مقالات

إبراهيم محمد الهنقاري

في ذكرى المولد النبوي الشريف..

أرشيف الكاتب
2021/10/14 على الساعة 21:21

بمناسبة حلول ذكرى المولد النبوي الشريف نعيد اليوم نشر هذه الخاطرة التي كتبناها في مثل هذه المناسبة العظيمة قبل أكثر من ست سنوات. وقد ازداد الحال في وطننا وفي العالم كله سوءا اكثر بكثير مما كان منذ عام ٢٠١٥.

ولا حول ولا قوة الا بالله. ويا رسول الله أدركنا.!! "سرت بشائر بالهادي ومولده"، "في الشرق والغرب مسرى النور في الظلم"، "اتيت والناس فوضى لا تمر بهم"، "الا على صنم قد هام في صنم"، "والارض مملوءة جورا مسخرة"، "لكل طاغية في الخلق محتكم."!!

هذه كلمات أمير الشعراء احمد شوقي رحمه الله في قصيدته العصماء "نهج البردة" التي كانت واحدة من روائع أغاني كوكب الشرق وسيدة الغناء العربي السيدة ام كلثوم رحمها الله. لم اجد اجمل من تلك الكلمات لأبدأ بها هذه الخاطرة عن ذكرى مولد خير خلق الله رسول الاسلام نبينا وحبيبنا وشفيعنا محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه وعلى اله الطيبين الطاهرين.

لم اجد اروع ولا ابدع من كلمات أمير الشعراء تلك تصف الحالة التي كانت عليها الدنيا يوم مولد نبي الرحمة والتي لا تختلف كثيرا عن حال ذات الدنيا اليوم ولا سيما في بلادنا وبعد اربعة عشر قرنا او يزيد من ذلك اليوم العظيم يوم بدا نزول الوحي الالهي على الرسول الكريم محمد بن عبدالله بدين الاسلام في غار حراء بكلمة فارقة جمعت واوعت وحملت وفصلت كل ما نزل بعدها من كلمات الله وهي: "اقرا". "اقرا باسم ربك الذي خلق. خلق الانسان من علق. اقرا وربك الاكرم. الذي علم بالقلم. علم الانسان مالم يعلم."

انها إشارة واضحة لا لَبْس فيها الى ان هذا الدين الجديد هو دين العلم. دين القراءة. دين العقل. دين المعرفة. ولكن قلة قليلة من المسلمين هم الذين يدركون هذه المعاني الدقيقة وراء كتاب الله الذي لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.

"اتيت والناس فوضى لا تمر بهم"، "الا على صنم قد هام في صنم."! اليس الناس اليوم فوضى كما كانوا في ذلك اليوم المشهود!؟. الا تنتصب الأصنام اليوم في ارجاء الدنيا كما كانت تنتصب في صحن الكعبة وفي باقي القبائل العربية ومدن العالم الاخرى يومئذ!؟.

اصنام اليوم يعبدها الناس من دون الله لا ليقربوهم الى الله زلفى كما كان يقول الجاهليون من قريش يوم بدء الوحي ولكنهم يعبدونهم لكي يحصلواعلى الجاه والمال والسلطان ومايعينهم على استعباد عبادالله واستغلالهم. !! اصنام الامس كانت من الحجارة والخشب اما اصنام اليوم فهي من البشر. فاصنام اليوم أسوأ كثيرا من اصنام الامس.!!

" والارض مملوءة جورا مسخرة"، "لكل طاغية في الخلق محتكم".

ما أقل جور الأمس الذي ملأ الأرض في تلك الأيام البعيدة من جور اليوم الذي اصبح عنوانا للسياسات الخارجية والداخلية للدول الكبرى خصوصا والكثير من الدول الاخرى في العالم. واكبر هذا الجور هو ما لحق بالشعب الفلسطيني على يد تلك القوى الكبرى في العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا وباقي تلك القوى.

اما الطواغيت التي كانت تتحكم في رقاب الناس يوم مولد الرسول الكريم المصطفى صلوات الله وسلامه عليه قبل اكثر من الف وأربعمائة سنة فانهم يبدون اليوم ملائكة امام طواغيت هذا العصر الذي نعيش فيه. فاين طواغيت الزمن القديم من طواغيت اليوم.؟

واين كسرى وهرقل من هتلر وموسوليني وجورج بوش!؟ وأين ضحايا طواغيت الزمان القديم من ضحايا طواغيت هذا العصر.!؟ اين ضحايا الحربين العالميتين وضحاياالحروب الاخرى التي تلتهما في كوريا وفيتنام وفلسطين والعرق وضحايا بول بوت وداعش واخواتها، اين اؤلئك من ضحايا جميع صغار الطواغيت الذين حكموا العالم يوم وقبل مولد الرسول الأعظم!؟.

ثم اين جاهلية قريش قبل البعثة النبوية من جاهلية العرب وجاهلية العجم التي نراها ونعيشها اليوم.!؟ لم تكن هناك ايام الجاهلية الاولى قيود على السفر او الإقامة بين مناطق العرب العاربة والعرب المستعربة. لم تكن هناك لا جوازات سفر ولا تأشيرات. لم تكن هناك مباحث ولا امن دولة ولا حدود ولا بوابات. لم تكن هناك قيود على الكلمة. ولم تكن هناك وزارات اعلام ولم تكن هناك تصاريح لاصدار الصحف. بل كان هناك سوق كبير اسمه "سوق عكاظ " للتعبير الحر عن الاّراء. وكان انتاج الشعراء الكبار يعلق على أستار الكعبة. وكان الناس يتداولون خطابات الحكماء وأقوال الفصحاء من كبار الجاهليين وصغارهم دون قيد او شرط. اليس من الغريب ان يكون حال المسلمين اليوم أسوأ كثيرا من حال العرب والعجم معا قبل البعثة النبوية!؟.

ها هو مولد رسول الاسلام يطل علينا ونحن منقسمون كمسلمين الى مذاهب وشيع واحزاب وجماعات تحمل اسماء واعلاما لم يعرفها رسول الاسلام ولا السابقون الاولون من المهاجرين والانصار.

ها هو مولد رسول الاسلام يطل علينا وقد تم تشويه الدين الاسلامي العظيم وتحويله الى "طالبان" و"داعش" و"أخوان" و"حزب الله" و"انصار الشريعة" والى "سنة" و"شيعة".!! أسماء لم يعرفها لا رسول الاسلام صلوات الله وسلامه عليه ولا السابقون الاولون من المهاجرين والأنصار.!!

ها هو مولد رسول الاسلام يطل علينا ونحن نقدم الاسلام للعالم على انه دين الذبح وقطع الرؤوس والاغتيال والسيارات المفخخة والقتل العشوائي والتصفية الجسدية للرجال والنساء من المسلمين وغير المسلمين وذلك في البيوت والمكاتب والمساجد وفي الطريق العام.

ها هو مولد رسول الاسلام يطل علينا ونحن نخرب بيوتنا بايدينا وندمر طائراتنا ومطاراتنا ومنشآتنا الحيوية ونحرق خزانات نفطنا ونلقي بايدينا الى التهلكة وندمر بيوتنا ومساجدنا وجامعاتنا ونقتل اطفالنا ونروع نساءنا بدعوى إقامة شرع الله وسنة رسوله.!! اي تشويه هذا لشرع الله ولسنة رسوله.!؟ "ان الله بريئ من المشركين ورسوله."

ها هو مولد نبي الاسلام يطل علينا ونحن ابعد ما نكون عن الله وعن رسوله وعن دينه.

حينما تحدث القران الكريم عن مهمة رسول الاسلام قال: "وما ارسلناك الا رحمة للعالمين" )الآية ١٠٧ من سورة الانبياء). هذه الرحمة ليست مقصورة على المسلمين وحدهم ولكنها تشمل العالم بأسره. فاين الرحمة فيما تقترفه "داعش" واخواتها باسم الاسلام من الجرائم اليومية في حق الاسلام والمسلمين وغيرهم من عباد الله !؟.

وحينما امر الله رسوله بالدعوة الى الاسلام قال له: "ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ان ربك هو اعلم بمن ضل عن سبيله وهو إعلم بالمهتدين".(اية ١٢٥ سورة النحل). وقد تكررت مثل هذه الدعوة ٢٣ مرة في القران الكريم. فاين الذين يدعون الى تطبيق شرع الله بالذبح وبالرصاص من هذا الامرالالهي للنبي الكريم.!؟

وعندما يئس الرسول الكريم من اتباع قومه لدعوته وضاق بذلك صدره خاطبه ربه قائلا: "ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء" (الآية ٢٧٢ سورة البقرة). فما بال البعض منا يخالف عن امر الله ويزعم انه يريد ان يهدي عباد الله بقتلهم!؟.

اذا كان لنا أن نقول شيئا بهذه المناسبة الشريفة فهو ان ندعو مخلصين الى العودة الى صحيح الاسلام كماجاء به نبي الاسلام نقياصافيا لا يخرج عن كتاب الله ولا عن سنة رسوله.

فكتاب الله هو القران الكريم الذي يجب ان نتدبره كما امرنا الله وان نفهمه بعقل العالم القارئ الفاهم المدقق وليس كما فسره لنا بعض الذين اعتمدوا على النقل غير الموثق واعتمدوا هذا النقل وليس العقل أساسا لفقه غريب يخالف كثير منه العقل والمنطق وصحيح الدين الاسلامي كما عرفه النبي وصحابته الكرام.

اما السنة الصحيحة التي ينبغي للمسلمين ان يتبعوها وتكون لهم في رسول الله أسوة حسنة فليست كما يقول استاذنا الدكتور مصطفى محمود في المظهر الخارجي لما كان عليه الرسول الكريم او في اُسلوب الحياة التي كانت متاحة له ولغيره في ذلك الوقت في مكة والمدينة ولكن السنة التي ينبغي علينا اتباعها هي اخلاقه العظيمة كما وصفها الله سبحانه وتعالى والقيم النبيلة التي علمها لاصحابه ولاعدائه على السواء. قيم الحق والخير والجمال والتسامح والصدق والأمانة والعفو عند المقدرة.!!

اما ترك تلك الصفات كلها والتمسك بنوع الثياب التي كان يرتديها هو وسائر الناس في ذلك الوقت او التمسك بطريقة تناولهم للطعام او غيرها من الأمور او الوسائل التي كانوا يباشرونها ويستخدمونها في حياتهم اليومية فليست من السنه لانه لم يكن متاحا لهم سواها ولانها امور فرضتها ظروف الزمان والمكان.

في ذكرى مولد النبي ينبغي علينا جميعا ان نتذكر كلماته في خطبة الوداع يوم الحج الأكبر من فوق جبل الرحمة وهو يحذر أمته من كل ما تعرضت له بعد انتقاله الى الرفيق الأعلى صلوات الله وسلامه عليه والى يومنا هذا.

" لا ترجعن بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض". "ايها الناس ان دماءكم واموالكم واعراضكم حرام عليكم الى ان تلقوا الله كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا"." اللهم هل بلغت. اللهم فاشهد". وتلى في تلك الخطبة اخر ما نزل من القران الكريم: "اليوم اكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا".

اننا نبرأ الى الله يا سيدي يا رسول الله مما فعله ويفعله السفهاء منا. ولا نقول الا ما قلت في الذين اذوك في الطائف: "اللهم اهد قومي فانهم لا يعلمون". وحسبنا الله ونعم الوكيل.! والصلاة والسلام عليك يا سيدي يا رسول الله يوم ولدت ويوم اخترت جوار ربك ويوم تبعث حيا. اللهم صَل على محمد وعلى ال محمد كما صليت على ابراهيم وعلى ال ابراهيم في العالمين انك حميد مجيد. اللهم ارنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه. وارنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه. وكل عام وانتم بخير.

ابراهيم محمد الهنقاري

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع