مقالات

جمال صالح الهنيد

أخطر بحث إجتماعي عن النساء الليبيات!

أرشيف الكاتب
2021/10/29 على الساعة 07:46

كيف غير الفيس بوك الحياة الإجتماعية عند النساء الليبيات؟

تغيَّرت العلاقات الاجتماعية بين النساء الليبيات بعد اختراع واستعمال فيسبوك تغيّرًا طارئاً قلب موازين العلاقة بين النساء من عدة جوانب، أهمها: الزلوف وهو ما يُعرف في غرب ليبيا بالنحيلة أو الرمو. 

كانت المرأة الليبية قبل استعمال فيسبوك إذا ذهبت لزيارة صديقة لها، قدمت لها زلوفًا (نحيلة، الرمو) وهو مبلغ مالي سمِّه إن شئت هدية، ولكن على المضيفة أن تتذكر قيمة ذلك المبلغ، فإذا ذهبت هي لزيارة ضيفتها قدّمت لها نفس قيمة المبلغ. ويستمر التداول على ذلك الحال في المناسبات الإجتماعية حتىتغيّر واحدة منهما قيمة الزلوف، فتتفاعل الأخرى مع القيمة طردياً؛ فإن زادت الأولى قيمة الزلوف (النحيلة، الرمو)، قابلتها الثانية بنفس الزيادة، وإن أنقصت القيمة أنقصت الثانية نفس القيمة، وإن لمتأتِ واحدة بزلوف لظرف مادي قاهر، فستتوقع أنها لن تحظى بزلوف في زيارة صديقتها لها المرةالقادمة. 

وهناك من النساء من تعلن لكافة صديقاتها أن قيمة زلوفها ثابتة لا تتغير لأسباب اقتصادية ولا تتبدل لأسباب اجتماعية فهى تعطي كل صديقاتها نفس قيمة الزلوف على حدٍ سواء  مهما كان قرب الصديقة منها أو بعدها، وبذا تتلافى المشاكل التي قد تنشأ باختلاف قيمة الزلوف، لانها ربما تُفهم كأنها نوع من المحاباة أو الجفوة، لأن كل صديقة تقارن نفسها بصديقتها الأخرى بقيمة الزلوف الذي استلمته. 

واستمر الحال على ذلك.. حتى دخل فيسبوك حياة النساء الليبيات، فقلّت الزيارات البيتية، لتحل محلها زيارة صفحات فيسبوك، وقراءة أخبار بعضهن بعضاً، وانتشرت النشاطات الاجتماعية وصورها أو حتى فيديواتها في صفحاتهن سوى أكانت مناسبات سعيدة كالزواج والخطوبة وأعياد الميلاد والتخرّج والولادة، والأسابيع، وشراء بيت جديد أو أثاث أو سيارة، أو فستان أو مجوهرات أو حتى خروف العيد،أو كانت مناسبات حزينة كحادث سيارة أو مرض، أو حتى موت. 

ولم يقف تسجيل الأحداث في صفحاتهن عند هذا الحد فحسب، بل أمتد إلى عرض مهاراتهن في طبخ وجبات الأكل وطريقة تقديمها وتجهيز أنواع الحلويات وفن تشكيلها حتى أصبح من أتيكيت تقديم الأكل للضيوف تصويره قبل الأكل لنشره في فيسبوك. 

ولم تكتف النسوة بهذا الإستعمال لفيسبوك فحسب، بل زدنَّ عليه أن تكتب الواحدة منهن جملة واحدة مقتضبة، وترمي بها في صفحتها، كما يرمي الصياد صنارته في البحر وينتظر صيده. 

تكتب امرأة كلمة "أشعر بحزن" أو "أشعر بسعادة" أو "الحمد لله" أو "حسبنا الله  ونعم الوكيل" أو"لاحول ولا قوة إلاّ بالله".. أو غيرها من الكلمات القصيرة ذوات المعاني والمغازي، وبعد نشرها في صفحتها؛ تبدأ تترقب تفاعل الصديقات من ناحيتين: من ناحية سرعة التفاعل مع المنشور ومن ناحية تأثرهن به واهتمامهن وأسلوبهن في الرد عليه. 

وتبدأ عملية "الزلوف" مع الزيارات الفيسبوكية، ولكن "الزلوف" تحوّل من مبلغ مالي إلى كلمة "لايك". 

وبنفس  بروتوكول الزلوف السابق، من عملت لها لايك، ردّت عليها في مقال لها بلايك مثله، ومنتجاهلتها، تجاهلتها في مقالها، وربما إن كان بين الصديقتين شيء من عدم الكلفة، اتصلت الواحدة بالأخرى تقول لها: لماذا لم تعملِ لي "لايك"،. بل وربما منعاً لصديقتها من الإعتذار بعدم قراءة المنشور، تبعث لها برسالة تعلمها بأنها ستنشر مقالاً وتتوقع منها أن تعمل لايك، وما أن ينزل المنشور حتى تبعثلها برسالة عاجلة على الماسنجر تذكرها بنزوله، وتقع الثانية في موقف محرج، فتسرع لصفحة صديقتها وتنقر "لايك" وتعود لما كانت تعمل ... لا تمر دقيقة حتى تتصل بها صاحبة المنشور تشكرها على اللايك، ثم تسألها مباشرة: هل أعجبك المنشور؟  فلا تجد الصديقة المحرجة من رد إلاّ تقول: نعم، أعجبني جدًا!!!

تفرح الكاتبة وترد: بجد والله، لا تجامليني! هل أعجبك فعلاً؟ فتؤكد الصديقة إعجابها، ظانة أنها بتوكيدإعجابها قد نجت من خطّاف الصنارة، ولكن الكاتبة تفاجؤها بسؤال لاحق؛ مادام المقال أعجبك، لماذا لمتعلّقِ عليه؟ وترتعش أصابع الصديقة، وتكتب معتذرة: "كنت مشغولة، وسأعلق عليه لاحقاً". وهنا.. وقع الفأس في الرأس، فلابد الآن من تنفيذ الالتزام. وترجع إلى آخر تعليق بينهما لترى كم سطر كان تعليق صديقتها على تعليقها، وما هي عبارات الإطراء والمدح التي مدحتها بها، وكم مرة قالت (حبيبتي) أونادتها يإسم الدلع! 

لا تستطيع التأخر كثيراً، فالكاتبة تنتظر التعليق، فتذهب للمنشور، وتقرأه بتمعّن وتقرأ تعليقات الصديقات الأخريات ثم تكتب تعليقاً وتختمه بقلب ووجه باسم.. وتتنفس الصعداء، لقد انتهت المهمة ولله الحمد! هكذا ظنت المسكينة!!!

دقيقة تمضي.. ثم يأتيها إشعار بوصول رسالة من كاتبة المقال!!! فيخفق قلبها، وترتجف أوصالها! ماذا الآن؟ 

جاءتها رسالة شكر على تعليقها على منشورها.. فترد عليها بأدب متصطنع !  لكن صديقتها لا تكتفي بالحديث عند ذلك، فتسألها هل قرأت تعليق فلانة؟ فتتهرب الصديقة قائلة: لا لم أقرأه، ظانّة منها أنها إذا طلبت أن تذهب لقراءته، ستعتذر لها بأنها مشغولة الآن، ولكن الكاتبة أكثر منها فطنة أو قل إن شئت أكثر دهاءً،  كانت الكاتبة قد نسخت التعليق، فتلصقه وترسله.. فيظهر أمام الصديقة في الحال.. "هاهو أمامك! أقرأيه"!  

فتقرأه الصديقه.. وتقول فيه كلمات ثناء ومدح.. فيأتيها الرد من الكاتبة: "ههههههههههه.. هذاالتعليق ليس منها ولا هو اسلوبها، لقد نسخته وألصقته عندي، تظن أنها ستخدعني وستضحك علي! على من؟ عليَّ أنا!!!“

وتبدأ في هجومها الإعلامي والأدبي والاجتماعي والأسري والأخلاقي اللاّذع على تلك المرأة؟ وماذا قالت عنها فلانة.. وعلاّنة.

كل هذا بسبب تعليق صديقة على مقالها.. تعليق شمّت فيه صاحبة المقال إما بروداً في الرد، أو أن الرد كان أجمل أسلوباً وبلاغة من المقال نفسه، وفي كلتا الحالتين.. لم يعجب التعليق كاتبة المقال! ويتحرك إصبعها إلى ثلاث نقاط على يمين الشاشة، فتنقر عليها فتظهر خيارات منها "بلوك" حظرصديق، فتنقر عليه.

جمال صالح الهنيد

 

نورالدين خليفة النمر | 29/10/2021 على الساعة 10:50
الهِِـبـة
كنت تمنيت على السيد جمال الهنيد أن لايربط إجتماعية تقليدٌ الهبة والهدية بتواصل فيس بوك المرأة الليبية الذي لاقيمة له .أنا كنت أتابع في الثمانينات برنامج الأذاعة المبث من بنغازي ومافهمته أن تعبير الزلوف في الشرق يقابل الصائبة في الغرب وأن النحيلة مالٌ تُنحل المرأة الزائرة به وليد قريبتها أو صاحبتها .أو يمنحه الرجل للطفل بمناسبة العيد .النحيلة مال أما الصائبة فتكون مواد غذائية .أما الهدية في المناسبات الكبرى كالزفاف فتكون الشياه ،أو المال الذي يعطى لمستأدنة العرس في طرابلس .أو مايقدم في سابات الزمزامات في محظر العروس . إذا حدث تغيير في هذه التقاليد فعامل التغيير لن يكون الفيس بوك صنعة الفاضيات والعنوان "أخطر بحث إجتماعي عن النساء الليبيات!“ عنوان لامعنى وخطورة الفيس بوك تكمن في زاوية أخرى محتاجة لبحث منفصل . لفائدة السيد الهنيد أحيله إلى كتاب عالم الأجتماع مارسيل موس "بحث في الهِبة : شكل التبادل وعلّته في المجتمعات القديمة" وقد ترجمه عن الفرنسية الباحث التونسي في التاريخ الليبي والذي عمل سنوات في طرابلس الأستاذ د.المولدي الأحمر .
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع