مقالات

فوزي عمار

اجتهاد داخل النص

أرشيف الكاتب
2021/10/12 على الساعة 16:13

عربيا سمي العالم عالما لانه علم بالشيء. لذلك عندما علم نيوتن بالجذابية وهو يجلس تحت شجرة التفاح في جامعة كامبردج لم يخترع الجاذبية بل كانت موجودة من قبله لكنه عَلم بها فسمي عالما. تم تطور العلم ليصبح داخل المعمل والتجربة الملموسة وسمي بالابستيمولوجية، وهي فلسفة  العلوم أو علم المعرفة، ويعتقد أن أول من أوجد هذا المصطلح هو الفيلسوف الاسكتلندي جيمس فريدريك فيرير، وينقسم إلى عدة أقسام وهي الفلسفة الوضعية، أما الفلسفة التفسيرية أو الفينومونولوجيا، هي فلسفة تعتمد على الشرح، وتنادي الفلسفة الواقعية بمبدأ العلية؛ أي أن لكل ظاهرة علة وسبب.

 فالعلم التجريبي يشرح سبب غليان الماء وتجلط الدم مثلا، وكل الأمور القابلة للرصد والتجربة، بينما لا يبحث العلم سبب احتياج المعلول لعلته، فالتجربة لا تقطع بجوهر العلية. غير أن الخطأ الشائع هو أن عكس العلم هو الجهل وهذا ليس دقيقا  فعكس العلم ليس الجهل، بل قد تكون معرفة أخرى وعلم اخر لا تنتج داخل المعمل وليس لها علاقة بالعلم التجريبي، فمثلا  المعرفة الدينية والتي يطلق عليها (العرفان)، هي إحدى المناهج المتبعة للتواصل مع الخالق. والعرفان لغة: من عرف، يقال عارف بالله، أي متحقق بمعرفته ذوقا وكشفا، وهي المعرفة اللدنية، أي التي تكون من لدن الله. يقول المفكر محمد عابد الجابري يبدو أن العرفان نظام معرفي، ومنهج في اكتساب المعرفة ورؤية العالم اندمج في الثقافة العربية الإسلامية من الثقافات التي كانت سائدة قبل الإسلام في الشرق الأدنى، يسمى الغنوص Gnose، وهذه الأخيرة يونانية الأصل وتعني المعرفة ايضا وقد انصرف معناها إلى العلم والحكمة، ولكن مايميز العرفان أنه يغطي الجوانب الدينية وهي معرفة الغيب والأخرى التي قد تتجاوز إلمام المؤمنين البسطاء وأشمل من معرفة العلماء الذين يعتمدون على النظر العقلي.

 يتبنى مصطلح العرفان مفهوم (الجعل)، كما في قوله تعالى: "أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون" كما ثمة فرق بين الإيمان بالله والإيمان بالعلم.

فالعرفان والمعرفة يقودان الإيمان بالله  كما عند المؤمن او بالقوة الخارقة كما عبر عنها الفيلسوف كانط.. لذلك واضح انه لدينا نوعين من المعرفة وهي المعرفة العلمية والمعرفة  الدينية. المعرفة والعرفان.. المعرفة التي نشاهدها ونلمسها و العرفان وهو الغيبيات. ولذلك وصف الله نفسه بعالم الغيب والشهادة... 

يعتبر الاجتهاد اساس مهم لفهم النص  خاصة بما يوازي متطلبات العصر والتغيرات في الزمكان (الزمان والمكان). فالنص ثابت ولكن الخطاب الديني الذي يعتبر فهم الناس للنص لابد أن يكون متغير خاصة في المعاملات. ولكن ومع تزامن الاجتهاد نشأ الخلاف الفكري عند المسلمين  في العديد من القضايا الفكرية وفي أغلبها خلاف فقهي وليس عقدي الا في مواضع قليلة..

لقد اعتمد الفكر الإسلامي على علوم ابتكارها في هذا المجال ومنها علم الجرح والتعديل بالاضافة الي التلاقح مع الفلسفة الإغريقية التي اخذها العرب المسلمين  بعد فتح مصر تحديدا والاندماج مع مدرسة الإسكندرية  الاغريقية.. علم الجرح والتعديل  الذي نشأ في صدر الاسلام لدراسة  علم الرواية.. رواية الأحاديث الشريفة والتحقق منها منهجيا وعلميا. ومع ذلك نشأ العديد من الفرق والاختلافات في ما بينها وهذه بعض الانقسامات التي رصدها لنا المؤرخين العرب والإسلاميين. وأشهرها الخلاف الكبير بين الغزالي وابن الرشد في مبدا  العقل والنقل المعروفة: 

(1) كان الخلاف بين المعتزلة والأشاعرة في الظنيات لا في القطعيات، في المتشابهات لا في المحكمات. في الفروع ليس في  الثوابت والعقيدة.. من باب: هل الله امر بالخير لانه خير  ونهي عن الشر لانه شر.. ام ان الخير خير لان الله امر به والشر شر لان الله نهي عنه؟. تبني المعتزلة الرأي الاولي والاشاعرة الرأي الثاني.

(2) اختلف الفقهاء في قضايا ومن اهمها قدم العالم  وانقسموا بين من يقول ان العالم قديم ومن يقول ان العالم مُحدث.. الغريب ان فقيه مثل ابن تيمية الذي اسس الي النقل على العقل قد انحاز للفلاسفة وقال بقدم العالم مثلهم مما يجعله يقف في صف من كفرهم وجاء الدور عليه ليُكفر هو نفسه ايضا من قبل من كانوا انصاره.. ومن اجمل وصف قرأته في موضوع قدم العالم او احداثه.. هو ان الله  أوجد الأشياء عن عدم وأعدم العدم فأصبح العدم وجود.

(3) قضية اخري اختلف الفقهاء فيها وهي الزمان والمكان وهل المكان ثابت ام متحرك. فالبرغم ان الفيلسوف الصوفي ابو حامد الغزالي  قد انتصر على فلاسقة العقل مثل ابن رشد.. الي ان رأيه في ان المكان متحرك وليس ثابت قد اثبتته التجربة العلمية (الامبريقية) وقال المتكلم الغزالي ان بعد الزمان وبعد المكان لا يمكن الفصل بينهما ولا معني للزمان بدون المكان.. وقال ان العالم محدث ومن خلق الله وليس قديم وبرهن  بان اذ نتفق على ان الزمان دالة في الحركة فان الكون متحرك وليس ثابت .. وهذا ما اكده العلم الان و ثم قياس عمر الكون بانه يقترب من 14 مليار سنة. تحديدا 13.7مليار سنة وان الكون يتمدد وليس ثابت.  

العجيب ان القران وصف الزمان بانه علاقة لمنظومتنا  الشمسية حين قال تعالي في ممكن كتابه: (وإن يوما عند ربك  كألف سنة مما تعدون) وفي مقام اخر: (غي يوما كان مقداره خمسين الف سنة).. وهو وصف دقيق  فالسنة لها علاقة بدوران الارض حول الشمس.. ولأي قياس خارج المنظومة الشمسية لا تعني السنة شيئا. وهذا ما شرحه اينشتاين في نظرية النسبية وفشل فيه نيوتن. قال تعالى: (الشمس والقمر بحسبان). 

(4) اشتغل مفكرون اسلاميون بالعلوم وقادوا الامة الي مشروع نهضة حقيقي بدأ بمشروع حداثة.. فالحداثة مثلا التي وضع لها هيغل مفهوم واضحا حيت بدأ تعريفه لها انها ظهرت مع عصر التنوير والعصور التي تشكل تجددا مستمرا وحركة نهوض وتطوير وابداع هدفها تغير انماط التفكير والعمل والسلوك وهي حركة تنويرية عقلانية مستمرة هدفها تبديل النظرة الجامدة للكون والحياة والأشياء الي نظرة اكثر تفاؤلا وحيوية وهذا ما فعله مفكرون اسلاميون استغلوا على الاجتهاد المستمر الذي يجعل الاسلام صالح لكل زمان ومكان.. فلقد وضع عصر النهضة الاسلامي اول اسس مشروع تحديث وتنوير وتطوير اجتماعي واقتصادي وثقافي شامل بدأ من القرن التاسع وحتي الثالث عشر الميلادي حدثت نهضة فكرية اجتماعية قادها مفكرين مسلمين مثل الفارابي وابن رشد وابن باجة والتوحيدي وابن مسكوية وابن سينا وغيرهم. كان العرب والمسلمين يشكلون مرجعية ثقافية لمفكري اوربا حتي عصر النهضة فقد تأثر الاوربيين بالمفكرين والفلاسفة العرب والمسلمين خصوصا الفارابي وابن سينا وابن رشد وحتي الكندي.. فقد جسد هؤلاء انفتاح علي العلوم الدنيوية العقلانية فكانوا يجمعون بين علوم القران والفلسفة من دون الشعور بالحرج مكنهم دلك من القدرة على التطور والابداع.. 

جانب اخر مهم شاب الخلاف الفقهي منذ بدايات الاسلامو خاصة في نهاية العهد الراشدي وهو الخلاف السياسي. فاجتماع السلطتين الدينية والسياسية في رجل واحد كان سمة عصر النبوة والرسول محمد سيد الخلق حيث جمع بين السلطة الزمنية والسلطة الدينية وانتهي بوفاته وبانقطاع الوحي، فلا مجال لاحد بعد الرسول ان يساوي نفسه به صلى الله عليه وسلم، وعاش الاسلام كطريقة عيش تجمع الدين مع المشروع السياسي فترة بسيطة وهي فترة النبوة وفترة الخلافة الراشدة، قال عنها سيد الخلق سياتي بعدها ملك عضوض. 

وما سيأتي  بعد ذلك سواء في العصر الاموي او العباسي او حتي العصر الحالي ما هو إلا اضفاء  الدين على السياسة وإطلاق المقدس وهو الدين على الحاكم ووصف كل من يعارضه بالمدنس وهنا تكمن الخطورة، وكما يقول احد دعاة الاسلام السياسي اليوم الشيخ راشد الغنوشي الاخواني التونسي المعروف حين قال: أن اشد انواع الطغيان هو ما سيأتي باسم المقدسات وإضفاء صفة المقدس. استعمال الدين في السياسة (الاسلام السياسي) تاريخيا جاء بصفتين اما الطرح الأيديولوجي للخطاب الديني مثل جماعات الاسلام السياسي حاليا واشهرها جماعة الاخوان المسلمين أو استعمال العرق والنسل الشريف مستندين علي حديث صحيح لرسول الله صلي الله عليه وسلم رواه احمد  يقول فيه: (الائمة من قريش). 

وهنا أيضاً تكمن الخطورة في توظيف الدين لمصلحة السلطة والحكم باسم الدين بدلا من الحكم بالشوري وبالعدل باعتباره اساس الحكم ان  الخلاف مع هؤلاء يعتبر مثل الخلاف مع الدين نفسه. 

يعتمد النظام السياسي في الاسلام (السياسة الاسلامية) التي  تتمثل في التشريعات الفقهية المستمدة من النص القرآني وسنة سيد الخلق وانتقالا لكتابات بعض الفقهاء الذين كتبوا في الإسلام السياسي او نظرية الحكم الاسلامي كالماوردي في كتابه الاحكام السلطانية وابن تيمية في كتابه السياسة الشرعية وابن الجوزي والغزالي وغيرهم من المحدثين، فكلهم لا يخرجون عن القاعدتين الأساسيتين لنظرية الحكم الاسلامي وهما مبدأ العدالة والشورى، والتي تنص عليه معظم الدساتير الحديثة اليوم ولكن في التطبيق الواقعي لم نصل الى ذلك لعدة اسباب باتت اقوى من التشريع وهو التفسير الخاطئ للدين من ناحية وكذلك التعصب الديني داخل المنظومة الدينية نفسها.

فمبدا العدالة يعني تطبيق قول الرسول "لو ان فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" والعدالة تعني التوزيع العادل للثروة  والمساواة امام القانون في كل شيء بين الحاكم والمحكوم وهو مبدأ دستوري، والثاني هو مبدأ الشورى والذي يقوم علي قاعدة المشاركة في القرار السياسي وتوزيع الثروة والتي تعتبر معضلة اليوم لمعظم الدول االعربية والاسلامية. ومن هنا نخلص إلى أن التشريع الاسلامي لم ينص على اي نظام حكم بعينه؛ فردي ام ديمقراطي، ملكي او آية الله او جمهوري او خلافة، فالأهم هو الحرص والتأكيد على هذين المعيارين الديمقراطيين اللذين يضمنان الحقوق و الواجبات وهما العدالة  والشوري.

فوزي عمار 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع