مقالات

سالم الكبتي

إقدورة

أرشيف الكاتب
2021/11/19 على الساعة 10:59

إنه عبدالقادر البعباع فقط لاغير. جزء من القلب. يتغلغل خلاله. يسكن وسطه في هدوء وسكينة. صعب نسيانه وصعب أيضا الكتابة عنه.كان فقده مؤلما لكل الأصدقاء قبل أسرته وتضاعف الفقد كثيرا حين رحل بعد أربعين يوما من رحيل شقيقه الأكبر الحاج محمد البعباع أو (الصول) على رأي النيهوم. كانا شيئا جميلا يسير على الأرض في غياب المروءة ومعاني الصداقة الرائعة والأيام الجميلة التي لاتساوم ولاتعرف المصالح أبدا

إقدورة كان مشروع ثقافة مع بعض شباب بنغازي يتحرك ولم يكتمل. جيل يشعر بالقلق في صدره ولايتململ إلا قليلا. منذ صغره في سوق الحشيش إستيقظ على الوعي الحقيقي والتنوير الذي بدأ يدب في المدينة ضمن أولئك الشباب وظل يحمل في أعماقه الكثير من التطلعات والأحلام ولم تضق به الدنيا رغم الأنكسارات والثغرات والفجوات التي تدخل منها الريح العقيم.

القراءة الحقيقية هي السبيل. والثقافة كانت لدى الجيل الطالع من الفقر والجوع وساعات الرماد هي المرشد والدليل.الأغلفة الملونة. الأصدارات

المتنوعة للعديد من الرواد. دواوين الشعر. مصادر الفلسفة وحب الفن. المكتبات المنتشرة.. بوقعيقيص والجبل والأندلس وغيرها. المراكز الثقافية التي تتوهج بالمعرفة في دروب المدينة. المعلمون حوارات المقاهي والمرابيع والرحلات إلى الضواحي المجاورة.. وأشياء كثيرة كانت هي الحلم الذي لاينطفئ. شباب تجمعهم فكرة ولا تفرقهم. وتحتضنهم مشاعر الود العفوية والمحبة. وكان إقدورة في كل ذلك قارئا ومثقفا رائعا. يتابع بلا إنقطاع. وفي أجواء سوق الحشيش حيث تتلاصق البيوت بالدفء والسكينةو تتدفق الحياة في كل الأزقة وتتجمع وسطه بكل أجواء البهجة يجد نفسه قريبا من جاره الصادق النيهوم. يصبح صديقه الأثير رغم فارق العمر. إضافة إلى الجوار في زقاق البعباع خلال السوق.

كان النيهوم يعتبره أخا له مثل أرحيمه (الفندوس) لافرق بينهما. يهتم بهما. يرسل لهما بالرسائل من الخارج. التشجيع والمساندة والأهتمام العميق. وعرف أن النيهوم مشروع كبير. مفكر وفيلسوف أيضا. فهمه فهما عميقا دون عاطفة.

في فبراير 1963 والنيهوم في دراسته العليا في المانيا يكتب إليه قائلا: (أخي عبدالقادر. تحياتي ومبروك العيد. مبروك أيام الشاي بعد شهر الصيام الطويل والكساد وكيف حالكم جميعا أنت ومحمد ووالدك وأخوك يوسف وكيف حال السوق الرائع فأنا لاأعرف عنها شيئا. أنا هنا مثل مسجون حقير في سجن وسخ. أما الشيوخ الذين تريدني أن أضحك عليهم فأنا مشتاق إليهم هنا لأنني لاأجد في هذا البلد غير الألمان المرعبين الذين يشبهون التماثيل فقط وهم لايملكون قلوبا على الأطلاق. تصور أن الألمان هنا يسيرون على نظام دقيق جدا يشبه الألة. فهم يأكلون بميعاد وينامون بميعاد ويسكرون بميعاد وهم يجلسون في المقاهي ويأكلون الكعك ويشربون البيرة طوال يوم الأحد ثم يذهبون للرقص ولايمكن أن تجد منهم أحدا بعد الساعة التاسعة لأنهم يكونون في الرقص كلهم وهم جميعا أولاد كلب ولايستحون مطلقا. والدراسة هنا طيبة وأنا أدرس جيدا ولكن ماذا تفعل أنت هل تدرس أنت أيضا. أنني لاأحب شيئا بقدر أن أراك ناجحا ومتفوقا دائما. أنت وفندوس لأنني أحبكما معا وأتمنى لكما كل التوفيق ودعني أقول لك أن الدراسة عمل جيد ولكنه يحتاج إلى صبر وإلى نية حسنة ورغبة أكيدة في القراءة.. فأفعل ذلك وسوف ترى أن الأبواب تفتح أمامك وترى أنك صنعت نفسك وأذكر أن لك أخا عظيما هو محمد الرائع اللطيف الحبيب الطيب القلب جدا فمن أجله.. من أجل حبه لك حاول أن تحقق نجاحا وتفوقا دائما وأنا عندي ثقة كبيرة فيك وأعرف أنك لن تفشل أبدا..).

عاش البعباع في شبابه مع أفكار النيهوم الجار والكاتب وأحلامه التي لم تكتمل أيضا. وعندما شاءت الأقدار أن يكون إقدورة ضابطا في الجيش ظلت نفسه تمتلئ بروح الثقافة والوعي ولم تتوقف عن الهدير.

ثم إنتهى به الأمر سنوات في السجن المظلم. وذات يوم فوجئ بزيارة النيهوم له وسط ظروف صعبة من الأعتقال. لم ينسه النيهوم. تعاطف معه. الزيارة حملت معان كثيرة لأقدورة وظلت في خاطره وخففت عنه العديد من الألام النفسية التي مر بها ورفاقه في تلك الأيام. كانت صورة الأخ والجار ماثلة عبر أسوار المعتقل الأسود.

وفي كل الأحوال غلبت الثقافة على العسكرية في شخصية إقدورة. ظل الرجل المثقف والواعي ولم يكترث بمظاهر الزيف ولم يأبه بالتغيرات التي طرأت على البعض ومسختهم مسخا رديئا في هذا الزمن. كان إقدورة البعباع أقوى. تلتقيه فتلتقي الشهامة والثقافة والفهم والوعي وحب الفن والأصدقاء.

حكاياته خيوط ملونة وجميلة. تأسر الأصدقاء وحتى من لايعرفه. يدخل القلب بأبتسامته ومعرفته بلا إستئذان ويظل قادرا على فتح الصداقات وكسبها مع كل الأجيال بود وشموخ أيضا.

وكان أرتباطه العميق أيضا بخليفة الفاخري الفنان والأنسان مكملا للتجربة والتواصل. لم يكن بعيدا عن فهم خليفة ومعاناته وموهبته الفذة. شاركه أحزانه وإبتهاجاته وكثير من رحلاته وأسفاره. وقف على خليفة الأنسان عن قرب وهو الصديق والجار أيضا. ومابين النيهوم والفاخري وغيرهما من الرواد لدينا أو خارج الوطن ظل إقدورة كأنه واسطة العقد في التواصل بين الأجيال والتحسيس بقيمة الوعي والأدراك. وكان صمته في كثير من الأحيان ومعرفته للأمور أبلغ الدروس في وجه الثرثرة والأدعاء الفارغ. إقدورة طيف ملون وعنوان جميل مر في هدوء.. وإنطفأ قبل موعده.. قبل إكتمال الحلم.. لكنه لاينسى وسيبقى يتوهج في قلوب أصدقائه ومحبيه مادامت الحياة. الرائعون والصادقون مثل إقدورة البعباع لايموتون!

سالم الكبتي

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع