مقالات

وفاء البوعيسي

سلسلة ”استجواب“ (2/1)

أرشيف الكاتب
2021/10/19 على الساعة 21:11

منذ الثلاثين من سبتمبر الماضي 2021، تقدم الكاتبة مطارحات في قضايا دينية، وغير دينية في بثٍ مباشر عبر قناتها على يوتيوب، لمدة تترواح بين 45 دقيقة إلى ساعة كاملة، وقد ناقشت حتى اللحظة قضايا مثل؛ الفطرة/ العلمانية/ من الوحي إلى المصحف، إضافة إلى عنوانٍ آخر قادم تستعد له، وهو؛ حرية آدم، وهي تقبل اقتراحات الأصدقاء والمتابعين لعناوين ومواضيع جديدة؛ تخص الدين والثقافة والمجتمع، على صفحتها بفيس بوك، صفحة الكاتبة وفاء البوعيسي أو على إيميلها الشخصي.

سبب اختيار العنوان

يهمني هنا أن أنوه إلى أن كلمة استجواب، لا تستتبع بالضرورة وجود اتهام أو تشكيك مسبقين، فالاستجواب لا يُجري مع الجناة وفي القضايا الجنائية وحدها، بل يُجري في قضايا مدنية، وإدارية ودستورية وعلمية ومهنية، ومع أشخاص أبعد ما يكونون عن الشبهات، مثل استجواب الخبراء والمختصون كلًا في مجاله، بمناسبة الإدلاء بآرائهم أمام لجان قانونية، برلمانية، أو صحافية، أو مراكز علمية أكاديمية، أو اجتماعية، أو اقتصادية، أو تربوية.

والاستجواب مع المذكورين، يستهدف تقديم شروحات وافية ومعلومات دقيقة، وإزالة الغموض واللبس على ما أشكل على الجهة التي دعت هذا الخبير أو ذاك، ثم إصدار الرأي بشأنها.

سبب نشر المطارحات مكتوبة

غالبًا، ما توجهت الكاتبة بمقالاتها لليبيين، وبقضايا تخص ليبيا وشعبها، لكن جاءت سلسلة استجواب، لجميع الناطقين بالعربية، لكن بسبب مصاعب الإنترنت في ليبيا، وارتفاع ثمنه لدى فئة غير قليلة، فقد اقترح البعض نشرها مكتوبًة، حتى يستفيد البقية، وها أنا أستجيب بكل محبة واحترام لمن يتابعني، وأنشر المطارحة مكتوبة، مع وضع فيديو للحلقة بكل مقالة.

أولًا؛ استجواب الفطرة  (وهي من حلقتين)

الحلقة 1 مفهوم الفطرة

  • مقدمة
  • أدلة وجود الفطرة من القرآن والسنة
  • تعريف الفطرة لغة واصطلاحا
  • تعريف الكاتبة للفطرة

مقدمة:

1- هذه المحاضرة هي خلاصة نقاش طويل ومر على مواقع إلكترونية أهمها ليبيا المستقبل، مع عدد كبير من القراء أغلبهم ليبيون، خاضوا في ارائي في الفطرة خوضًا حمل الكثير من العاطفة حينا والعقلانية حينا آخر. وكان أن تفرعت مقالة صغيرة عن تفكيك مفهوم الفطرة في الإسلام، إلى بحث مطول، استفدت منه كثيرا، واستفادتي تمثلت في تعزيز قناعتي بأن الفطرة في القرآن وحتى السنة، هي مفهوم ملتبس مشوش وتعصف به التناقضات العقلية والأخلاقية.

2- وهنا يهمني أن أقول، إنني أفكر في الإسلام بطريقة أكثر دنيوية، لهذا فأنا أقول لكم لكم أشياء غير مقدسة، ولهذا يحق لكم دائماً انتقادها، ولهذا لم أحسب نفسي يوماً على السدنة والفقهاء الذين جعلوا كلامهم لكم مقدساً بصفتهم ورثة محمد ابن عبد الله.

أولا: أدلة وجود الفطرة من القرآن والسنة

1-  مقولة الفطرة لابد من أن تلازم تعريف الإسلام، وقد وردت الإشارة إليها بالقرآن والسنة على أنه لا محيص عنها ولا تبديل لها، فقد جاء بسورة الروم (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) أي أن الله قد فطر عباده على معرفته وتوحيده والعلم به مبدأ خلِقهم، مذ أنزل الوحي على أول نبي من أنبياءه تواتراً حتى تلقّاه محمد بن عبد الله، وأنه لا تبديل لهذه الخِلقة في معرفتها به حين خلقها أول مرة مهما حدث.

كما جاء بسورة الأعراف قول الله أيضاً (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ). وهنا نلمس وجود الفطرة في الخلق البشري الذي انبجس من آدم عن طريق الماء المهين.

وجاء كذلك بسورة الشمس، (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)  أي أتم خلق النفس خلقا متكاملا حسنا على مقتضى الفطرة، وبين لها ما ينبغي لها أن تأتي أو تذر من خير، أو شرّ أو طاعة، أو معصية. وقيل بمعنى آخر أنه أو جعل فيها الخير وجعل فيها الشر

2وفي الحديث ما أورده حديث أبي هريرة عن النبي قائلاً: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسانِهِ..."، وقد قُدِمت فطرة الإنسان بالآيات والحديث، كما لو أنها مادة ناصعة خالصة الصفاء بالغة النقاوة إلى أن يخالط سطحها كَدَرٌ ما خارجٌ عنها وعن مادتها الأصلية، المهم أنها تتخلّق صافيةً شفافةً تعكس المعرفة الداخلية بالله لا محالة، وهذا بالذات لأن الله تعالى في عالم الأمر (كن فيكون) كان قد أخذ ميثاقاً غليظاً على ذرية آدم حين ابتدأ خلقهم، بأن أشهدهم على أنفسهم بأنهم يعرفونه وأنهم يقرون بربوبيته، فآدم وحواء قد شهِدا خلقهما وعرفا ربهما يقينًا، لكن ذريتهما التي وّلِدت على الأرض لم تشهد على ذلك ولم تعرفه، وكان حقاً على الله العادل ألا يتركهم نهباً للجهل به، حتى يُقيم عليهم الحجة يوم القيامة، لكن ما حدث بعالم الفعل (الواقع المعيش عياناً) كان خلاف كما سنرى:.

ثانيا؛ تعريف الفطرة لغًة واصطلاحًا

1- الفطرة بكسر الفاء، دائما ما تلازم الإسلام ككلمة وكتعريف، لا تنفك عنه ولا ينفك عنها. وهنا يقابلك تعويف لغوي وآخر موضوعي للإسلام، قد اعتاد المسلمون (فقهاء وغير فقهاء) على تقديمه، فمن حيث التعريف اللغوي للإسلام وكما يوحي بذلك اسمه فإنه: "مُطلق الاستسلام لله والانقياد له بالطاعة والخضوع، والقبول تبعاً لهذا بما أمر به من تكاليف وترك ما نهى عنه من معاصٍ"، وينطوي التعريف عادةً على إيراد أركان الإسلام الخمسة التي يجب على المسلم الالتزام بها، وبيان المعاصي التي يحرم عليه مقاربتها.

2- أما التعريف الإصطلاحي للإسلام فإنه يعرّفه من حيث عالمية رسالته بكونه: "الدين الخاتم لكل الأديان السماوية السابقة عليه، والشريعة التي ختم بها الله وحيه الإلهي للأرض، حين اشتمل على بيان كافة المسائل لتنظيم حياة الناس في الدنيا والآخرة، بأن سنّ لهم ما يوافق فطرتهم ويدرأ المشقة والفساد عنهم، فحَقَّ أن ينطبق على جميع البشر بكل مكان وزمان".

3- وثمة من قال انها الإستعداد العقلي للقبول بالدين، أي إستعدادٌ المرء عقليا لتقبل الإسلام حين يعرفه.

• الرد، لو كان هذا صحيحا، فلماذا لا يزال المسلمون أقلية في العالم بعد 1500 سنة. وبعد الربيع العربي قدمت قناوات كثيرة  خروج غير مسبوق من الإسلام، وتكلم عنه الأزهر مرة.

4- وقال البعض الآخر إن الفطرة تظل متحققةً حتى حين يصنع المرء لنفسه إلهاً آخر من دونه، وهو إنما يفعل ذلك ليتقرب به إلى الله زلفى

• الرد، إنه وإن كان الله هو من أخبرنا عن حال من يعبد أصناماً من دونه كي يُتقرب بها إليه، إلا أنه رفض هذه الحجة بالذات رفضاً قاطعاً في الأعراف آية 173 (..أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ..) وهو لم يرضَ بغير الإخلاص له في الدين كما قال في الزُمر آية 3 (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ)،

5- وجادل فريق آخر خامس أن الفطرة هي مطلق البحث عن إله، أي أن المرء مزودٌ برغبةٍ طبيعيةٍ في البحث والسؤال عن خالق هذا الكون، فالإنسان يبحث عن إله  ليعبده أو يصنعه إن لم يعرفه.

• الرد، هذا الطرح ينطبق على حضارات شعوب ما قبل التاريخ في الشرق الأدنى بالعراق وبابل وسومر وحضارة مصر الفرعونية واليونان القديمة والهند والصين... الخ، رصدت عدداً هائلاً وبالكاد يُحصى لآلهة عبدها كل شعبٍ على حدة، يعني أن الشعوب القديمة قد عبدت عشرات الألهة دفعةً واحدة وبوقت واحد، حتى صار للريح إلهاً وللإخصاب إلهاً وللمطر آخر وللبحر وللشمس وللأمراض وللموت والحرب والسلام والحب والكتابة والشعر والمرأة، وهي للآن محفوظة بحالة جيدة مع تعاريف لها بكل مكان تدلل على فترات عبادتها والشعوب التي عبدتها، حتى يبدو أن ظهور عبادة الإله الواحد كانت متأخرة جداً ربما ـ وهذا تعسف على الفطرة بزعم أن الوثنية والشرك يشيران للفطرة، أصحاب هذا الرأي يتجاهلون أن الله قرن الفطرة بعبادته هو إله الإسلام فقط، حتى اليهود والمسيح لم يقبل منهم دينهم مطلقًا، عده محرفا وظالما.

ثالثًا؛ تعريف الكاتبة للفطرة

الفطرة كما جاءت في القرآن وبلا فذلكات وتقولات على القرآن كالتفذّلك الذي جرّبه كل من أراد أن يبرر لماذا فطر الله الناس على معرفته لكنهم حين عرفوه كفر الكثير به هي كالتالي: إنها أساسٌ في جِبلة الإنسان مغروسة فيه قبل أي استعمال منه للحرية في الدنيا، وقبل تحقق أي ممارسة عقلية له حيال صروف الحياة، وهي أساس أوليّ يثبت للإنسان بمجرد ولادته إنساناً وبمناسبة كونه كذلك لذا فهي لا تتبدل البتة، والله هو الذي قال ذلك لا أنا في سورة الروم آية 30 (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) ولهذا لم نسمع أن للحيوانات والجمادات والجن فطرة (وهذا غريب جداً لأن الجن مكلّفة لقوله: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، وحين تحدّث بالآية 72 الأحزاب عن التكاليف المُعَبْر عنها بالأمانة التي عَرَضَها على السماوات والأرض، لم يذكر لنا إلا أن الإنسان فقط (برغم أن الجن ملزمة بتلك التكاليف أيضاً وهذا أمر غريب آخر في الفطرة)، هو الذي نهض بعبء حملها، فمع وجود فطرة كهذه كان يجب ألا يكفر إنسان واحد بالله مهما حدث، وإلا فلا داعي لتسميتها فطرة!

يتبع في المطارحة التالية: إشكالات الفطرة، ومصادرة المشيئة الإلهية لها!

وفاء البوعيسي

المراجع: قناة الكاتبة على يوتيوب؛  الفيديو موضوع المقالة؛ صفحة الكاتبة على فيس بوك

غومة | 21/10/2021 على الساعة 19:02
العقيدة والعقل وحوار الطرشان…!
حاول على مر العصور كثيرون خلق حوار بين فقهاء الاديان وفقهاء وبقية المعارف بدون جدوى. لان الحوار المفيد يتطلب الاتفاق على استعمال فرضيات واسس يتبعها الجميع. المشكلة تكمن فان الاديان مبنية على الاعتقاد، اي اعطاء الثقة الكاملة والايمان التام بمعطيات ليس من الظروري اثبات صحتها مسبقا، بينما العقل )reason( مبني على المنطق الدنيوي واخضاع الفرضيات لتجربة الواقع الارضى. من هنا تكمن المعارضة الاساسية بين العلوم التي تعتني بالظواهر الطبعية وبين الاديان التي في اساسها تعتني بالظواهر الفوق-طبعية والتي ليس بوسع العقل ادراكها لا عن طريق الحواس ولا عن الاستنتاج البديهي. ولذلك حيبقيا هذان المحوريان يسيران في خطيين ليس متوازيان بل في تباعد وتشعب اكثر فاكثر كلما ازاد العقل البشري ادراكه لماءزق الحياة ومكونات الكون. ان النصح وعلم النفس، مجالا الاديان، لن يجديا بدون استعاب علوم الاحياء والنيرولوجي وكل ما تاتي به علوم المستقبل. فبدلا من تضييع الوقت في محاولة تدوير المربع مع أولاءك الذين ينتظرون من المعجزات ان تحل مشاكلهم بدلا من استخدام عقولهم ربما دفع الحوار في اتجاه العقل والمنطق اكثر فايدة واقصر طريق.
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع