مقالات

د. الهادي بوحمره

نزع ملكية المسار التأسيسي

أرشيف الكاتب
2021/10/10 على الساعة 23:27

اجتمعت عدة معطيات خلال سنتي 2012 و2013م، منها عدم الثقة في الأحزاب والتكتلات السياسية النافذة في السلطة التشريعية، وظهور تأثير القوى المسلحة عليها، من خلال سنها لقوانين وقرارات بدفعٍ منها، ما أدى إلى الضغط على المؤتمر الوطني من أجل إحداث عدة تعديلات في الإعلان الدستوري، منها التعديل الخامس بتاريخ 11 أبريل 2013 م، والذي  تخلى بموجبه عن إحكام سيطرته على المسار التأسيسي، وتم؛ بناء عليه؛ الانتقال من اختصاصه بتعيين أعضاء الهيئة التأسيسية إلى تأليفها عن طريق الاقتراع العام السري المباشر، مع الاحتفاظ بحق الشعب في الاستفتاء على مشروعها.

وبهذا تم نزع  سطوة القوى المسيطرة على المؤتمر الوطني العام، وحرمانها من تأليف لجنة اعداد المشروع من نخبة قريبة منها، ومعروفة التوجه لديها، ووفق ما تراه متناسبا مع رؤاها. فقد فتح الاقتراع المباشر الطريق لأن تتكون الهيئة التأسيسية  بإرادة الناخبين في غدامس، وتاورغاء، والكفرة، والقطرون، وطبرق، ودرنة، والمرج، وسرت، وبني وليد، ومصراتة، والخمس، وزليتن، والشاطئ، وأوباري، وأم الأرانب، وغات، والجفرة، وغيرها من مدن ومناطق ليبيا الكبرى والصغرى؛ وفق ترسيم الدوائر وتوزيع المقاعد الذي حدده القانون رقم 17 لسنة 2013م. وبذلك تساوى  الليبيون في المسار التأسيسي؛ أيا كان توجههم السياسي، من حيث حق اختيار أعضاء الهيئة، وحق إقرار أو رفض ما يصدر عنها، وتم إدراك غاية  شمول المواطنين كافة في حق المشاركة في المسار التأسيسي، واكتملت عناصر ملكيتهم له بداية بالانتخاب، ونهاية بالاستفتاء. وتحقق بالتبعية التخلص من أفكار كانت تقرع الأسماع في تلك الفترة، ويدفع بها بعض من المتنفيذين، ومن يدور في فلكهم، منها أن الدستور تصنعه المدن المنتصرة، لا المهزومة، وأن صناعة الدستور عمل النخبة، لا الشعب، والمقصود بالتأكيد نخبة قريبة ممن كان يمسك بمقاليد الأمور في تلك الفترة. كما أنه بالعدول عن سيطرة المؤتمر الوطني إلى سيطرة صندوق الاقتراع، تم تحرير المسار التأسيسي من الأحزاب النافذة، والمدن المسلحة، والتخلص مما يمكن أن تلعبه المناورات السياسية الخارجية، وجماعات الضغط، والدوائر المختلفة على السلطة القائمة بشأن أهم مسار سياسي للدولة الليبية في مرحلة الانتقال. وقد كان من المفترض أن  تسير العملية الدستورية إلى نهايتها بسلاسة ويسر، فالخارطة واضحة، وأحكامها بينة جلية، والحكم فيها للشعب، وهو ما ينادي به الجميع. فلا أحد؛ وفق الظاهر؛ كان ينازع؛ قبل صدور مشروع الدستور؛ في حق المواطنين في تأليف الهيئة، ولا في حقهم في الاستفتاء على مشروعها، باعتبار أن ذلك يحقق ملكية ليبية شعبية كاملة على المسار التأسيسي، ويضيف لبنة جديدة إلى بناءٍ تدريجي متينٍ لدولةٍ حديثةٍ تحتكم إلى صندوق الاقتراع؛ كوسيلة مشروعة، وعادلة، وقاطعة للخلاف، وفي متناول الجميع.

 إلا أنه بعد صدور مشروع الدستور بتاريخ 27 يوليو 2017م، والوصول إلى نقطة النهاية، تحالف الفاعلون من الداخل والخارج لسد طريق الاستفتاء، وقلب المجتمع الدولي ظهر المجن، وكأن دعمه كان مشروطا بإقرار الهيئة لمشروع تحت رعايته، ووفق ما يراه من تصورات لليبيا المستقبل.

 فبعد أن قررت الهيئة تكوين لجنة توافقات من داخلها، وأغلقت أبوابها في مواجهة البعثة، وفي مواجهة غيرها من الأطراف الخارجية، واصدرت مشروع الدستور دون أي مساس بموجبات الملكية الوطنية، تحولت البعثة الأممية ومواقف عديد من الدول من الإقبال إلى الإدبار، ومن الدعم إلى العرقلة، ومن التمسك بقرار الأغلبية إلى الأخذ بيد الأقلية المعارضة، ومن جمع التأييد إلى التأليب، ومن التركيز على القضايا الجوهرية، إلى البحث عن الشيطان في التفاصيل؛ للتأسيس للشقاق والخلاف، وأعرضت عن تهيئة البلاد للاستفتاء، وتجاهلت الاحتكام إلى الشعب، وبدأت في طرح بدائل من وضعها، والعمل على إقرارها عن طريق لجان هي من يقوم بتعيين أعضائها، وأخرجت فكرة القاعدة الدستورية؛ لتحل محل مشروع الدستور، وتنتهي بمصادرة حق الليبيين في الاستفتاء على مشروع أقرته هيئة منتخبة.

 وقد تمكنت بذلك؛ وبتأييد من الداخل؛ من نزع الملكية الوطنية للمسار التأسيسي، وجعله حبيس خطط البعثة وقرارات مجلس الأمن، وهو نزع لن يكون له أي تعويض عادل، لأنه مساس بالدائم لا المؤقت، وبالأصول لا بالفروع، ويمكن اعتباره مصادرة سياسية فريدة من نوعها لم يسبق أن قامت بها بعثة للأمم المتحدة في تجربة انتقالية أخرى.

د. الهادي بوحمرة

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع