا على الثقافة الليبية السائدة، قد يأتي بتأثيرات سلبية، حيث يمكن أن يكون عاملا يكرّس القبلية والجهوية، فيكبّل المزكّى بقيود اجتماعية قد لا يمكنه الفكاك منها لو نجح في الفوز بمنصب الرئيس، مما يعني توجيها وتحكما في الرئيس الذي ينبغي ان يكون مستقلا وبعيدا عن اية ضغوط، وهنا يكون هذا الشرط قد اتى بما لا يؤمل.

عبيد أحمد الرقيق

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع