مقالات

د. الهادي بوحمره

متاهة الحل السياسي

أرشيف الكاتب
2021/10/06 على الساعة 06:50

من مقدمات تأطير المشاكل والإشكاليات والنزاعات الداخلية بين مختلف السلطات؛ بما فيها السلطات الواقعية؛ والدفع بها نحو الحل تحت سقف مقومات المجتمع والدولة ونظامها العام، مقدمة توصيفها بأنها نزاعٌ ذو طبيعة قانونية. فاعتبار  المسألة مسألة قانونية  يعطي إمكانية إخضاعها لنموذج من النماذج القانونية، أو فحصها في ظل أسس النظام القانوني، أو روحه،  وتقلبيها بين مختلف الأوصاف والكيوف  الممكنة، ويصبح بذلك من الفروض وضع حل لها؛ وفق النصوص الدستورية، أو القانونية، أو استنادا إلى المصادر الاحتياطية،  وفي إطار المبادئ العامة والكليات التي تحكم النظام القانوني، سواء المكتوبة، أو غير المكتوبة.  ومن ثم؛ فإنها ستنتهي إلى حلٍ منضبطٍ؛ حتى في حال عدم وجود نص ينطبق عليها بشكلٍ مباشر.  

أما في حال نقلها من المجال القانوني، ووضعها في الإطار السياسي، واعتبارها مشكلة، أو اشكالية ذات طبيعة سياسية، ومن ثم؛ وأن حلها سياسيٌ لا قانوني، فإن ذلك قد يكون مقدمة  لتجاوز أسس التشريعات الناظمة للدولة والمجتمع، مما قد يجعل من مسار تطورها، والتفاوض بشأنها سببا لمزيد من الشقاق والخلاف.

فإذا كان التأطير القانوني يُمكّن من الوضوح، وضبط الحدود، ويمنع من انزلاق الأزمة إلى مسائل لم تكن منها، فإن تأطير الأزمة سياسيا يصيرها أزمة مرنة، قابلة للتمدد؛ وفق رؤى أطرافها، وأهدافهم، ومقاصدهم الكامنة في نفوسهم،  وهو ما قد يفتح المجال لتشعبها، وإدخالها في تعرجات مختلفة ومتباينة، وليس هناك ضوابط تمنع من  تقديم تصورات لحلها تتولد عنها أزمات أشد منها تعقيدا، وتهدد بإدخال الدولة في حالة من التيه. إذ إن اعتبار الأزمة سياسية يوجب البحث لها عن حل سياسي، وهو حل تحكمه مواقف الأطراف، ويجب أن يتحرر من الأسس والمعايير والضوابط التي يقوم عليها الحل القانوني؛ كي يكون مرضيا للفاعلين، دون غيرهم.

 ومتى كان الأمر كذلك؛  فإن التوصيف السياسي للإشكالية، أو للمشكلة، أو للنزاع قد يكون مقدمة لإخراجها من عصمة المعايير الدستورية والقانونية، وبداية لنقلها من  منطقة الأمان إلى منطقة الخطر. فالبحث عن حلول للأزمات باعتبارها ذات طبيعة قانونية يقلل من عواقبها السلبية، أما الإقناع بأنها سياسية لا قانونية، فإنه قد يكون من مهارة البحث عن فتحها على جميع الاحتمالات والمآلات كافة. 

وربما يكون من أسباب تعقد الأزمة الليبية، وزيادة تشابك عناصرها، وكثرة التسويف والجدل العقيم بشأنها، وانفلاتها من معايير ومبادئ النظام القانوني الداخلي، وإمساك الأطراف الأجنبية والبعثة الأممية بخيوطها، وتوجيههم لها وفق ما يتناسب مع مصالحهم، واندفاعها مرحلة بعد مرحلة إلى المجهول، هو تعامل البعثة الأممية، والأطراف السياسية الليبية، وكثير من السياسيين والقانونيين مع الأزمة الليبية في بدايتها على أنها أزمة سياسية لا قانونية، ومن ثم؛ فقد تجاهلوا الحلول القانونية، واندفعوا نحو الحلول السياسية بعيدا عن الإعلان الدستوري وتعديلاته، وعن المعايير والأسس القانونية؛ بمساعدة بعثة الأمم المتحدة، والمجتمع الدولي. وهو الأمر الذي انتج  تصوراتٍ لا تتفق مع المصلحة الوطنية في انهاء المراحل الانتقالية، وفي إقرار وثيقة تقرها الإرادة الشعبية عبر استفتاء عام، تحافظ على وحدة الدولة، وتُبنى عليها مؤسساتها، وتدخل بها البلاد مرحلة الاستقرار والتداول السلمي على السلطة.

د. الهادي بوحمره

 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع