مقالات

فوزي عمار

اجتهاد داخل النص (2)

أرشيف الكاتب
2021/10/20 على الساعة 05:01

أشرت في الجزء الاول من هذا المقال ان الإسلام لم يحدد شكل نظام الحكم سواء جمهوريا كان أو برلمانيا او رئاسيا.. بل حدد قيم الحكم وهي العدالة والشورى. 

في هذا الجزء سوف أتناول موضوعا شائكا اخر في فقه المعاملات. وهو الفائدة المصرفية في الاقتراض، والتي مازال الغموض والأشكال يلف حولها، لأنها عملية مصرفية يكتنف فيها الإقراض والاقتراض، تحقيق فوائد مالية تعد لدى البعض من قبيل الربا ففقه المعاملات مفتوح على الاجتهاد والتجديد وفق المتغيرات العصرية، ليصبح النص صالحا لكل زمان ومكان. ومن المعلوم أن أغلب من يريدون تحريم الإقراض بفائدة وإطلاق الحكم على عواهنه دون النظر في تعريف الربا، هم سلفيو النص والمتمسكين بظاهره، الرافضون مسألة فهم حكم التحريم و أسبابه، في ضوء الظرف التاريخي، الاجتماعي والاقتصادي الذي جاء فيه الحكم الشرعي لمعالجته وفتح باب الاجتهاد. في ذلك نذكر اجتهاد سيدنا عمر ابن الخطاب، في وقف حد قطع يد السارق عامَ الرمادة. كما أن الاجتهاد لا يختلف عن تحريم جريمة الربا، ولكن يختلف في تعريفها في ظل التغيرات الكبرى والمعقدة، التي حدثت في عالم المال والأعمال المتجدد، وحاجة التمويل لمشروعات النهضة، والسكن، والزواج، والاستقرار، وحل مشكلة البطالة بين الشباب، التي هي ام الكبائر، وسبب مباشر للجريمة والتطرف.

من هنا، ولأهمية الموضوع في أي نهوض اقتصادي حقيقي، لابد من مواكبة العملية التمويلية له، ولابد الآن من دعوة الفقهاء إلى فتح باب الاجتهاد، داخل النص الديني لفك الاشتباك، بين ثبات النص وتغير الواقع وذلك لجعل الخطاب الديني مواكبا لمتغيرات العصر في ما يخص الإقراض. وهنا لا بد من التنويه بأهمية أن يكون صاحب الفتوى، الذي تفقه بالدين والمعرفة بالدين، ذا معرفة موازية بموضوع الفتوى في علاقته بمتغيرات العصر..

ونرى أن موضوع الفتوى هنا هو المعرفة بالتضخم في الاقتصاد، وبالأسهم والسندات وسوق الأوراق المالية، الصناديق الاستثمارية، صناديق التحوط، وغيرها من المواضيع المعقدة والمتداخلة، وبتأثير كل ذلك في النظام الاقتصادي المحلي وحتى العالمي وفي آن واحد.

إن القروض المصرفية للمشروعات الصناعية والسكانية التي تكون نسبة الفائدة فيها أقل من نسبة التضخم لا تحقق زيادة فعلية في القوة الشرائية لمبلغ القرض، وإنما بالعكس من ذلك تماما ً، ولتوضيح ذلك نضرب المثل الآتي:

 إذا اقترض صاحب ورشة للنجارة مبلغا قدره خمسون ألف دينار لمدة ثلاثة أعوام، وبفائدة إجمالية قدرها خمسة آلاف دينار، فسيكون المبلغ المطلوب سداده بعد ثلاثة أعوام هو خمسة وخمسون ألفا. فإذا افترضنا أن معدل نسبة التضخم هو 7% في العام الواحد، فإن الخمسين ألف دينار تفقد من قيمتها ما مقداره 3،500 دينار. وما هذا إلا تطبيق لقاعدة أن المبلغ الأصلي المسترد وفوائده أقل من قيمة القرض في وقت الإقراض لأن النقود لها قيمة شرائية تزداد وتنقص مع الزمن. 

فمثلا حين يعلن مصرف ليبيا المركزي أن التضخم هذه السنة هو 7 % فّذاك يعنى ان المائة دينار سوف تساوي 93 دينارا فقط مع نهاية السنة. وهذه المسالة ذات طابع اقتصادي لم يكن قائما حين نزول حكم تحريم الربا لأن الوضع الاقتصادي كان شبه ساكن. وقد  سكت رسول الله  (صلى الله عليه وسلم) عن النقود حين  قال: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبُر بالبُر والشعير بالشعير".

لا يوجد شك ان الربا حرام وفق النص القرآني ولكن السؤال هل الفوائد (Interest)هي  الربا (Usury) ??? ان لكل  معنى لفظ مختلف ومتباين في اللغة  الانجليزية وفي لغات أخرى ..ولكن عجز اللغة العربية اليوم هو أحد الأسباب في هذا الخلط كعجز اللغة العربية في التفريق بين  Manager & Directorفكلاهما يترجم الي مدير. 

نعتقد أيضا أن ربا الأفراد حرام، لكن الفائدة في مؤسسات الدولة المسلمة تحتاج إلى وجهة نظر جديدة.. لأنها تتعامل مع وقائع ذات طبيعة مختلفة عن زمن التنزيل.. فهي حالة خاصة ليس لها سابق في الفقه الإسلامي إلا على سبيل القياس في التعامل مع الأفراد، وهو قياس مع الفارق. فالأموال في المصرف هي ملك المودعين، الذين يكون المقترض نفسه أحد المالكين لهذا المال  ،فجزء من القرض هو ماله الخاص.

نحن مثلا  نعرف انه لا قطع في سرقة مال عام بحجة أن السارق يمتلك جزء من المال و هو المال العام .

السؤال الأهم في مسألة الربا هو: هل يمكن إسقاط الأحكام التي تخص مستحق الصدقات والفقراء على المؤسسات والشركات الكبرى؟

فالله جل وعلا بتحريمه الربا يريد أن يحمي المقترض البسيط وليس شركات النفط أو الشركات التجارية والصناعية والزراعية الكبرى، أي أن الشريعة أرادت أن تحمي المضطرين فقط .ولكي نصل إلى فهم الربا وتفسير آيات الربا يتطلب العودة إلى مكة القديمة أولا، أي زمن نزول نص التحريم، لفهم أسباب النزول والمقارنة بين مفهوم وآلية الربا في زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أي ربا العباس أو ربا الجاهلية، وبين القروض المصرفية اليوم، وبيان أوجه الاتفاق وأوجه الاختلاف بينهما. إذ استنادا ً إلى ما قاله عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) حول هذا الموضوع: ـ (مات الرسول عليه السلام ولم يشرح لنا آيات الربا).

هنا يكون من الصعب افتراض أن حكم آيات الربا لا يحتاج إلى اجتهاد يناسب مرونة النص القرآني حين يتعلق الأمر بما يكون عرضة للتغير. فآيات الربا تحتاج إلى تفسير وهي نص مفتوح قابل للدراسة وإعادة تأويله وفق تغيرات الزمان والمكان. ومن ثم ـ وحسب وجهة نظري ـ يجب أن ينطلق الدارس لموضوع القروض المصرفية من بيان علة تحريم الربا، فاغلب الأحكام الدنيوية في الشريعة الإسلامية معللة، عملا بقاعدة (الحكم يدور مع علته وجودا أوعدما) إذ متى وجدت العلة وجد معها الحكم الشرعي، سواء بالمنع أو بالإباحة. مثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل مسكر حرام) فعلة التحريم هي السكر. أكل العنب غير حرام لأنه غير مسكر وعندما يتحول العنب الي خمر يصبح حراما وعندما يتحول الخمر الي خل يصبح غير حرام، رغم أن المصدر واحد هو العنب.. ولكن العلة تغيرت فتغير الحكم.

فالسؤال؛ ما العلة من تحريم الربا؟ هل هي الزيادة؟. فالبيع ألذي أحله الله به زيادة، أم  أنه الغبن والضرر الواقع على المقترض بسبب الزيادة، وأكل أموال الناس بالباطل؟ لقد أمر النبي عليه السلام بالاتجار في أموال اليتيم وجاء معللا بأنها إذا تركت دون استغلال أكلتها الزكاة. وهكذا نجد الكثير من الأحكام التي جاء بها التشريع الإسلامي معللة بالعلل ومشروطة بالمصالح والحكم ولابد أن تشتمل العلة على المصلحة أو المفسدة التي تناسب شرع الأحكام أمراً أو نهياً أو إباحة. يقول الإمام محمد عبده أن الله لم يحرم من الربا إلا الأضعاف المضاعفة فقط. ومن جهة أخرى اتفق مع معظم الفقهاء في القول أن أوجه الاتفاق بين ربا الأفراد، وربا المؤسسات هو إن أي زيادة مشروطة مقدرة على رأس المال مقابل الأجل وحده هي ربا. وهنا لا يعود بإمكان المؤسسات المالية المقرضة كالمصارف، حل هذه  الإشكالية دون اجتهاد، خاصة  في وجود نص قطعي.. قوله تعالى في سورة البقرة: (وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلِمونَ ولا تظلَمونَ.

هذا يقودنا لطرح سؤال مهم؛ هل الحديث هنا في الآية الكريمة عن رأس المال العامل ام راس المال المكتنز الذي يستحق الزكاة؟ إن موضوعا مثل الربا لا يمكن فك الاشتباك فيه بين النص المقدس وبين القانون الوضعي، دون اجتهاد الفقهاء المتضلعين بالدين والتعقيد الاقتصادي معا لعالمنا الحديث.

 ولذلك نقول إنه حتى نتمكن من إعادة دراسة تحريم الربا لا بد من تعاون ذوي الاختصاص من الاقتصاديين والفقهاء معا، وعلى مستوى العصر ووفق المنهجية العلمية، وإيجاد قراءة جديدة يمكن توظيفها في المشروع الاقتصادي والتنموي، وبما يجعل من الاقتصاد الإسلامي حركيا ًو فاعلا ً بعد أن صار جزءا ً فاعلا ً ومهما ً من اقتصاد العالم. 

لا شك ان التعميم والتسطيح هو خطيئة فكرية مميتة. ومن شروط الفتوى المعرفة بالدين والمعرفة بموضوع الفتوى معا، فما أخشاه هو أن يكون مفهوم الاقتصاد الإسلامي الذي طرحه المفكر ابو الأعلى المودودي، هو ضرب من ضروب الحاكمية، ومجاراة  لطرح الإسلام السياسي، وليس فكرا إسلاميا  أصيلا، بعيدا عن تلبيس السياسة على الدين.  

في الختام ما أود قوله هو أن القروض المصرفية مهمة لبناء الاقتصاد المعرفي الحديث، فبدون التمويل المصرفي لن تقوم للاقتصاد قائمة، ونكون قد خرجنا من العملية الاقتصادية  قبل بدايتها، إذ سيستمر الفقير في فقره إلى الأبد وذلك أن خروج المصارف من العملية الاقتصادية هي فكرة مميتة  للاقتصاد والتنمية معا.و من ناحية أخرى فإن المصارف مطالبة بالتحديث في الهندسة المالية، والمشاركة في المشاريع الاقتصادية، من خلال عمليات التمويل بطرق مقبولة لجميع الأطراف، كالمشاركة والمرابحة والمضاربة والبيع بالآجل والاستصناع والاستثمار المباشر والتمويل الإيجاري وهي صيغ التمويل الإسلامي، بشرط ألا تكون مجرد لعبة لغوية وذلك  بفائدة مقبولة مقارنة مع الصيغ التقليدية، وليس أضعاف الفائدة مثل ما يجري الآن. 

كما أن المؤسسات الدينية، مثل الأوقاف، مطالبة بالدخول في عمليات تمويل للفئة الضعيفة من المجتمع، كالنساء والفقراء وبدون فوائد. وهي ما يسمي ب (رأس المال الملائكي) وتساعد في النهوض بالمجتمع اقتصاديا. ولن يكون ذلك ممكنا دون مصارف حديثة، تتبنى نظاما ً اقتصادية حديثة، يتفق عليها  كل المعنيين من الاقتصاديين وعلماء الدين التنويريين، وتمثل رأس الحربة المالي للاقتصاد  الوطني المنشود .

فوزي عمار

راجع: اجتهاد داخل النص(1)

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع