مقالات

مختار المرتضي

الدستور أولا لتأسيس الدولة..

أرشيف الكاتب
2021/10/12 على الساعة 16:11

لم يكتف الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في هجرته الى المدينة ببيعة العقبة الأولى والثانية لتأسيس الدولة. فبيعة العقبة كانت بيعة قبول بالرسالة ونصرة وحماية للرسول واصحابه في جوف المدينة وكانت تعطى الأمان لمحمد لتبليغ رسالات ربه دون قيود ودون أن يتعرض للأذى وتحمى أتباعه المهاجرين من ضيم العشيرة وذي القربى. 

لم يكن في ذهن الرسول عليه الصلاة والسلام انشاء دولة بل كان كل ما يبتغيه أن يخلوا بينه وبين الناس وأن يتركوا الناس يسمعوا منه كلام ربه وأن يكون أصحابه المهاجرين في مأمن من بطش المشركين وأن ينعم أتباعه بالأمن أسوة بالمهاجرين السابقين الى بلاد النجاشي.

كانت المدينة حين أتاها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في حالة من السلم الحذر والموادعة بين كياناتها المختلطة ولم يكن فيها ملك أو رئيس على المدينة فكانت الخزرج وهي عدة قبائل (ستة أو سبع) قبائل ولكل منها سيد وفرسان ومقاتلين والأوس (قبيلة واحدة) ومن هذه القبائل من أسلم ومنهم من بقى على دين أبائه.

كانت هناك قبائل يهوديه (تسع قبائل) أهمها (بنو نضير وبنو قينقاع وبنو قريظة وبنى النجار وبنى ساعدة) وكانت لليهود حصون ولكل حصن سيد وفرسان ومقاتلين. في تلك الأزمان كانت كل قبيلة وكل حصن بمثابة دولة لها قياداتها وجيشها ومصالحها وتجارتها وتحالفاتها الخاصة بها وكان هناك بعض التحالفات بين قبائل الخزرج واليهود.

بعد غزوة بدر بشهور ومقتل سيد أحد حصون يهود بنى نضير (كعب بن الأشرف طائي أمه يهودية من بنى نضير) تغيرت المعطيات في المدينة ونضجت الظروف السياسية وكان لزاما على الرسول أن يخلق كيانا سياسيا ويكون دولة تتعاقد فيها الكيانات وأخلاط الهويات الموجودة في المدينة بعقد اجتماعي ينظم أمرها ويضمن حقوقها ويقرر مسؤلياتها ويحمي الحريات العامة فأول خطوة لتكوين المجتمعات الأنسانية المنظمة وتأسيس الدول هو اتفاق كل مكوناتها على قواعد عامة وسياسات ترسم خطوطا عريضة للواجبات والحقوق والأهداف والاعتراف بالمكونات الأجتماعية المختلفة وكيفية حل النزاعات الناشئة بينها. 

فكان محمد صلى الله عليه وسلم وهو المؤيد بالوحي يدرك أن كتابة وثيقة تتفق عليها كل هويات المدينة المتعددة مسلمين ومشركين وقبائل عربية ويهودية أمرا ضروريا وملحا . ولم يكتف بأنه نبي ورسول من الله وأن عدد أهل الأسلام في المدينة قد أزداد بعد بدر وأنه لو استعصت عليه معضلة في ادارة أمور المدينة لأسعفه (جبريل) بالحل أو نزلت عليه آيات من القرآن تتلى. 

لم يكتف الرسول بذلك ليكون جبارا ولا حاكما قهرا على الناس ولا ملكا متسلطا ففاتح اليهود وقبائل المدينة بضرورة كتابة كتاب بينهم يكون هو العقد الاجتماعي المتفق عليه في المدينة فكان أول دستور تعرفه العرب ويعرفه المسلمون. فكانت ما يعرف ب(صحيفة المدينة). 

صحيفة المدنية نصت في بنودها على حدود الدولة وتعريف المواطنة والأعتراف بالكيانات المختلفة التي تضمها المدينة واعطائها نوع من الاستقلال الذاتي في إدارة أمورها ما لم تتعارض مع أمن المدينة وأقرت ما كانت عليه نظم الهويات الاجتماعية التي لا تتعارض مع قيم العدل فلم يبعث محمد صلى الله عليه وسلم ليهدم بل ليبني وإنما بعث ليتمم مكارم الأخلاق.  

كما تنص الوثيقة على أن كل المواطنين سواسية أمامها. وكفلت الحريات الاقتصادية والتجارة وحق التنقل والخروج والدخول من المدينة. ونصت على كيفية حل النزاعات والخلافات بين الناس وبين الكيانات المختلفة. لقد كانت صحيفة المدينة اقرب الى دساتير الدولة الكونفدرالية المعاصرة لما تضمنته من مرونة وتفهم لأوضاع وطبيعة كيانات المدينة المختلفة.

إن كتابة الدساتير هي الخطوة الأولى والبداية لإنشاء الدول وليست بدعة كما يحاول أصحاب العقول المريضة ممن يدعون الاسلام تحت مسميات مضللة بل هي سنة مؤكدة وصلت إلينا بالتواتر ونسخت من الصحيفة أكثر من نسخة وزعت على سادة الكيانات الموجودة في المدينة.

تعتبر صحيفة المدينة بذرة دستورية كان حقيق على المسلمين أن يعتنوا بها وكان على فقهاء الأمة أن يتبحروا فيها وأن تكون أساسا للفقه السياسي الاسلامي و تقنن كيفية الحكم وعلاقة الحاكم بالمحكوم وكيفية حل النزاعات بين الطوائف والكيانات في الدولة عن طريق تكوين مؤسسات دستورية في الدولة  بعد وفاة الرسول وعلى رأسها مؤسسة دستورية عليا تنظر في النزاعات وتحكم فيها.

في غياب الرعاية بالجنين الدستوري النبوي صارت الأمة حين تختلف أو يقع ظلما على طائفة منها أن تذعن للظلم أو أن تستل السيف وتزهق الأرواح ولو أهتم المسلمون بصحيفة المدينة الأهتمام الواجب لتجنب المسلمون الكثير من النزاعات والاقتتال وحفظت الكثير من الدماء. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع