مقالات

مختار المرتضي

القبلية العربية..  من الصحيفة النبوية الى عهد اردشير

أرشيف الكاتب
2021/10/25 على الساعة 10:00

كانت المدينة المنورة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم تمثل (الدولة المدينة) كما كانت أثينا في زمن فلاسفتها سقراط وأفلاطون وأرسطو تمثل (الدولة المدينة) التي مورست فيها الديمقراطية القديمة وكتبت مؤلفات فلاسفتها في السياسة ونظم الحكم وكيفية الممارسة الديمقراطية حتى صارت مؤلفات أفلاطون وخاصة (كتاب القانون) و(كتاب الجمهورية) هي أساس الديمقراطية الحديثة وهي المرجع الأساسي للديمقراطيات الغربية. فقد استطاع العقل الأنساني الفلسفي الغربي أن يطور ويبنى على نظريات الديموقراطية اليونانية خلال مراحل نضج الفكر الغربي وخلال عصر التنوير والنهضة والثورات الأوربية. في الوقت الذي فشل فيه العقل العربي من الاستفادة من القيم وتطوير المعاني والمفاهيم التي وردت في صحيفة المدينة. 

 كانت (الدولة المدينة) التى قامت على أساس العقد الأجتماعي الذي يعرف بالصحيفة في المدينة المنورة هي الجنين الدستوري الاسلامي النابع عن جهد من الرسول محمد صلى الله عليه وسلم والتي كانت الأساس الذي قامت عليه الدولة التي تضم بين جوانبها هويات متعددة عرقية ودينية ووضعت القواعد الأساسية للتعامل بين هذه المكونات وضمنت حقوق المواطنة وضرورة التعاقد بين الحاكم والمحكوم بالتراضي واعترفت بالاختلافات والخصوصيات للفئات المكونة للمجتمع وأقرت حق الأقليات ونصت على حماية الحريات العامة وحرية التنقل والعمل الاقتصادي والأملاك الخاصة ورسمت فلسفة عامة لكيفية تسيير أمور الدولة وحل النزاعات بين أفرادها. 

لم يتطرق الرسول محمد صلى الله عليه وسلم طيلة حياته عن كيفية اختيار الحاكم من بعده فتركها للأمة تختار الآليات المناسبة لها وما تراه صالحا لزمانها ولا يتعارض مع المنهج الرباني الذي يشترط حرية الأختيار والتراضي (فإسلام المكره لا يصح وكذلك بيعة المرغم لا تقع) فكانت طريقة اختيار الخلفاء الراشدين تختلف من خليفة الى أخر وكان الخليفة يتقاضى أجرا أقرته له الأمة المسلمة من بيت المال على عمله فهو (ولي الأمر منكم) وليس (عليكم) وبلغة العصر (موظف في الدولة) لخدمة الشعب وليس متسلطا عليهم. 

في فترة الخلفاء الراشيدين بدأت الفتوحات الاسلامية على أشدها وتوالت الانتصارات ضد جيوش الأمبراطورية الساسانية في العمق الفارسي من القادسية الى المدائن الى معركة نهاوند (فتح الفتوح) بوتيرة متسارعة وتوغلت الجيوش الاسلامية في اراضي الامبراطورية الفارسية واستقرت بلاد فارس ورضخت للفاتحين وأقدم أهلها على الدخول للإسلام وتعرف المسلمون عن كثب على الحضارة الفارسية وانبهر الكثيرون منهم بما رأوا في فارس من المعمار والفن وبما اطلعوا عليه من الأدب والنظم والمعارف في شتى المجالات ففارس ارض حضارة قديمة ولم تتح هذه الفتوحات السريعة للخلافة أن تبلور نموذجا واضح المعالم بمؤسسات حكم أو أن تبنى نظاما سياسيا اسلاميا متكاملا يحدد فيه كيفية اختيار الحاكم وما هي مؤسسات الدولة وعلاقة الرعية بالحاكم واسلوب التداول على السلطة فبدأ الغزو الفارسي الحضاري للعقول العربية وبدأت التراجم والإطلاع على الكنز المعرفي الفارسي ووجدت القبلية العربية ضالتها في وثيقة لمؤسس الأمبراطورية الساسانية (اردشير الأول) عرفت ب(عهد أردشير) وهي نصائح وتوجيهات من الملك اردشير لأبنائه للمحافظة على الملك من بعده وكيفية ابقاء الحكم خالصا لأبنائه. 

بعد الخلفاء الراشدين تعرضت الأمة الى فتن وصراعات وحروب أهلية زلزلت الدولة وهددتها بالانفجار من الداخل والقضاء علي وجودها فكانت موقعة الجمل ثم صراع معاوية مع سيدنا على رضي الله عنه ومن بعد يزيد بن معاوية مع سيدنا الحسين بن على رضي الله عنهما ثم قتال عبد الملك بن مروان مع عبدالله بن الزبير. 

في تلك المرحلة التاريخية تكون فقه انقاذ الدولة والمحافظة على الأمة والقبول بخلافة المتغلب كمرحلة مؤقتة  وظروف استثنائية ثم تحولت الخلافة الى مملكة وراثية اقتداء بعهد أردشير وضرب عرض الحائط بصحيفة المدينة وظهر علماء للسلطان يفتون بحرمة الخروج على ولي الأمر ولو كان ولي الأمر فاسقا وجرم كل من عارض هذا الانحراف في المنهج السياسي الاسلامي بحجة الخوف من الفتنة (فحاكم غشوم خير من فتنة تدوم) وبلغة عصرنا استمرت انظمة الحكم على مدى تاريخنا العربي والاسلامي بقوانين استثنائية واعلان لحالة الطواريء لأربعة عشر قرنا. 

مختار محمد المرتضي 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع