مقالات

محمد نجيب عبد الكافي

خواطر خاطرة.. ما حك جلدك !!

أرشيف الكاتب
2021/10/21 على الساعة 04:04

تختلف الشعوب والأمم في تصرفاتها وسيرتها، كما اختلفت في أصولها، وجذورها، وألوانها، وألسنتها، وغير ذلك، من ملبس، ومأكل، وشراب. زرت في مستهل خمسينات القرن الماضي مدينة فرصوفيا عاصمة بولندا، على راس وفد شبابي، يساهم في مهرجان صداقة الشباب العالمي، الذي كان يعقد كل سنتين في إحدى العواصم والمدن العالمية. قد يكون الآن من المفيد التذكير، بأن الحرب الباردة بين الشرق والغرب، قسّمت المنظمة الشبابية إلى اثنتين، وهكذا، فمنذ 1956 أصبح للشباب العالمي منظمتان، إحداهما شرقية والثانية غربية، وعاشت الوحدة والسلام العالميين. 

لم أكن مميّزا، كما هو الشأن الآن، "بصلعة لا التباس فيها" -حسب قول حماتي- فاحتجت إلى حلاق لتجميلي بقص الشعر!وتنظيمه. شعرت بألم وهو يمشطه، فمسكت يده لأرى، فإذا به مشط من ألومينيوم، فقلت له، دون تفكير ولا تأنٍّ، أعطني عنوانك فأرسل لك بعد عودتي، مجموعة أمشاط حقيقية. ابتسم بسمة مؤدبة، تحمل ما تحمل من معانٍ، وقال: "لعله من الأنسب أن تترك لي عنوانك، فأرسل لك أمشاطا من صنعنا، لا مستوردة". تلقيت الطعنة بصمت وأسى، وشكرته تأدبا. فهمت أنه، لعلمه من أي بلد أتيت، كان يعرف عنا ما لا نعرفه عنهم، وكان متأكدا من أن ما وعدت بإرساله ليس من صنعنا، بل هو مستورد من بلاد المستعمر. حدث ما يشبه لأحد تجار القرطاسية، بتونس، الذي أعجبته أقلام وهو يشتري في ألمانيا بعض الحاجيات لقرطاسيته، فطلب عنوان الشركة كي يتبادل معها مقتنياته، فما كان من مخاطبه إلا إهداءه ما أعجبه، وأفهمه أن التبادل المباشر لن يتمّ ولو أرادوا، لأن المستعمر لن يسمح بذلك. 

خرج المستعمر من كل بلداننا منذ نصف قرن وأكثر، فكم مصنع أقمنا؟ ما الذي نصنعه مما نحتاجه؟ قائمة طويلة من الأسئلة تحتاج إلى إجابة. كنت بدوري في ألمانيا والحرب قد وضعت أوزارها قبل سنة أو أقل، فلم أرَ فيها إلا الدمار والخراب. ففي مدينة فرنكفورت مثلا، بيتان فقط بقيا بلا ضرر لأسباب غير مفهومة وهما قصر البلدية وبيت الكاتب الشهير غوته. انتقلت إلى المدينة التاريخية بامبرغ، فزادت دهشتي وإعجابي، لأني من يوم دخلت ألمانيا لم أسمع، إلا جملة واحدة، فحفظتها وهي "إش هاب كايْنْ تسايْتْ" أي لا وقت لي، ورأيت في بامبرغ، إعادة بناء وترميم ما تهدم من سور المدينة التاريخية، من طرف مختلف المواطنين الذين يخصصون، بعد إنهاء عملهم اليومي، وقتا لإعادة بناء جزء ولو يسير من السور، تحت إشراف المهندسين طبعا. فمن يزور المدينة اليوم، يستطيع أن يقرأ اسم من ساهم في إعادة التشييد على القسط الذي أعاد بناءه.

ذكرت هذين المثالين، ولي غيرهما عدّة، لأعطي صورة واضحة ملموسة، مما تأتيه معظم الشعوب الحية من مبادرات، وإنجازات، وحتى مخاطرات، يحققون من ورائها غايات خاصة وفوائد جماعية، مورد رزق لهم، وفائدة لغيرهم، والوطن بصفة أشمل. أما نحن، فالمبادرة لدينا شبه منعدمة، ينحصر مجهودنا في مطالبة الدولة وحكومتها بكل ما نحتاجه ونريده ونحن قاعدون. نطالب الحكومة بأن تعطينا، وتطعمنا، وحتى تهدهدنا بصوت خافت عذب، حتى "نغرق" في ألذ سبات ونوم عميق. ثم إنه إن تحرّك بعضنا وقرّر العمل، فميله مؤكد إلى الوظيفة العموميّة، إذ هي في نظر الكثيرين مربحة وغير متعبة. كل هذا نأتيه، ونحن نشكو ونبكي على حالنا، ناسبين كل نقص وخلل لغيرنا، واضعين كل المسؤولية على كاهل الحكومة والحاكمين. ناسين أو متناسين فرائض، أمرنا بها الله سبحانه، وحِكَما تركها لنا عاقلونا من السلف الصالح، وعبرا حملتها الأمثال الشعبية. فالله عز وجل يأمرنا بالعمل الصالح، لنا ولغيرنا: وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون. من عمل صالحا فلنفسه. كل نفس بما عملت رهينة. أما الأمثال فحدث ولا حرج: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لأخراك كأنك تموت غدا. ما حك جلدك مثل ظفرك. لكن "هات من يفهمك" أي.. أجبت إن ناديت حيّا ** لكن لا حياة لمن تنادي.

محمد نجيب عبد الكافي

مدريد في 23-9-2021.    

* الصورة: المانيا نهاية الحرب العالمية الثانية، لتتحول بعدها الي ثالث قوة اقتصادية في العالم.

* تنشر هذه السلسة بصفحة الأستاذ/ المهدي كاجيجي (فيس بوك)

 

أسماء تربح | 21/10/2021 على الساعة 19:29
تصحيح
البيت : لقد أسمعت إذ ناديت حيا . وليس أجبت إذ ناديت .
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع