مقالات

محمد نجيب عبد الكافي

خواطر خاطرة.. دبلوماسية الكافيار

أرشيف الكاتب
2021/10/27 على الساعة 20:25

الكافيار هو بيض مُملَّح لا يحتوي أجِنَّةً، يُستخرَج من أنواع مُعيَّنة من السّمك؛ أهمُّها سمك الحفش الكبير. لا أدري ولا أفهم لماذا، يُعدّ هذا البيض طعاماً شهيّاً فاخراً، في كثير البُلدان من عالمنا الغريب، حيث يُباع هذا البيض بأسعار عالية جداً. ذقته مرّة فكانت الأخيرة، لأن طعمه ومذاقي لا يلتقيان، فكانت القطيعة. يقول العارفون إن أنواع الكافيار، ونكهته، وطعمه، وثمنه، تختلف حسب السّمك الذي استُخرِج منه، وتُقدَّر قيمته حسب لونه، وقوامه، ونكهته. لكن ما لا يقولونه عنه، وهو ما اكتشفته مؤخرا، هو أنه دخل عالم الدبلوماسية، حتى أنها نسبت في بعض الأحيان إليه.

غرّتني التسمية فبحثت حتى عرفت الحقيقة، وهي بكل بساطة "وخبث"، ليست سوى عملية شراء ضمائر ورشوة، على أعلى وأرفع المستويات السياسية والنيابية والصحفية وهلمّ جرّا. انتقدت كثيرا، وما أنفك أنتقد، قبول حكوماتنا فِرَقا ومجموعات ترسلها جمعيات ومؤسسات أجنبية، ظاهرها غير باطنها، تحمل أسماء مغرية جذابة، بها تستر ما هي فعلا آتيته، حيث حلّ مبعوثوها، أستثني من بينها جمعية الصليب الأحمر المكرّسة أعمالها ونشاطها داخل إطار مهمّتها الحقيقية، وهي النجدة والمعالجة طبيا وصحيا وإنسانيا. نسمع كثيرا ونشاهد، عندما تُجرى انتخابات عامة في بلد ما، خاصة في بلداننا المصنفة في "الرتبة الثالثة" عالميا، نسمع عن وصول وفد من الملاحظين الدوليّين، ليراقب مجرى تلك الانتخابات ثمّ يشهد باحترامها الشروط الديمقراطية أو عدم احترامها، ومن ثمَّ، شرعيتها ونزاهتها، أو تزويرها، فيصدر الحكم برفض شرعيتها ومطابقتها لما تُمليه الديمقراطية وحقوق المواطنين. كلّ هذا كلام جميل، مُغرٍ، جذاب، مُطمْئن، ترتاح له نفوس المواطنين السُذّج مثلي.

غير أن الواقع وما يسمع ويشاهد يوميا هو غير ذلك تماما، وهو عكسه وضدّه. ليس بعيدا عنا جغرافيا وزمنيّا، ما جرى ويجري بين الاتحاد الأوربّي وأذربيجان المرتبطين، لأسباب ومصالح استراتيجية واقتصادية، في مقدّمتها التزويد بالغاز. في 20 مايو 2010 اعتمد البرلمان ألأوربي في ستراسبورغ "ضرورة استراتيجية الاتحاد الأوروبي لجنوب القوقاز فعزّزها "بشراكة" تمتّن المؤسسات وتحسن الإدارة والحكم، وهو ما يشمل مقاومة الفساد والرّشوة، وإصلاح الإدارة ومقدرة البناء لمكافحة الإجرام والإرهاب. "أما اقتصاديّا فالشراكة تشمل "مساندة تنوّع الاقتصاد، مساندة العضوية بالمنظمة التجارية الدُولية، وتنمية التجارة والاستثمار البيئي". بهذا نحن أمام تعاون متين بين عضوين يشترط بأن يكونا على اتفاق أيضا في تشابه أو تقارب النظامين المقامة عليهما السلطة في بلاد العضوين. لكن أنتخاب إلهام عليّاف في 26 مارس سنة 2005 رئيس أذربيحان، فأخضع ويخضع البلاد لأشد الأنظمة ظلما وابتزازا، إذ استحوذ وزوجتَه وابنتّه، على أهم موارد الاقتصاد بشركات محلية وعالمية، والعالم الأوربي، شريكه المدعي الدفاع عن الديمقراطية، ملتفت إلى ناحية أخرى، صامت أسكته بالرشاوى التي وزعت بكرم، بالغة أعلى المناصب مثل نواب في البرلمان أو كبار الصحفيين أو حتى وزراء.

يتم هذا عن طريق ما عرف بدبلوماسية الكافيار، التي كلّف بها أحد قناصله، الذي برهن على أنه خبير عريف بشراء الضمائر. لكن هل العنف يمنع الألسن أن تنطق زجرا؟ ظهرت من حيث لا يدري امرأة وطنية، مصممة شجاعة، هي خديجة اسماعيلوفا، من مواليد 27 مايو 1976، صحفيّة اقتصاديّة ومذيعة، تعمل بإحدى إذاعات باكو، وفي إذاعة أوروبا الحرة. وهي عضو في مشروع كشف الجريمة المنظمة وتقارير الفساد، فبحثت ونشرت وبثت، ففضحت، حتى اعتقلتها السلطة في ديسمبر 2014 بتهمة التحريض على الانتحار.

يا لها من تهمة مزيفة، معبّرة أيضا، لأن مقاومة الظلم في أعين الظالمين انتحار. في 1 سبتمبر 2015 حُكم على خديجة بالسجن لمدة 7 سنوات ونصف بتهمة الاختلاس والتهرب الضريبي. فوجدت في أمها خير سند حتى أفرج عنها في 25 مايو 2016، من طرف المحكمة العليا الأذرية ووضعها تحت المراقبة. صحفيّ آخر سار على دربها وقبل أن يلقى عليه القبض فرّ الى الخارج، ومن سويسرا، واصل فضح الأوضاع. جاءت الانتخابات، فتحرّكت دبلوماسية الكافيار، فعرفت رئيس وفد المراقبين الأوربيّين الدوليّين، صحفيّ ألماني هذه المرّة، فأذهبت فهمه بمليون دولار ونيف، ووصلت أيضا إلى رفقائه في المهمة "فبلّهم القطر" وإذا بالانتخابات نزيهة شفافة، لا شية فيها تسرّ الملاحظين.

أبعد هذا، وغيره، تجدر الثقة بالملاحظين أو المشرفين أو المراقبين، أو سمّهم ما شئت، دوليّين كانوا أو حتى من المرّيخ، فيؤخذ بما يُقِرّون حول مصير شعب ودولة؟ لا وكلاّ، إذ لا ثقة إلاّ في الله والنفس، والعاقل من اعتبر بغيره. فها هي ليبيا على أبواب انتخابات "مصيريّة" حقّا، لذا وجب على كل ليبية وليبي، التحلّي بالتعقل والوطنيّة، ليحكموا بأنفسهم على انتخاباتهم وما يفعلون. عليهم اتخاذ الحذر والاحتياط، والعمل بالمثل السائد الذي يقول"إذا رأيت عثنون جارك يُحلق، أبلل عثنونك وانتظر" لأنه سيأتي دورك. لكن أعتقد أن جميع الناخبين الليبيين لهم من التعقل والفطنة والحيطة، ما يجعلهم لا يقعون في الفخ. عليهم أن لا يصدقوا خطيبا ولا وعودا، أن لا يصوتوا لحزب أو جماعة ما، ولا لقبيلة ولا شريحة. فالممثلون أشخاص، فليكن التصويت للشخص بحسب قدرته وكفاءته، وطنيته ونزاهته، وطهارة يديه وماضيه. كل هذا سهُلت معرفته بواسطة وسائل التواصل الاجتماعي. كفى ليبيا ما قاست، وحان أن تدخل التاريخ مرّة أخرى من بابه الكبير، ومن سيدخلها هم بناتها وأبناؤها المخلصون الحذرون، الذين سيصوتون للأفراد الأكفاء، لا للكتل والجماعات، والله وليّ التوفيق.

محمد نجيب عبد الكافي
مدريد في 3-10-2021

* تنشر هذه السلسة بصفحة الأستاذ/ المهدي كاجيجي (فيس بوك)

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع