مقالات

د. الهادي بوحمره

عقدة الدستور

أرشيف الكاتب
2021/09/27 على الساعة 22:17

كان دستور 1951م قائما على ركيزتين، هما الملكية والفيدرالية، وبعد أن انهارت الفيدرالية بالطريق الدستوري العادي بالقانون رقم 1 لسنة 1963م، انهارت الملكية بالطريق الاستثنائي سنة 1969م. ومنذ ذلك التاريخ، وليبيا تنتقل من مؤقت إلى مؤقت، ويتقلب فيها تنظيم مؤسسات السلطة؛ وفق إعلانات، أو وثائق، أو قوانين أساسية لا تستمر طويلا، فالإعلان الدستوري لسنة 1969م نص في مادته السابعة والثلاثين على أن يبقى ساريا؛ حتى يتم إصدار الدستور الدائم للبلاد، وهو الأمر الذي لم يحدث.  وبعد صدور وثيقة إعلان سلطة الشعب في الثاني من مارس 1977م، خرج مصطلح الدستور من قاموس المصطلحات السياسية والقانونية الليبية، إذ إن هناك من عدّ الدساتير  ظاهرة ديكتاتورية، وأن سلطة الشعب لا تُقيد، وأنها لا تقبل بسمو قانون على قانون، وهناك من رأي أن الوقت غير مناسب، فالتجربة يجب تترك مرنة، وتتقلب من تنظيم إلى تنظيم دون أن تسجن في دستور؛ حتى تنضج. وبالرغم من عودة المصطلح إلى النقاش الليبي من جديد، وظهور محاولات؛ لإيجاد دستور للبلاد، منها قرار مؤتمر الشعب العام رقم 20 لسنة 1994م، وظهور مشروع الميثاق الوطني في نهاية العشرية الأولى من هذا القرن، إلا أنها لم تنتهي إلى غايتها، ولم تصل إلى حل العقدة الدستورية.

عادت عقدة الدستور من جديد بعد الإعلان الدستوري لسنة2011م، والذي وضع حدا لوثائق ومؤسسات سلطة الشعب، فقد دخلنا بعده- بوضوح أشد-  في الانتقال من مؤقت إلى مؤقت. فبالرغم من أنه حدد بتعديلاته المتعاقبة خارطة دستورية واضحة المعالم، وتم؛ وفقا له، انتخاب هيئة تأسيسية؛ بالاقتراع السري المباشر، وأن هذه الهيئة انجزت مشروع الدستور؛ بأغلبية موصوفة ومزدوجة على مستوى أعضاء الهيئة، وعلى مستوى كل منطقة انتخابية على حدة، وبموافقة أعضاء من كل الدوائر الانتخابية دون استثناء، وبالرغم من توافر كل اشتراطات حل العقدة الدستورية الليبية، إلا أن هناك من كانوا مهرة من الليبيين والمبعوثين الأمميين في وضع العصى في الدواليب، عن طريق تضخيم قضايا هامشية على حساب قضايا رئاسية، والتركيز على الأقلية المعارضة، وقد استطاعوا بذلك سد طريق الاحتكام إلى الشعب عبر استفتاء عام، وتمكنوا من صرف النظر عن حل إشكاليات المسار الدستوري؛ لمصلحة مراحل انتقالية متعاقبة، تستمر فيها البعثة في ممارسة مهامها في ليبيا، وتظل فيها الطرق مفتوحة لنفوذ الدول الأجنبية، وتكون مراكز النفوذ الداخلية فيها في منأى عن مخاطر تأتيها من دولة المؤسسات والقانون. فمن وضع الإعلان الدستوري منع المجلس الانتقالي من أن يكون أول وآخر مرحلة انتقال، ومن دفع باتجاه دسترة مقترح فبراير بالتعديل السابع منع من أن يأتي الدستور الدائم بعد مرحلة المؤتمر الوطني العام، ومن صمم الاتفاق السياسي أدخل البلاد في متاهة عمقت من الانقسام المؤسساتي، وأصبح معها قانون استفتاء متوافق عليه من مجلسي النواب والدولة مسألة صعبة المنال، لكونهما طرفي الشقاق بين شرق البلاد وغربها. وبدل القطع بأن الوقت قد تأخر كثيرا، وأنه لا مجال لتكرار تجربة المراحل الانتقالية بعد أزمات الاتفاق السياسي، عاد- من جديد- القول بأن الوقت غير مناسب، وتم تجاهل إكمال الخارطة الدستورية، والذي سبق وأن وصلت إلى نقطة النهاية، وتم التوجه عن طريق ملتقى الحوار السياسي الذي صممته البعثة الأممية  نحو اختيار مجلس رئاسي بديل، وحكومة مؤقتة جدية، وتقديم تصورات لقاعدة دستورية مؤقتة.

هذا التحول من انتقال إلى انتقال، ومن مؤقت الى مؤقت أدى إلى  تدحرج الأزمات، وتراكم الخلافات، وتجدر النزاعات، وتعمق الانقسامات، وتضخيم ما كان ضئيلا، وتكبير ما كان صغيرا. وبدل أن يستفاد من تراكم الخبرات، وعوض أن تفحص مضار ومفاسد إطالة مدة الانتقال، ويكون هناك تصميم على القطع مع الحلول المؤقتة، نجد البعثة الأممية تصر على استبعاد النظر في حل العقدة الدستورية، وتوجه من هم في واجهة البلاد السياسية  نحو الدخول في مرحلة انتقالية، وتباعد بذلك بين الليبيين وبين  الدستور دائم، ودون أن يصل كثيرٌ من السياسيين والأكاديميين القانونيين إلى الاقتناع بضرورة القطع  مع عدة أوهام، منها وهم الدستور المثالي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، ووهم الإجماع، ووهم انتظار الوقت المناسب، ودون بذل الجهد في فحص مخاطر انتظار تحقق مثل هذه الأوهام، والتي منها أن تأتي مع تطور الأوضاع الداخلية والخارجية على ظهر البلاد القشة التي تقسمه إلى نصفين أو ثلاثة.

أما بالنسبة للبعثة فأن تفضيل خيار البقاء في مراحل الانتقال، والتداول بين مؤقت ومؤقت يبدو أنه يقع في اطار إدارتها لمسألتين، مسألة الصراع بين القوى الداخلية والخارجية، وإدراكها لمصالحها، وهو ما يحتاج إلى سلطة يعترف بها المجتمع الدولي، ويتعامل معها بشأن قضايا تشكل أولية بالنسبة لكثير من الفاعلين فيه؛ كقضية الهجرة غير الشرعية، وقضية الإرهاب، ومسألة الضغوط التي يعاني منها الليبيون، والتخفيف منها مؤقتا؛ عن طريق إحداث تبديل في السلطات المؤقتة. وهذا يؤكده أن ما يطرح في الحوارات والبدائل التي تقوم عليها البعثة الأممية ينصب على المؤقت، ولا ينظر في غير تعاقب مراحل الانتقال، ويتجاهل كل تصورات حل الدستور الدائم؛ بما فيها مقترح الفيدراليين والملكيين بالعودة إلى دستور 1951م، والقطع عن طريقه مع مراحل ووثائق ومجالس وحكومات الانتقال.

د. الهادي بوحمرة

 

غومة | 30/09/2021 على الساعة 22:22
الخيال الضيق ينتج الاوهام البالية…!
اذا كانت الجماعة على غير دراية بما اتفقت عليه او ان مفهوم الجماعة لم يصل الى عقول محترفيه، اذا ما هي الفايده من استخدام مصطلحات مثل المجتمع، المواطنة، الدستور، الدولة، الموءسسات، الخ عندما لا تكون لها اي صدي "مجتمع" اساسه لا زالت القبيلة. ليبيا لا زالت عبارة عن تعبير جغرافي ان صح التعبير وكل الكلام عن الاستقلال والدساتير والدولة وغيرها انما مجرد تعابير جوفاء ليس لها من الصحة غير تلبية الاوهام باننا نعيش في عالم اتفق وبعضه مارس هذه الاختراعات منذ ان وصل له بعضهم. فاذا كانت ليبيا في القرن الواحد والعشرون لا زالت لا تسطيع حكم نفسها فما ادراك عندما كانت في اواسط القرن العشرين. فدستور ما يسمى الاستقلال كتب تحت الانتداب البريطاني واشراف الامم غير المتحدة باسم حوالي مليون شخص ٩٩،٩٪؜ منهم اميين. قرروا لها الشكل فيدرالي والحكم ملكية. وقبل ان تصبح جمهورية او جماهيرية موز كانت مملكة تبن! وعندما خرجوا في الشوارع كانوا تحت ثاءثير السوشل ميديا. الاحتجاج لا يولد ثورة بل شطحات عاطفية. الكلام عن الدستور في الوقت الحالي هو لتفادي الواقع: هل ليبيا مجتمع وما يربطه ببعضه وما هي نقاط الالتماس بين اعضاءه.
كمال التواتي | 30/09/2021 على الساعة 09:00
ياليت قومي يعلمون
لو حصلت الانتخابات في موعدها ووضعت حدا لمتاهة العشرية السابقة وزالت الوجوه الموجودة في المشهد فإن الطريق سيكون معبدا للاستفتاء علي مشروع الدستور المقر من الهيئة .. مقال رائع ذكتور الهادي.
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع