مقالات

إمحمد علي هويسـة

الآثار الليبية.. ماضي تليد يشكو عبث الحاضر!!

أرشيف الكاتب
2021/10/10 على الساعة 23:23

الآثار والمعالم التاريخية عند معظم الشعوب بإختلاف أعراقهم وثقافاتهم لها أهمية بالغة باعتبارها روح البلد وثقافتها وتاريخها.. وليبيا كغيرها من دول حوض المتوسط لها عمق تاريخي وحضاري مهم يزخر بالعديد من الشواهد الأثرية التي تحكي مراحل تكوينها بمختلف العصور، وللحديث عن المواقع الأثرية والتاريخية التي تحتضنها الأرض الليبية لايمكن ذكرها ـ للأسف الشديد ـ إلا بصورة قاتمة نتيجة التسيب والإهمال الذي طالها على مدى الخمس عقود الأخيرة، وماجنته الجهات المسؤولة على هذا القطاع الهام من تفريط في المحافظة عليه وحمايته، ومدى التقصير في استثمار هذه الثروة  الثقافية والسياحية في دعم الإقتصاد الوطني.

ولعل الحالة المزرية التي أضحت عليها المواقع الأثرية في السنوات الأخيرة جراء أعمال التخريب والتجريف مردها انعدام الوعي الأثري لدى المسؤولين والسواد الأعظم من الليبيين وحالة اللاإدراك بمدى أهميتها.. وماآلت إليه الأوضاع من فوضى في غياب أجهزة الدولة الأمنية والرقابية أنتج وفرة من التعديات طالت معظم المدن الأثرية والتاريخية في غرب البلاد وشرقها  وجنوبها.. حيث نُهبت آثار شحات وهربت خارج البلاد، وقُصفت آثار صبراته بقذائف المدافع والصواريخ، ودُمرَت معالم بنغازي الأثرية والتاريخية تماماً، وشُوهت النقوش الجدارية بالجنوب والجبل الغربي.. والأمثلة على أعمال النهب والتدمير والتجريف للعديد من المواقع الأثرية كثيرة وكثيرة جداً..!! مايدفعنا الى التساؤل عن من يقف وراء هذا العبث الذي يستهدف التراث الثقافي والموروث الحضاري للشعب الليبي والتنبيه لخطورته..؟!

وعلى مايبدو فالجهود المبذولة من قبل المسؤولين والمختصين الأثريين للخروج من الأزمة التراكمية التي لازمت قطاع الآثار ومحاولة وقف النزيف الأثري لم تفلح بعد.. ومن باب الإنصاف قد تكون تلك الجهود الخجولة قد أثمرت بعض الشيء بإسترجاع بعض القطع الأثرية المهربة الى بعض الدول.. أما الواقع المؤلم الذي يعيشه قطاع الآثار وحالة النكوص والإهمال التي عليها المناطق الأثرية والتاريخية في ليبيا هي نتاج لحزمة من العوامل نذكر منها:ـ

1ـ "النظرة السلبية من الحكومات المتعاقبة لقطاع الآثار وغياب الجدية في رسم استراتيجية واضحة للتعامل معه وتطويره بكونه قيمة ثقافية ومادية كبيرة وأحد المقومات الأساسية لقطاع السياحة، السياحة التي تعد رافداً مهماً في الإقتصاد الوطني.. وبحكم أن الدولة الليبية لم تكن بحاجة للأموال فقد أهملت جانب السياحة وبالتالي أهملت الآثار بشكل عام، ولقطاع الآثار ارتباط وثيق بالشركات السياحية بالداخل والخارج التي بدورها مرتبطة بالجانب الأمني، والنظام السابق لم يكن يعول كثيراً على المجال السياحي.. بل كان في مقدمة أولوياته ضمان أمنه فقط. ونتيجة لهذه السياسة أصبح قطاع الآثار مهمشاً وتوالت على إدارته ماقبل ثورة فبراير مجموعة من الأمانات (الوزارات) تأرجحت تبعيته مابين التعليم، والثقافة، والسياحة حتى أنه ضُمَ في فترة من الفترات للإقتصاد والتجارة ماأدى الى ضعف الأداء المهني لمصلحة الآثار طوال العقود الماضية، ونلحظ انعكاسات هذا التأرجح والإهمال في كم الضرر بالمواقع والمدن الأثرية الكبرى مثل  شحات، وطلميثة، وصبراتة، ولبدة.. وغيرها.

2- غياب الدعم وشح الموارد لمصلحة الأثار المنوطة بهذا القطاع باعتبارها الجهة الأولى المعنية قانوناً بحماية وصيانة ورعاية الآثار في ليبيا، وتضم العديد من المراقبات الأثرية منها: مراقبة آثار شحات – مراقبة آثار بنغازي – مراقبة آثار لبدة – مراقبة آثار طرابلس – مراقبة آثار صبراتة – مراقبة آثار الجنوب.. وجُلها يعاني من ضعف الميزانيات التي ترصد لها في أعمال الصيانة والتدريب وبرامج التأهيل وخلافه، ونقص الكادر الفني بهذه المراقبات على المستوى العام.

3– الفساد المالي والإداري خصوصاً في السنوات الأخيرة من عمر النظام السابق من خلال المشاريع الخاصة بالآثار والتي لم يكن لمصلحة الآثار أي دور فاعل فيها.. حيث كان لما يسمى جهاز تنمية وتطوير المراكز الإدارية اليد الطولى في اختيار الشركات ومتابعتها وإبرام العقود وغيرها من الأمور الفنية.. إضافة الى إرتجال القرارات من المسؤولين، ومزاجية أبناء القذافي في تلك الفترة بفرض رؤى وتوجهات معينة لهذا القطاع، على سبيل المثال.. ماحدث أثناء تدشين متحف ليبيا (قصر الملك سابقاً) بطرابلس، أو مشروع صيانة المتحف الإسلامي، ومشروع الحرم الأثري للمواقع الأثرية، أو الدراسات التي أعدت لتأهيل المواقع الأثرية بليبيا والتي كلفت الخزينة العامة مبالغ طائلة ومبالغ فيها، هذا بالإضافة الى إنعدام التواصل مع المؤسسات الإقليمية الدولية والعالمية التي تعنى بالتراث والآثار كمنظمة اليونيسكو، والآكروم، ومنظمة الآيكومس، والايسيسكو، وغيرها من المنظمات المعنية بالآثار وهو ما شكل فراغاً كبيراً في عملية معرفة مايجري من تطور في القوانين والنظم المتعلقة بالحماية والصيانة والمحافظة على المواقع الأثرية.. نضيف الى ذلك إنعدام التغطيات الخاصة بأعمال الصيانة والحفظ والترميم من معدات ومواد غير موجودة بالسوق المحلي، وغياب الشركات المتخصصة في هذه المجالات."*

الخلاصة.. ليبيا رقعة جغرافية كبيرة (2 مليون كم مربع) تمتاز بتسلسل الحضارات البشرية التي سادت مراحل الحياة الليبية الحضارة بالصحراء، والمتاحف المفتوحة كالنقوش الصخرية ـ تارارت أكاكوس، ومتخندوش ـ والحضارة الجرمنتية إلى الحضارات الكبرى بالساحل.. الإغريقية، والرومانية، والبيزنطية، والإسلامية، ومرحلة ماخلفه الأجداد بالتراث الليبي مما جعل الأرض الليبية كتاب متعدد الصفحات والألوان ولا نبالغ إذا قلنا أن كل شبر بالأرض الليبية يحمل موروث ثقافي وأثري هام مايوجب بذل الجهد المضاعف من الدولة للإهتمام به لأهميته المعنوية والمادية الكبيرة.. وعلى المسؤولين أن يعوا أهمية قطاع الآثار وسرعة العمل على إحتضان مصلحة الآثار بفروعها وإزالة العقبات في طريق تطوير عملها وتدريب فنييها، والصرف عليها بسخاء من خلال برامج مدروسة تراعي إحتياجات كل المناطق والمواقع الأثرية والمتاحف في كل ربوع ليبيا.. ونعول على مؤسسات المجتمع المدني بضرورة تبني عمليات توعية واسعة وشاملة لكل قطاعات المجتمع دون إستثناء الى أهمية هذا التراث الثقافي والحضاري وضرورة حمايته والمحافظة عليه.

امحمد علي هويسة

* (وجهة نظر الخبير الأثري محمد الشكشوكي في حوار مع الكاتب).

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع