مقالات

د. محمد قصيبات

البحثُ عن الواحة الضائعة

أرشيف الكاتب
2021/10/21 على الساعة 04:40

(1)

اعتقد المؤرخون ومنذ أزمنةٍ قديمةٍ أن ثمة كنزًا خفيًّا يوجد في الصحراء الليبية، كان ذلك قبل اكتشاف البترول بقرون؛ ففي القرن الثالثِ عشر تحدث عصمان النابلسي عن واحةٍ في الصحراء الليبية تحمل اسم "زرزورة"، وبعدها بقرنين نقرأ في كتابٍ يحمل عنوان "كتاب الكنوز واللؤلؤ المكنون“، وهو من الكتب الصفراء التي تتناول السحرَ، ما يلي: 

الكسندرين تيني

وزيتا فوربيس

”زرزورة مدينة بيضاءٌ كاليمامة  في الصحراء الليبية يوجد عند بابها عصفورٌ، عندما تصل إلى هناك خذ المفتاحَ من منقار العصفور ثم افتح البابَ وادخل في هدوء ولا تزعج الملك والملكة النائمين منذ زمنٍ طويلٍ في تلك المدينة، خذ ما طاب لك من كنوز واخرج في هدوء“.

في القرن التاسع عشر بدأ اهتمام الأوربيين بالبحث عن تلك الواحة؛ كان من بين هؤلاء الإنجليزي "جون جاردنر ويلكنسون" والذي كتب كتابًا بعنوان "وادي زرزورة" عام 1835 وهو عن واحةٍ في قلبِ الصحراء قيل أن بدويًّا وجدها فيما كان يبحث عن جملهِ التائهِ في الصحراء.

(2)

وفي ديسمبر عام 1873 قام الألماني "جيرارد روهولف" بمحاولة عبور الصحراء الليبية، انطلقت قافلته (التي تكونت من مجموعة من العلماء الألمان من جامعتي برلين وميونيخ وفي عدة تخصصات) من القاهرة وذلك بتشجيع من الخديوي اسماعيل. شملت القافلة حوالي 140 جملا محملة بما يكفي الفريق من طعام وشراب ومعدات علمية لفترة طويلة. لم تكن مهمته البحث عن "زرزورة" ولكن البحث عن ذلك "البحر الذي لا ماء فيه" والذي جاء ذكره في الكتب القديمة التي تقول أن النيل كان يصب في خليج سرت ثم جف وترك مكانه بحرا لا ماء فيه.

بعد مسيرة احد عشر يوما في اتجاه الكفرة وصل الفريق إلى واحة تسمى "فرفرة" ولكن بسبب الكثبان الرملية العالية لم تتمكن الجمال من مواصلة التنقل بحملها الثقيل فأضطر الفريق إلى الاتجاه شمالا نحو سيوة، ثم وجدوا غربا منطقة تهبط إلى 25 مترا تحت سطح البحر ووجدوا فيها من الآثار ما يملؤؤن به عدة متاحف كبيرة.

كانت خلاصة الفريق أن "البحر الذي لا ماء فيه" لا وجود له. وعاد فريق العلماء بمجموعة من المجلدات في علم النباتات والجغرافيا والجيولوجبا والفلك. وتمكن جيرارد روهولف من الوصول الى الكفرة بعد ذلك بخمس سنوات عن طريق طرابلس وأصدر عنها كتابا عام 1881.

لكن الكفرة وقتها لم يسمح بدخولها لغير المسلمين بقرار من السنوسيين ولما سمع روهولف بذلك هرب إلى بنغازي، وكان قبل أن يقوم برحلته هذه  قد مر بمغامرة سيئة عام 1868عندما سافر للمغرب وأدعى إسلامه لكن المغاربة فطنوا به وكادوا يقتلونه لولا  تدخل أحد رجال الدين فهرب من هناك إلى طرابلس عبر الجزائر.

(3)

 وفي النصف الأول من القرن العشرين اشتهر اثنان من المستكشفين للصحراء الليبية هما المجري "لازيو الماسي" والبريطاني "رالف بانيولد" في التنافس بحثًا عن الواحةِ؛ قال الأولُ أنه اكتشف مكان الواحةِ الضائعةِ في الصحراء أثناء رحلة قام بها عام 1932 وذكر أن مكانَ الواحة هو فيما يعرف بوادي عبد الملك ووادي الحمرة، أما الثاني فلم يتمكن من اكتشاف المكان لكنه خرج بكتابٍ علميٍّ بعنوان "فيزياء التراب المتحرك" والذي ظلّ مرجعًا علميًّا اعتمدت عليه "الناسا" في دراساتها للتخطيط للنزول على سطح كوكبِ مارس. يقول بانيولد أنّ واحة "زرزورة" هي آخر الأسرار التي تولد عند البشر الرغبةَ في البحث عن المجهول وأنها واحة في داخلِ كلّ انسان.

(4)

وللنساءِ نصيبٌ من مغامرات الصحراء؛ كانت "الكسندرين تيني" التي ولدت في لاهاي عام 1835 أقلهن حظًا: كانت من عائلةٍ غنيةٍ ورثت الكثير لكنها لم تفضل حياةَ الرغدِ فجرّها حبُّها للصحراء إلى المغامرة ؛ بدأت رحلاتها بما ظنت أنه الأسهل فانطلقت من مصر إلى الجنوب بحثًا عن منبع النيل، كانت غايتها دراسةَ نباتات وحيوانات الصحراء فأصدرت كتابا بهذا الشأن عام 1869 وذكرت فيه أسماء نباتات خلدت اسمها.

لم تكن رحلتها الأولى بتلك السهولة بل كانت "تراجيديا" من النوع الثقيل فلقد فقدتْ في تلك الرحلة أمَّها وعمَّتها بسبب الحمى ولكن بالرغم من تلك المأساة قررت الآنسة تيني في الأول من أغسطس عام 1869 الذهاب إلى فزان حيث لقيت حتفها هناك؛ قال بعضهم أنها قُتلت بسبب محاولتها فضِّ نزاعٍ اشتعل بين القبائل  وفي رواية أخرى قيل أنّ قطاع الطرق هم من قتلها ظانين أنها كانت تحمل ذهبا.

أما المستكشفة "روزيتا فوربس" فلقد نظمت رحلتَها بطريقةٍ أكثر ذكاءً إذ تحصّلت على إذن مسبق من السيد إدريس السنوسي لعدة زيارات للكفرة بين شهري ديسمبر عام 1920 وفيراير عام 1921 وكانت برفقة المصري احمد حسنين الذي تخرج من جامعة أوكسفرد، وكانت تعبر الصحراء في زيّ امرأة بدوية وكانوا ينادونها "ست خديجة"، وقامت بنشر كتابٍ حول رحلتها ذكرت فيه الكثيرَ من التفاصيل عن تلك الواحة. 

بالرغم من رحلاتها المنظمة فتلك الرحلات لم تكن خاليةٍ من المخاطر إذ كادت تُقتل في منطقةِ هواري حين هاجمها قطاعُ الطرق ومرة أخرى كادت أن تموت عطشًا بعد أن تاهت قافلتها لمدة ثلاثةِ أيام في الصحراء، ومرت القافلة 12 يوما بدون ماء بسبب خطأ على خريطة وضعها الالماني روهولف.

قدرت السيدة فوربيس سكان الكفرة يومها بـ 3000 من أهالي الزوية و بين 300 و 400 من التبو وقالت عن المناخ أنّ الأمطار لم تسقط على الكفرة طوال ثمان سنوات لكن المياه كانت موجودة على عمق 3 امتار فقط، وكانت الواحةُ غنية بالغلال والفواكه لكنّ الجمال كانت تعيش على التمور لغياب الأعشاب وركزت فوربيس على أهمية الكفرة كمركز تجاري وجدت فيه شعبًا متحضرًا يعيش في شيئ من الرفاهيةِ وتحدثت عن أخوان السنوسية وقالت أن لديهم بيوتا راقية ببساطٍ جميل، وكانوا يستوردون الجلود من الدارفور.

بعد الكفرة عاشت فوربيس في مدينةِ الجغبوب حيث مسجد "سيدي على"، وتحدثت عن الجيل الأول من السنوسيين وبعض الطلبة الذين عاشوا هناك، وقدرت عدد سكانها وقتها بحوالي 150.

(5)

في نهايةِ المطاف يمكن القول أنّ هؤلاء المستكشفين أحبوا الصحراء الليبية ولكن بعضهم أتى لغاية في نفس يعقوب قضاها؛ يقول المؤرخون أنّ "راهولف" كان جاسوسًا للطليان وأنّ "الماسي" لم يكن رومانسيا كما في فيلم "المريض الإنجليزي" بل عمل مع المخابرات الألمانية، أمّا "روزيتا فوربس"  فيؤخذ عليها علاقتها بهتلر وموسيليني.

* سبق نشر المقالة بصحيفة "الحياة الليبية" بتاريخ 12 أكتوبر 2021

د. محمد قصيبات

المراجع:

[1] VOYAGES AUX OASIS DE KUFRA، L، Mapieere et Mrs Rosita Forbes: Annales de Geographie، annee 1922 par Maurice Zimmermann.

[2] Barbara Hodgson: REVE D'ORIENT 2005.

أسماء تربح | 21/10/2021 على الساعة 19:16
استكشاف
استمتعت كثيرا بقراءة المقال وأخذني لعالم شبيه بالخيال والأفلام القديمة. إلى الآن صحراؤنا تحتاج لمن يستكشفها ويخىج مكنوناتها من أسرار وكرواتيا.
أسماء تربح | 21/10/2021 على الساعة 19:08
استكشاف
معلومات مفيدة لأول مرة أطلع عليها. شكرا لكم. أخذني الموضوع لعالم من الخيال.
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع