مقالات

محمد. م. ف. دربي

المعرفة والحكمة

أرشيف الكاتب
2021/10/26 على الساعة 12:05

لا فرار منه إلا ما ندر إما بإرادة قوية أو بفطنة واسعة، تربطنا به علاقة حميمة، نحتضنه بألأكف معظم الوقت، أحياناً شغفاً بصوره، شوقاً إلى معلوماته العجيبة، أليف الملمس، إنْ نقرت على شاشته بأصابعك او لمستها ففي لحظة من عمر الثانية يلج بك في فضاء هائل من المعلومات والمعرفة عن أيما شيء لم تراه من قبل أوتسمع به أو حتى خطر على بالك من أتفه المعلومات إلى حدود المعرفة القصوى فضلاً عن اِتاحة مساحات واسعة من الحريات وشيوع التفكير الخرافي إلى حدّ الإستخدام السيئ المفرط والتماهي مع العزلة.

 من خلاله سَهُل على وسائل الاتصال الاجتماعي أن تقتحم حياتنا فيما يشبه عاصفة هوجاء وأن ينقل الينا أيما خبرٍ صغُر أو كبُر من موقع الحدث وفي ذات اللحظة، بل ومن خلاله ثمّة مجالٍ متاحٍ  للتذمر والتندرومجالات أخرى للدجل والتهريج.

وفي ذات اللحظة وحسب المزاج:

 يلج بنا بأشكاله المختلفة في رحاب العلوم والعلم والمعرفة والفنون ويغوص بنا في محيطات عميقة وينقلنا إلى معرفة العالم القديم إن شيئنا الإنتقال إليه، نلتهم ما نستطيع أن نلتهم فنزداد عطشاً وجوعاً فنطلب المزيد ثم المزيد فلا نرتوي ولا نشبع. إفتنان رهيب بوسائل ملونة من فيسبوك وتويتر ويوتيوب وانستغران وسناب شوت، نتنفس بها ونبصر من خلالها وكلما شربنا من كؤوسها إزددنا عطشاً إلى أقصى حدود العطش وخداع الظمأ.

فما سرّ هذا الجوع المستمر لتناول كل مالذّ وطاب من المعروض على موائد شاشة هذا المخلوق التكنولوجي الرهيب الذي يسمع ويرى ويسجل ويدون ويكتب ويرسم ويصرخ ويسب ويشتم؟

للوهلة الأولى نعتقد بأننا نبحث عطاشى عن المعلومات وعن المعرفة ونطلب العلم ولو في المريخ، فهل – فعلاً- نبحث عن الأكثر اِنتشاراً من المعلومات المهمة والمعرفة الجيدة؟

وفي هذا الشأن والسياق ما المقصود بالمعلومات والمعرفة؟:

 فبينما المعلومات تتعدد اشكالها واحداثها واختراعاتها ونبحث عنها كي ندرسها للتحقق من صدقها من عدمه، وعند انفجارها نجد أنها صعبة المواكبة أو الضبط من حالة تدفق هذا الكم الهائل من ألأفكار والمسميات والبيانان والحقائق ذات الصلة بأماكن معينة وحقب تاريخية معينة وعن الإنسان الفرد ذاته فمن أشكالها أن تكون انمائية بهدف تحسين المستوى الثقافي والعلمي والسياسي في المجتمع أو بهدف شخصي سعياً لإنجاز مشاريع وأعمال خاصة.

 فإنّ المعرفة المعرفة من جهتها تسبح في بحر أعمق علمياٍ وفلسفياً وفنياً وتاريخياً، وللمعرفة مناهجها وطرق تلقيها، فهي مبدئياً وسيلة إدراك ووعي وفهم للظواهر والأشياء والعقل المجرد أداتها الفعلية لإكتساب الخبرات والمهارات من خلال عملية تحكمها التجارب والتعلم النقدي، والمعرفة ذاتها تراكم من المعرفة للإستزادة منها للكشف عن الحقائق وإدراك ما يمكن إدراكه على ما هو عليه، ومن ثمة هي اساس للتعلم والمنبه لعدم تكرار الأخطاء، بمعنى أنها بنية من التصورات والنموذجات (النماذج) التي تساعدنا على الغوص في فهم الظواهر العلمية والاجتماعية وشرح وتفسير وتعليل ما نتصوره ونلاحظه بالبراهين والأدلة وهي على نقيض تام من الإنكار والجحود.. المعرفة هي مفتاح فهم قضايا المواطن وهمومه.

بناءً على السابق: هل حقاً تكفي المعلومات والمعرفة؟  

فهل تكفي المعلومات عند توفرها بين أيدينا من معلومات تعليمة وفكرية وترفيهية وبحثية، وهل تكفي المعرفة وقد تحصلنا عليها وفتحنا لها كل الملفات وأخذنا نبصر ما حولنا وشرعنا في التدبر في هذا الذي يجري حولنا مثل ضعف شؤون التنمية المستدامة وبناء الدولة؟

 بمعنى آخر كيف يمكننا أن نتعامل مع حجم المعلومات التي بين أيدينا وفي متناولنا، وكيف نتعامل مع المعرفة التي غدت في حوزتنا بسهولة ويسر؟ كيف بأمكان الإنسان أن يعالج المعلومات معالجة فكرية حتى يستنتج ويصوغ منها أهدافاً معينة بهدف الإستخدمات المتعددة وحتى المساهمة في إتخاذ القرارات.

فماهي الوسيلة؟

ما الوسيلة التي قد نملكها ونتبعها حتى يمكننا أن نستخدم المعلومات والمعرفة لإختيار أكثر المعلومات موضوعية ولإستخدام المعرفة استخداماً ذكياً للتعامل مع القضايا الحيوية؟ كلاهما المعلومات والمعرفة ناقصتان وأعتقد أنّهما بحاجة إلى الحكمة، فالمعرفة - مثلاً- تحتاج إلى جهد كبير جداً للولوج في عالمها وإلى تمحيص أعمق وقرأءة نقدية وتفكير نقدي لما نرغب في فهمه ومعرفته.

فما الوسيلة لرؤية العالم والتعامل مع الواقع معرفياً؟

 أداة التحقق من المعرفة واكتسابها والعمل بها هي الحكمة، والحكمة ذاتها هي صون المعرفة، والحكمة أشمل وأعمّ من المعرفة والمعلومات، هي حصانة استخدام العقل النقدي إذ المعرفة والمعلومات عرضة للتناقض وللتضارب، بينماالحكمة هي عملية مستمرة لِإستخدام العقل نقديا وبالتالي المساهمة اجتماعياً في عملية التواصل العقلاني لخدمة الصالح العام. فمعرفياً نستطيع أن ندرك بأنّ النار محرقة ومن الحكمة ألا نلقي بأنفسنا فيها، فالمعرفة هي أنْ تعرف عقلانياً ضاهرة معينة علمية كانت أو اقتصادية او اجتماعية أوعلى أي صعد أخرى، بينما الحكمة في هذا السياق هي رؤية وفهم بنية الظاهرة بعد معرفتها فهي في آخر المطاف نشاط حل المشاكل العامة بناءً على المعلومات والمعرفة المتاحة لدى المجتمع.

غير أنّ المعرفة ذاتها قد نجد صعوبات كثيرة تصادفنا فيها كشرط أساسي لمعالجتها بالحكمة الناجعة والملائمة، فقد نستطيع – أحيانا- أن نعرف أكثر مما ينبغي لدرجة أننا قد لانعرف إلى أين نجدف! المعرفة بشكل عام هي امتلاكنا للشيء الذي نريد أن نعرفه فكرياً وذهنياً، والحكمة هي ما الذي نريد أن نفعله عملياً بهذه المعرفة أصلاً.

هل نيل المطالب بالتمني؟

قد تكون المعرفة والمعلومات سهلة المنال هذه الأيام، غير أن الحكمة صعبة المنال فهي تحتاج إلى جهد عظيم لأكتسابها من خلال بذل أقصى الجهود والمران ومن المستحيل الحصول عليها أو الوصول اليها بلعب الزهرأو بضربة حظٍّ ولا تنال بالتمني ولا التحديق الآلي في الشاشات المتلألئة، فلا يكفي -مثلاً- أن نعرف مفهوم الدولة معرفياً وفلسفياً إذا لم نكن نمتلك الحكمة لبنائها على أرض الواقع ولا يكفي كمثال آخر فلسفة الهوية إذا كانت ممارستها في خللٍ.

الجانب الآخر للنقال:

ومع هذا النقال، الإنسان يحاول جاهداً أن يمتلك الحكمة في صراعه مع الحياة وعبر حياته اليومية، غير أنه يقع فريسة التشوش في التفكير ويظل شارد الذهن مترنحاً في الفضاء المفتوح متنقلاً من نقرة إلى أخرى ومن معارك شخصية ألى أخرى، مستمتعاً لنشر الشائعات والكاذيب وحملات التشهير والتفنن في نشر تقافة العداء والكراهية، وقد يقع فريسة الشرود الذهني والذي يسمونه بالعرف الليبي بـ "ذهاب الشيرة"، وبالذات بعد أن أصبح العالم كما يقال قرية أصغر من صغيرة ومتاح بين ايدينا كلعبة مسلية ننقر شاشتها في يسرٍ ونعرف - على نحو غير نقدي فكرياً - أكثر مما ينبغي أن نعرف.  

محمد دربي

هشام بن غلبون | 28/10/2021 على الساعة 00:07
في غياب الحكمة ... يمكن أن تؤدي كثرة المعلومات إلى الغرق ...
في غياب الحكمة، قد تؤدي غزارة المعلومات وسهولة توفرها إلى التهلكة ... حتى وإن كانت كل هذه المعلومات صحيحة ومنقّحة ... فيكون كمن يغرق في نهر عذبة وصافية ونقيّة مياهه، بل ربما حتى نبع عين لمياه صحيّة ... ولكنها، كالمياه المالحة، أو الملوّثة، تؤدي إلى الغرق، في غياب الحكمة ...
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع