مقالات

سالم الكبتي

جاء في نوفمبر.. وذهب في إكتوبر

أرشيف الكاتب
2021/10/20 على الساعة 05:03

(جمع الناس أمرهم وأفاقوا.. وتنادوا.. لرد حق سليب يحرق الغاصبين منه اللهيب)
محمد أحمد محجوب

في أكتوبر يحدث أحيانا الكثير في صفحات التاريخ. في إكتوبر رغم هجرة الطيور وبشائر الصقيع تشتعل الدنيا بالنار وتنفجر الأرض براكين حمراء. أحداث وأيام تتحرك تفاصيلها أمام العيون. الطليان يصلون الشواطئ الليبية عام 1911. محاولة جديدة لأعادة مجد الرومان القديم والضائع في الزمن الذي مضى. والبلاشفة في روسيا يقتحمون موسكو ويقلبونها رأسا على عقب فوق القياصرة عام 1917. ثم يصير الكرملين والميدان أحمران. ثم في الرابع والعشرين من الشهر في عام 1956 يدخل الروس أمام أنظار العالم إلى بودابست. الدبابات تقتل وتدمر ولاشئ يحدث تبعا لذلك. وفي السابع عشر من الشهر نفسه 1961 العنصرية الفرنسية تلاحق الجزائريين في باريس وتقتل العشرات وتقذف الأحياء منهم في نهر السين. قمع يصمت عنه التاريخ ويحدث بحجة الأنتقام لأفعال ثوار الجزائر ضد القهر الفرنسي هناك.

وفي يوم الأربعاء الحادي والعشرين من إكتوبر 1964 يحدث شئ أخر بصورة عفوية لكنه يتطور ويشتد. يبدأ يوم الأربعاء المذكور وينتهي بعده بأسبوع.. يوم الجمعة الثلاثين من الشهر. فاصل من الزمن بين الأحداث ينقطع ليعود ويتواصل بعد الفاصل التاريخي الطويل. مسيرة البشر مع الأحزان بكثير من الصبر والتفاؤل.

الخرطوم ذلك النهار تغلي وتفور على ضفتي النهر. الشوارع تهدر بلا إنقطاع. كان هناك كتم وكبت وخنق على مدى ست سنوات مضت بدايتها في السابع عشر من نوفمبر 1958. إنها لعبة الأرقام والتواريخ التي تصيبك بالدوار وتسقطك على رأسك من الدور الأول!

كان المجلس العسكري قد إستلم مقود الأمور بعد عامين من الدستور والديمقراطية.. بعد عامين من الأستقلال وخروج الأنجليز.. ومصر كذلك. أشار المجلس في بيانه الأول بأنه أمام الفساد وفوضى الأحزاب وكل الأزمات التي تعصف بالبلاد وشعورا منه بالمسؤولية لم يجد طريقة لأنقاذ الوطن سوى بهذا الأنقاذ الذي جرى. لم يشر البيان إلى المستقبل. لم يعد بحكومة أو برلمان أو مؤسسات أو أي شي أخر. ترك الأمور تجري في أعنتها في وجه الريح. وجلس إبراهيم عبود في القصر الجمهوري على ضفاف النيل وزملائه. كان يشار إليه بأبراهيم باشا عبود. عسكري قديم في قوة دفاع السودان. حارب عندنا في ليبيا أيام الحرب العالمية الثانية ووصل مع القوات البريطانية إلى الكفرة. لم تكن للرجل ورفاقه أية خبرة في مجال السياسة. وظل من حثه على ذلك وهو عبدالله خليل رئيس الوزراء السابق والعسكري القديم وراء الكواليس فترة من الوقت. المجلس ضم عددا من العسكريين إنقسم ولاؤهم بين الطائفتين الختمية والأنصار وشرعوا في قيادة البلد. وماحدث في وصولهم ذلك اليوم من نوفمبر تم أيضا بصورة عفوية لم يقابلها الناس بأية معارضة أو تمرد. بل تأملوا خيرا في رؤية الجنود والدبابات في شوارع الخرطوم المحاذية للنيلين الأزرق والأبيض.

ثم إصطدم المجلس بالأحزاب القديمة والشيوعيين والسياسيين وقادهم إلى معتقلات ومحاكم على الدوام. ووجد بعضهم نفسه مع الكثير من الرفاق والزملاء في جوبا أقصى الجنوب في السجون هناك. الصحافة لم تعد كما كانت. مواجهات ومحاولات للتمرد حصلت في بعض صفوف الجيش عام 1959 ولم تفلح. ومن جهته شرع المجلس في بعض الأصلاحات داخل البلاد وقوى من العلاقات مع جارته مصر التي يقودها عبدالناصر. لكن السودان في مجمله ظل (حامية عسكرية) كما وصفه بعض المؤرخين عن تلك الفترة. وإشتعلت كثيرا ونهضت مشاكل الجنوب. صراعات وحرب أهلية بينها وبين الشمال. وإستنزاف لجهود الجيش وتدخلات خارجية من بعيد. وهنا لخص المشكلة حسن الترابي العائد لتوه من الدراسة العليا في فرنسا بأن(حل مشكلة الجنوب إنما يكمن في حل مشكلة الشمال).

وتعددت في وجه المجلس المشاكل بلا توقف. مشكلة تجر مشكلة. أزمة تنهض منها أزمة. ومحاولات لتنظيف السمعة في الخارج دون جدوى. وهنا دخل الطلاب على الخط. لم يرتضوا الوقوف على الرصيف والتفرج من بعيد. أعدوا المذكرات والمطالبات للسلطة بعودة الحياة المدنية والديمقراطية وإتاحة الفرصة أمام المزيد من الحريات أمام المواطنين دون تمييز في الحقوق والواجبات. ونهض المزيد من الأعتقال والمحاكمات والسجون. الطلاب يدقون أبواب العالم في الجامعات والمقاهي ويقودون الثورات. وكان ختامها أو من ضمنها الحركة العنيفة للسربون في باريس خلال مايو 1968. إمتدت وإنتشرت وصار لها أنصارها في كل مكان من الفلاسفة والمنظرين والمثقفين. وبعدها بفترة قصيرة عصفت بديجول وكانت من تداعياتها أن رحل الرجل العسكري سابقا إلى بيته في الريف المجاور لباريس حتى وفاته شتاء 1970.

في نوفمبر 1960 بعد وصول المجلس بعامين إلى كراسي السلطة وصل عبدالناصر في زيارة إلى الخرطوم مهنئا. إستغل طلاب الجامعة الفرصة. كان عبدالناصر قد حضر لمنزل الفريق عبود المجاور للقسم الداخلي للطلاب.

إعتلوا الأسطح المواجهة للمنزل وهتفوا بحياة عبدالناصر وسقوط عبود إضافة إلى النداءات الداعية للحريات والديمقراطية النيابية. وصول المجلس إلى السلطة كان يختلف في رأي المعاصرين والمؤرخين عن ثورتي يوليو عامي 1952 و1958 في مصر والعراق. ماحدث فيهما أطاحا بنظامين كانا سائدين منذ فترة طويلة من الأعوام أما في السودان فما وقع لم يكن ثورة بل كان إنقلابا أطاح بالحكومة وحل البرلمان. وإنجز في كل الأحوال (بصورة عفوية في وضح النهار) وكان الجميع يتوقع ذلك بعد إستفحال الأزمات المتعددة بين الحكومة السابقة وتيارات الأحزاب وكل الصراعات الأخرى.

في مثل هذه الأيام كان السودان (الحامية العسكرية) تفور. إكتوبر 1964. وصل الأمر مع توالي المشاكل الخانقة وعجز المجلس عن إيجاد أي حلول إلى الجامعة. ألغى المجلس قانون جامعة الخرطوم للحد من إستقلالها وحريتها وجعل أحد أعضائه العسكريين وكان وزيرا للتربية مسؤولا عنها. الجامعات صانعة المستقبل لاترضى بذلك. تمهد الطريق إلى هذا المستقبل وكان أول قطرات المطر هو ذلك القرار الذي قاد إلى المزيد من وقوع الأضطرابات في الحرم الجامعي إضافة إلى المزيد من تفاقم الأزمة في الجنوب. ومن التذمر بين مزارعي القطن في الأرياف وعمال سكك الحديد في عطبره والمواني في بورتسودان وسواكن. كل شي صار يغلي في المرجل. كل شي ظل يفور مثل نار التنور وينذر بالأسوأ في السودان سلة غذاء العرب كما يطلق عليه ولو وجد من يهتم بذلك.

إنفجر كل شي. لم يعد هناك داع للصمت. وبصورة عفوية ودون إرتباطات خارجية أو خطط سرية إندفع الناس نحو ثورة إكتوبر. الجلابيب البيض والعمائم. والنساء. وكل الأطياف تتهادى بين الضفاف وتهتف بالثورة. والرصاص يعلو ويسقط الكثير من الضحايا . ولاتوقف للمضى نحو الهدف القريب.

وكما حدث بصورة عفوية يوم الأربعاء الحادي والعشرين من إكتوبر إنتهى الأمر يوم الجمعة الثلاثين من إكتوبر 1964. ذهب المجلس العسكري مثلما جاء. سر الختم خليفة أحد المعلمين يكلف برئاسة الوزراء. خطوات يقطعها السودان. بعد الضحايا والمجاريح والمظاهرات والحزن. يتحقق أمل. يعود الرجال من أقبية المعتقلات. تمضي الحياة. فاصل من الزمن.. يتواصل. ويخبو الحلم وينطفئ كالعادة. تسرق حبات العرق ودموع المساكين ليفتح اليوم الخامس والعشرين من مايو 1969 بابا أخر يظل مغلقا إلى حين!

.. لكن الدروس هي نفسها تبقى أيضا في تفاصيل التاريخ القديم والجديد. القريب والبعيد. في إكتوبر وغيره من الشهور رغم هجرات الطيور وبشائر الصقيع وقرب مواسم الأمطار الغزيرة في المنطقة بأسرها.

سالم الكبتي

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع