مقالات

عمر النعاس

أوراق شطرنجية (لعبة الشطرنج الأزلية وترسيخ الدكتاتورية الأبدية)

أرشيف الكاتب
2021/10/12 على الساعة 16:12

الشطرنج لعبة هندية قديمة...!! أو هكذا من المفترض أن تكون... ولكن في رأيي أن الشطرنج حرب حقيقية نتيجتها ترسيخ نظرية الولاء المطلق للحاكم الفرد، وسأوضح ذلك في اثنتي عشرة ورقة كالآتي:

الورقة الأولى (العبودية والاستعباد)

نظرية الولاء المطلق للحاكم الفرد تستند إلى مصطلحين أساسيين هما العبودية والاستعباد، حيث أن العبودية تعني خضوع العبيد لسيدهم الملك خضوعاً مطلقاً والاستعباد يعني الدكتاتورية والسلطة المطلقة للملك السيد على عبيده. السيد هو الملك الذي يملك رقاب العامة. وتتعدد أسماء الملك كالأمير والشاه والرئيس والسلطان، أما العبيد فهم العامة جميعا بمختلف فئاتهم وأشكالهم وألوانهم وألسنتهم وأحسابهم وأنسابهم، فالعامّة هم العبيد. إن القاعدة التي تجمع بين مفهومي العبودية والاستعباد هي قاعدة: "الحياة للملك السيّد والموت للعامّة العبيد".

الورقة الثانية (السادة والعبيد)

على رقعة الشطرنج، الوزير والفارس والجندي وحارس الحصن أولئك هم العامّة العبيد الذين يضحّون بأنفسهم طوعا في سبيل سيدهم الملك... وقد يفنى كل الأعوان والجنود وكل الأسلحة من الطرفين، ويبقى كلا الملكين المتحاربين سليمين دون أذى، ويتفاوضان ويتحاوران ثم يقرّان لبعضهما بالتعادل.

يجلس الملكان المتعادلان متقابلين وبينهما حاجز شفاف، ليس لملك الاقتراب من الملك الآخر، فالملك على الملك حرام دمه ولحمه وعظمه، رغم استحلالهما لدماء ولحوم وعظام كل أعوانهما، ويعقدان صفقة بينهما لمنازلة جديدة، ويبحث كل منهما عن عبيد جدد يدافعون عن مليكهم وسلطانه، ويموتون من أجله في لعبة أخرى من لعب دكتاتورية الشطرنج، لعبة السادة والعبيد.

الورقة الثالثة (لا حياة بعد فرعون)

الحياة كرقعة الشطرنج، يهلك الأعوان وتستمر حياة الملوك، ويُخرِج كل ملك من جرابه أعوان جدد وتستمر رحلة العبودية والاستعباد، ولكن في حال هلك أحد الملوك يهلك معه كل مريديه وأعوانه الآخرين ويُدفنون معه أحياء.. كل ملك له وزير، وفرسان وحصون وجنود، وليس للوزير أن يتقمّص أو ينتحل أو أن يصبح ملكا، وليس لأي فرد من الجنود مهما بذل من جهد أن يصبح ملكا.. وهل يصبح العبد ملكاً ؟ ولكن للجندي المغامر مواجهة الموت ليصبح وزيرا..! أما الملك هو الملك يعيش أو يموت ولا يمكن استبداله أو إحلال ملكاً آخر محله، هذه هي الدكتاتورية في أوج صورها... يعيش الملك ويموت الآخرون، وإن مات الملك يموت حكمه ونظامه ويموت معه شعبه وكل أعوانه... ويموت كل من يتنفس معه وتزهق روحه... فلا حياة لأحد بعد موت الملك.. وهل لأحد أن يحيا بعد الملك؟  الجميع يدفنون أحياء مع فرعون، فلا حياة بعد فرعون.

الورقة الرابعة (دكتاتورية الشطرنج الأزلية والجاهلية المعاصرة)

ترسّخت دكتاتورية الشطرنج "اللعبة الهندية" لتصبح واقعاً مريراً يعيشه كثير من البشر في عالمنا الضيق الموبوء بكل أصناف المبيدات الانسانية والانتهاكات في "اللعبة البشرية الدموية". إن دكتاتورية الشطرنج الأزلية أصبحت واقعا مريرا يعيشه العبيد الجدد، وزبانيتها هم أصناف مشوّهة من حكّام وملوك ورؤساء وأمراء وسلاطين، يعتقدون أنهم آلهة، وهم ممن تختمر في رؤوسهم المجوّفة بقايا الجاهلية الهندية الشطرنجية، وآثار العصور الحجرية كأحجار الشطرنج، ويعتبرونها لعبتهم الواقعية المفضّلة، وينتشون من السعادة حتى الثمالة على حساب تعاسة الآخرين فوق رقعة بساطهم الأحمر الدموي، إنه واقع الجاهلية المعاصرة.

الورقة الخامسة (التنصيب رغم الأنف)

يُنصِّب الملك نفسه غصباً، ظلماً وبهتاناً... ويبقى على صدر شعبه حتى الموت.. وعندما يهلك الملك، يهلك شعبه معه... إلى أن يأتي ملك آخر من طينته ونسله وتعاد الكرّة تلو الكرّة.... ويُدفن الشعب حياً مرة تلي المرة، وعقدا يلي العقد، وجيلا يليه جيل... ولا حياة لشعب مدفون ولا صوت يعلو فوق صوت الطبول والمزامير والدعاء بطول العمر للملك الجديد وولي العهد السعيد وذرياتهم حتى وإن كانوا جميعاً من الطالحين.

الملك وذريته هم الصفوة... إن عاشوا عاش الباقون وإن ماتوا يعمّ الدمار والخراب بعدهم، فلا حياة للآخرين إلا بوجودهم، وإن غاب الملك فالويل الويل للرعية.. ليس لهم إلّا الشقاء والمعاناة في حاضرهم والندم على ماضيهم برغم كل ما فيه من ذلّ وقهر، أما مستقبلهم فهو نفق مظلم، أو هاوية سحيقة لا أحد يعرف لها قرار إلا مليكهم المفدّى القادم على أنقاض مليكهم الغابر وبهرجة مراسيم التنصيب رغم الأنف وبداية حقبة قاتمة.

الورقة السادسة (الشكر والمديح للملك)

يُنصَّب الملك زورا وبهتانا باسم شعبه، وهو على استعداد للتضحية بآخر فرد في سبيل بقائه في منصبه جاثما فوق جثة شعبه الهامدة.. الأمير كذلك... والخادم... والزعيم... والحزب والجماعة.. الخ... لا فرق بينهم... كلهم سواسية في استعباد شعوبهم وامتصاص دمائهم ونهب خيراتهم، وتبقى الشعوب مغمضة العين، غائبة عن الوعي، تلهث وراء لقمة عيش هزيلة معجونة بالعرق والدماء هي بقايا فضلات ملوّثة يخلّفها الحكّام والملوك الذين ينهبون خيرات الشعب باسم الشعب ويرغمون الناس على التصفيق والغناء والدعاء لهم من أجل بعض الفتات وعلى نعمة العبودية، فإن لغة العبيد شعراً كانت أم نثراً هي التفنّن في كيل الشكر والمديح للملك المبجّل.

الورقة السابعة (باسم الشعب)

باسم الشعب يحكمون، وباسم الشعب ينهبون، وباسم الشعب يمارسون الاستبداد، وباسم الشعب يستعبدون الشعب، وباسم الشعب يُبيدون كل الشعب، ويبقى الحاكم باسم الشعب صامدا غارسا حربته الطويلة في صدر آخر فرد من الشعب ويصرخ قائلا: أنا الملك.. أنا الرئيس.. أنا الحاكم.. أنا هنا باسم الشعب... أنا الشعب.

الورقة الثامنة (حروب الشطرنج الحديثة)

حروب الشطرنج الحديثة لا تختلف في جوهرها عن "لعبة الشطرنج" وقواعدها واضحة وهي ذات القواعد الملك والرعية..! وكل رعية عليها أن تضحي حتى الموت في سبيل مليكها المفدّى، وأولياء عهده المحبوبين... كل رعية يجب أن تضحي حتى الموت في سبيل رئيسها وأعوانه وأعضاء حزبه المبجّلين... كل رعية لزاما عليها أن تضحّي حتى الموت في سبيل وليّ أمرها الحاكم بأمره وبطانته المقربين.. الجميع ملزمون بالتضحية والرضا بالموت السريع والبطيء باستثناء أولئك الملوك والحكّام الجاثمين فوق قلوب الناس، ينهشون منهم اللحم والعظم، ويلعقون دمائهم ويتلذذون بها قطرة قطرة دون شفقة أو رحمة، فهم يستبيحون الدماء ويشرِّعون لأنفسهم حكم الآخرين واستعبادهم وهؤلاء الرعية مطالبين بالولاء والطاعة، إنها حروب الشطرنج الحديثة.

الورقة التاسعة (لعبة الشطرنج لعبة الموت)

لعبة الشطرنج وإن كانت لعبة عند البعض، إلا أنها حقيقة واقعة بآثارها المميتة المرعبة والمخيفة... إنها لعبة الموت الأزلية ومبادئ هذه اللعبة الدكتاتورية هي: البقاء للملك والسلطان والموت للآخرين... الملك يعيش والبقية تموت... الكل يضحي في سبيل الملك... والملك يضحّي بالآخرين في سبيل توطيد ملكه وتحقيق رغباته ونزواته... الملك والسلطان فوق الجميع وسيد الجميع... والجميع هم عبيد السلطان... يحيا الملك... وعاش الملك.... والموت للبقية... إن كان في العمر بقية... إنها لعبة الموت..   

الورقة العاشرة (نزع السلطان)

إن تمّ نزع المُلْك نزعاً، ومات المَلِك أو الحاكم، تموت رعيته معه وتندثر ولا تكون لها قيمة، هذا لأن الملوك والرؤساء في زماننا هذا، تراهم جاثمين فوق صدور رعيتهم غارزين مخالبهم وأنيابهم في قلوبهم، ولن يتم إزالتهم إلا بالاستئصال الدامي والكيّ بالحديد والنار، ولن يتزحزحوا إلا وقد خلّفوا آثارهم المدمّرة الكارثية والتي تتجاوز في هولها آثار إعصار كاترينا وتسونامي اليابان مجتمعين...هم لن يقبلوا بالتنحّي طوعاً، لقد وطّدوا أركان حكمهم وشيّدوا العروش والحصون وقبعوا فيها وأوصدوا خلفهم كل الأبواب والمنافذ، ولا سبيل لنزع سلطانهم وكسر شوكتهم إلا هدم حصونهم، وخلعهم من عروشهم، ونزعهم من جذورهم نزعاً كما ينتزع الورم السرطاني الخبيث من جذوره حتى وإن كان الألم قاس ومرير، فالاستئصال هو الوسيلة لنزع سلطانهم.

الورقة الحادية عشرة (العبودية وأسلحة الدكتاتورية)

لا فرق بين دول العالم في ترسيخ مبدأ العبودية والدكتاتورية. لا فرق بين العوالم (الثالث أو الثاني أو الأول). في القرن الحادي والعشرين، في أكبر دولة في العالم يقال أنها دولة "ديمقراطية وحامية للحريات" يرسّخ حاكمها لفكرة الاستبداد والدكتاتورية من خلال مقولة خطيرة قالها في مجتمعه الديمقراطي وهي أن: (الجميع سيكون فقراء جداً إذا تم اتهامي..).. مما يعني، عليكم القبول بي كما أنا حاكماً لكم وإلا ستموتون جوعاً. التجهيل والتجويع والحاجة والفاقة هي أسلحة الدكتاتورية لترسيخ العبودية، ومن خلال برامج ومخططات رهيبة يتم العمل على تجهيل العامة وتجويعهم والإيحاء لهم بأنهم في حاجة لمن يستعبدهم كي يعيشوا ويتحصلوا على رغيف من الخبز وشربة من الماء. إن الجهل والجوع والحاجة والفاقة والمرض هي مستنقع العبودية لعامة الناس وبالمقابل هي أسلحة الدكتاتورية الفتاكة لاستعباد الناس وإذلالهم وإخضاعهم.     

الورقة الثانية عشرة (المواجهة والتحرّر من العبودية)

من الواجب فهم لعبة الشطرنج، فهي لا تعني اللعب بأقدار الناس وحياتهم ومماتهم تحت أي مسمّى. على الناس معرفة الحقيقة وهي أن العبيد هم الذين يصنعون الطغاة، وأن الدكتاتور يولد إذا وجدت البيئة المناسبة المتمثلة في استكانة الناس وخنوعهم لبسط دكتاتوريته واستبداده، فالناس هم الذين يصنعون الدكتاتور.

كل إنسان عندما تتهيأ الظروف المناسبة يستطيع أن يكون ملك أو سلطان، ولكن ليس بالضرورة أن كل ملك أو سلطان قد يكون إنسان. إن مقاليد الحكم والسلطة ليست حكرا على فئة أو طائفة أو شريحة، بل يجب أن تكون متاحة لكل الناس حسب معايير العلم والمعرفة والأخلاق والاخلاص في العمل والقدرة على اسعاد الناس.

على الناس الاختيار؛ إمّا المواجهة والتحرّر من العبودية ومن عقدة استصغار الذات وتبجيل الآخر، فالآخر ليس دائماً هو الأفضل، بل هو يحاول أن يوهم الآخرين أنه الأفضل ويريد أن يبسط سطوته عليهم، وإمّا البقاء خانعين تحت نير الاستعباد والظلم طالما أن هناك من يمارس الدكتاتورية والطغيان والظلم.

من الواجب التمسك بحق القدرة على تغيير الذات وامكانية تغيير الواقع والظروف المحيطة، والتأثير الإيجابي في الآخرين لتغييرهم نحو الأفضل. علينا الايمان المطلق بالله تعالى وحده والرفض القاطع لتأليه الأصنام من البشر سواء الأحياء منهم أو الأموات، وعلينا أن نؤمن أن الرسول الكريم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو القدوة الحقيقية الوحيدة في المعاملة مع الآخرين، وأن يكون المبدأ الذي نتمسك به هو محاسبة النفس والتحلّي بالصبر وقوة الإرادة والعزيمة من أجل العطاء المفيد دون انتظار أي شكر، ويكون الهدف الرئيسي من الحياة هو المواجهة والنضال في سبيل الحق والحرية دون يأس أو قنوط.   

أ. عمر النعاس
2021 / 10 / 11 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع