مقالات

منجي المازني

عن ملابسات الثورة (1)

أرشيف الكاتب
2021/11/03 على الساعة 18:11

لم يكن الرئيس قيس سعيد في مستوى انتظارات وآمال الشعب التونسي. حيث أنّه خلال فترة وجيزة خان الأمانة وانقلب على منتخبيه. فهو ما أن اعتلى سدّة الحكم حتّى كان على موعد وتناغم تام مع خطّة جهنّمية ومسرحيّة متقنة الإخراج من إعداد قوى داخلية وخارجية وتمثيل عبير موسي وقيّس سعيد وإعلام المجاري لترذيل وتشويه البرلمان ثمّ الالتفاف عليه مبرّرين ذلك بأنّ البرلمان أساء لصورة الدولة والمجتمع التونسي بالشغب والمهازل التي كانت تحدث تحت قبّته طيلة سنة ونصف. وكان بإمكان قيس سعيد أن يمنع هذا الشغب في ردهاته الأولى بما لديه من سلطة القرار. إلاّ أنّه آثر أن يفسح لحزب سياسي المجال في التمادي في ممارسة الشغب داخل البرلمان بما يمكّنه من قطف ثمار التّرذيل الذي ينتهي إليه. بحيث ينقلب عليه ويأمر بتجميده وبإسقاط الحكومة والاستحواذ على كلّ السلطات.

اللاّفت أنّ السواد الأعظم من الشعب التونسي قد ساند الانقلاب وهو ينقسم إلى قسمين:

- قسم مساند دون قيد أو شرط لكل مظاهر الانقلاب واستتباعاته. وهو في خدمة المنظومة القديمة وكلّ الانقلابيين وكلّ أفراده كانوا قد اصطفّوا مع بن علي وبعد ذلك اصطفّوا مع نداء تونس ثمّ اصطفّوا مع عبير موسي ويصطفّون اليوم مع قيس سعيد. وهم دائما في خدمة الانقلابيين ولعق أحذيتهم. وكلّما حدث انقلاب ارتموا في أحضانه. وهم يغالطون النّاس عندما يبرّرون اصطفافهم اللاّمشروط بدعوى المطالبة بالتنمية.

-قسم ثان انحاز أو تعاطف مع الثورة في بدايتها ولكنّه تراجع عن دعمها نتيجة لتأخر التنمية وازدياد نسبة البطالة وغلاء الأسعار وتأخّر المشاريع وعجز رجال الثورة - وفق زعمهم- في الوفاء بتعهداتهم أمام الشعب. وممّا زاد الطين بلّة أبواق إعلام العار التي شوّهت الثورة ورجالاتها ممّا دفع هذا الفريق من الانقلاب على الثورة جملة وتفصيلا والتشهير برموزها واتهامهم بالخيانة والسّرقة في كلّ فرصة تتاح لهم. فالمسألة إذن مرتبطة بالمفاهيم بدرجة أولى. فمشكلة هذا الفريق أنّه لم ينخرط في الثورة من البداية ولم يستحضرها إلاّ زمن هروب المخلوع. بينما هي سيرورة بما هي نضال مستمر ومتواصل ضدّ الاستبداد انطلاقا من السنوات الأولى لدولة الاستقلال. فهي معاناة ومكابدة وجراحات وعذابات وجهاد متواصل. والذين ناضلوا وكافحوا وانخرطوا في النضال والثورة ضدّ الاستبداد وتحمّلوا تبعاتها من بداية عهدهم بالحياة تجدهم يحملون الثورة وهمّ الثورة على أكتافهم وعلى أكفّ أيديهم وهم أحرص النّاس على أن لا تسقط من أيديهم وأن لا يعتريها الوهن ولا يصيبها الفشل في منتصف الطّريق. وهم مستعدّون للتضحية من أجلها من جديد إلى حين استكمالها والحفاظ عليها وتمريرها إلى الأجيال القادمة. فلا يمكن لأيّ ثورة أن تأتي أكلها دون نضال وفي فترة وجيزة. فهناك بون شاسع بين من يحملون الثورة،وهي ملتهبة كالجمرة، في أيديهم  ويخافون عليها من السقوط أثناء المسيرة وبين من يتعلّقون ويمسكون بها من كلّ جانب ويطلبون منها أن تحملهم وتحمل آمالهم وتوفّر لهم التنمية والشغل وهي مازالت لم تكتمل ولم تنضج بعد.

وما يمكن استنتاجه ممّا سبق أنّ الثورة التونسية لن تكتمل في الأمد المنظور لأنّ بقايا الاستبداد سيلاحقونها في الفترة الانتقالية ولن يتركوها تمرّ بسلام. وسيفعلون كلّ ما في وسعهم للإيقاع بها وإسقاطها. فهم كلّما فشلوا في تنفيذ خطّة إلاّ وأعدّوا خطّة بديلة. والتنمية الحقيقية تستدعي الانتصار الظاهر والسّاحق للفريق الثوري لكي يتفرّغ لإعداد منوال تنموي حقيقي من منطلقات ثورية يقطع مع الماضي. وهو ما لم يتحقّق إلى اليوم. وكمثال على ذلك منعت المنظومة القديمة فريق الثورة من تمرير قانون تحصين الثورة بالاغتيالات (اغتيال شكري بالعيد ومحمد البراهمي) بما مهّد لإسقاط حكومة حمّادي الجبالي ثمّ حكومة علي العريّض. ووفّر لها فرصة من دخول الانتخابات والفوز بها. وتمّ التوافق في ذلك الوقت لأجل منع حرب أهلية واقتتال داخلي. وكان واضح عندئذ أن لا تحصل تنمية بفريق أغلبه من الثورة المضادّة. فخلال حكم الترويكا (فريق الثورة) كان الفساد يأتي ويتأتّى من الاعتصامات العمّالية وإيقاف عجلة الانتاج والتنمية بالقوّة (إيقاف إنتاج الفسفاط...). فيما كان الفساد يأتي في فترة التوافق من داخل الحكومة بحكم مكوّناتها.

فالذي يعيق التنمية ليس الحكومة المنتخبة أو مجلس النواب المنتخب وإنّما وعي الشعب بدرجة أولى. فبقدر ما تكون درجة وعي الشعب تكون نسبة التنمية. فمن غير المنطقي والمعقول أن ننتج تنمية والشعب منحاز في اختياراته للمنظومة القديمة المسؤولة الرئيسية على الحالة التي وصلنا إليها بسبب سوء اختياراتها وفسادها في نفس الوقت. والوعي لا يتطوّر بين عشيّة وضحاها وإنّما يلزمه وقت. فعلى مدى النصف الثاني من القرن العشرين حدثت عديد الانقلابات في تركيا وأطاحت بالحكومات المنتخبة ووضعت العديد من السياسيين المنتخبين في السجون. ولكن في سنة 2016 تصدّى الشعب التركي بأغلب مكوناته السياسية للانقلاب وأسقطه في نفس الليلة.

منجي المازني

كلمات مفاتيح : تونس، قيس سعيد،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع