مقالات

البانوسي بن عثمان

‬الخطر ‬عندما‭ ‬يُهنْدس‭ ‬مِعّمار‭ ‬شمال‭ ‬شرق‭ ‬القرية

أرشيف الكاتب
2021/09/26 على الساعة 21:59

عندما انتبه لذلك وفجأتا، صار يلاحق هذا الغموض، الذى يظهر على بيوت شمال شرق القرية، اذ كانت جميعها، تولّى بظهورها الى القرية فلم تكن تنّفتح بأبوابها الى ازقة وساحات وطرقات القرية الضيقة، بل الى وعلى المحيط الخارجى الذى ينتهى بعد مئات الامتار، الى كثيب رمل تُشّغله وعلى نحو غير مُنتظم، اشجار نخيل متفرقة. كان اهل شمال شرق القرية، فى قديم الزمان، يتخذون من الكثيب، مكان لتخزين الفائض من منتوج ثمروهم، بدفنه ويوارونه، بداخل مطامير من رمل لحفظه وابعاده عن التسوس والتلف قد تمر على الثمر شهور قبل استخراجه، وقد يضطرون الى ذلك، قبل انقضاء حوّل من الزمان ليفسحوا به المكان لتخزين المنتوج الجديد.

لقد كان ّ مشّهد، عزوف وتعفف بيوت ذلك الحى عن مشاركة القرية، ضجيج ازقتها وساحاتها وطرقاتها الضيقة حاضرة وعلى نحو دائم بباله عبر محاولاته المستمرة للتفتيش عن تعليل شاف لذلك التلّغيز وبالرغم  من توغّله فى سنيين عمره الاربعين لم يستطع التخلص والافلات من ملاحقة  هذا الغموض الذى  بدأ له، مكّمن ومكان مفتاح شخصية ركن شمال شرق القرية فى سكنه وساكنيه. 

كانت مراقبة للقرية، من على شمال شرقها المُحمل بالغموض تظهر له وهى مُنكفأ على ذاتها، عبر انفتاح ابوابها الى ازقّتها وساحاتها وشوارعها الضيقة، وحرّصها على ان تولى  بظهر بيوتها، قٌبالة الخارج الى المحيط كان يُذكره كل هذا، بمشّهد كرّدسة القطيع على ذاته، للاحتماء بها وبهمهمته، من كل ذات مخّلب وناب وهذا اعتاد ان يجُرّه لتساؤل يقول :- هل كان عزوف ركن شمال شرق القرية الظاهر، بانفتاحها الى المحيط، بعيدا عن ضجيج ازقة القرية وساحتها هو فى وجه من الوجوه، نفور من القطيع وكرّدسته السلبية فى مٌشاغلته للأخطار المميتة، التى قد تحدث بغّته وعلى حين غفّلة، لتغّشى القرية من محيطها.

وهل هذا يعنى، بان هذا القاطن شمال شرق القرية، متخذا منه فضاء يبتنى عليه بيوته ويقيم فوقه سكناه، بأبواب تنفتح الى المحيط قد صِيغ وشُكل فى حواضن تنشئة المُبكرة البعيدة، على اساليب ليس من بينها، الاحتماء بالكرّدسة والهمهمة من الاخطار. بل علي صيغ وسبل وبوسائل جعلته ينفتح الى المحيط، لا بالانكفاء الى الداخل.

ففى ذلك الزمان الغابر، من ازمنة القرى، كانت الاخطار تأتى من المحيط، لا من الداخل ولهذا اقيمت الابراج والقلاع، على اطراف حواضر ذلك الزمان، لاستشراف الاخطار والاستعداد لها.

وقد كان حضور القلاع والابراج، الى داخل مجال تفّكيره، اثنا ملاحقته غموض ركن شمال شرق القرية، او ربما العكس، نبهه الى الغُرف، التى كان يُقيمها، هذا الركن من القرية، فوق البعض من اسطح بيوته، فى تفرّد ظاهر عن بقية بيوت القرية فهل هذا يُشير الى ان بعض من ماضى هؤلاء قد صاغته وشكّلته أبجدية القلاع والابراج.

ولكن كانت تراود باله احياننا، قراءة اخرى موازية تقول بان هؤلاء، قد جاءوا الى هذه الانحاء، كما تقول بعض روايات زمن الاتراك، من داخل فضاء الجنوب، الى اطرافه الشمالية، التى تتماس مع السواد وطبيعة الهاروج الوعرة نزحوا فى ما يبدو،  ملاحقون من قِبل عدو ذى شوكة مما اضطرهم الى ابتناء منازلهم اينما حلّوا، على اطراف المكان الوافدين علية، بأبواب تنفتح  الى وعلى المحيط لاستشراف الخطر قبل فوات الاوان.

كان كل ما جاء فى قراءته هذه مُسّتلهم مدعوم ومسنود من وقائع ماضى القرية البعيد والفقير، فى محطاته ووقفاته الخَشِنة فقد كان هذا الحى، لا غيره، مَن يُشغل ويُشاغل هذه الوقفات والمحطات الفارقة، وحتى عندما يُبادر بفعّله لاستنهاض القرية واستفزازها، كانت ودائما، تركن الى الكرّدسة والهمهمة، للتفاعل مع الطارئ الجديد.

وعندما جاءت احد هذه المحطات الفارقة، لتعصف بحاضر زمن القرية فى ما عُرف بالعشرية الدامية وقد كان شاهدا عيان علي احداثها، اكدت له بأحداثها، الفرضية التى نهضت عليها مُقاربة، لتلغيز شمال شرق القرية.

اذ ومع الشهور الاولى للعشرية، صارت القرية وبتحريض ودعم، من الجهات الرسمية، تُسّير ومع كل مساء، مسيرات تجوب شوارعها بمواكب سيارات، تردد هتافات متوعّده شرا، تختلط مع هدير السيارات وزعيق مُنبهاتها الحاد، مدعوم كل هذا الضجيج، بصلّيات طويلة لبنادق آلية، كانت تمزق سكون الليل بسفه ظاهر.

كان وفى وقتها شمال شرق القرية، بعيدا عن كل هذا، يُراقب وفى صمت، فهو يرى فى القرية، ليس غير الجار والصاحب والشريك، بل والمُسن والعجوز والمريض والمرأة مع الطفل، وهؤلاء وفى المطلق، لا يجب ترّويعهم واخافتهم، ناهيك مع ساعات مُتأخرة من الليل وعندما حاولت تلك المسيرات تمّرير هُتافها المقرون بضجيجها، عبر فضاء حي شمال شرق القرية، اعترضها ومنعها من فعل ذلك، بتشّتيتها.

وعنما وَفَد على القرية، حشد كبير من مرتزقة ملوّنين، يُرّسلون جدائل شعورهم لتنهى الى اكتافهم، ويتسلحون ببنادق آلية وسيارات دفع رباعي. وبدعم وتوجيه من الجهات الرسمية حينها اتخذ هذا الحشد من محطة الكهرباء، تكنة عسكرية له، ومنها سيّر دوريات تجوب القرية ومحيطها، وصارت تعتدى على املاك  بعض الناس.

عندها اصبحت القرية تستيقظ صباحا، على ازقة وساحات، تتغطى بمناشير تستنهض القرية وتستحثها على الوقوف، فى وجه هؤلاء الملونين، ومن اتى بهم ولكن، حتى وان كان استنهاض المناشير، لم يجد صداه فى نفوس القرية كان له اثر ظاهر مُسّتَفز، فى سلوك هؤلاء الملونين فما لبت ثقل هذا الفعل، وما يحمله من ضغط نفسي، يرهق هؤلاء ويزّعجهم، حتى انفلت فى خلاف فى ما بينهم، خطّته زخّات الرصاص كانت نتائجه ما يزيد على اربعة قتلى، دفنوا بعيد عن مقبرة القرية كانت حينها اصابع القرية، تُشير وفى ما بعد وحتى الان، الى شمال شرق القرية، كمصدر لهذه المناشير.

وعندما توغلت القرية كغيرها فى سنين العشّرية الدامية، صار الطريق الرابط ما بين الجنوب والشمال، عُرّضة لفعل الحرابة، من قتل وخطف وابتزاز، على يد عصابات ومافيات اجرامية، طال فى ما بعد القرية وحتى محيطها البعيد.

حينها انبرى شمال شرق القرية، فى احد ابنائه، بمُشاغلة هذه الحالة، التى اخافت القرية ومحيطها، باعتراض المُخِيف المُفّزع وملاحقته، بأيادي جسم عسكري مسلح، قد اشتغل واجتهد على بعثه فى كيان القرية، وقد ثم هذا البعث من خلال خلق نواة استقطب بها، بعض من الشباب، تولى معهم وبهم، ادارة ودحر الخوف وإبعاده، عن القرية ومحيطها القريب والبعيد، وصار بفعّلهم، الطريق العام آمننا.

ولكن واثناء ملاحقته ذلك الغموض، ما فتأ يلاحقه ايضا اعتقاد يقول من المفيد التفتيش عن حيثيات التلغيز، الذى يكتنف معمار هذا الحي، فى داخل ازقة وساحات وبيوت القرية مما دفعه للتقدم نحو البيوت والازقة والساحات فى محاولة منه لجسّها عبر الاحتكاك بها مُشافه، وقد كان يرى فى هذا الاحتكاك الشفهي، خطوة جيدة، نحو تطوير تحرّيه وبحثه، وسيُتيح له هذا الفعل ايضا. الوقوف على ردود افعال القرية، اتجاه حي شمالها الشرقي.

فجاء ما توقعه مُبكرا، اذ كانت القرية عند استدراجها الى الحديث، تسعى وتجتهد لتقول الكثير، ولكن يأتي قوّلها ودائما، بعيد عن شئون ركن شمالها الشرقي. فارجع ذلك بعد تأمل وتفكير، الى تراجع وضمور فى مساحة المشترك، ما بين القرية وذلك الحىّ.

وقد تبين له صدق هذا، فى عديد المرات فعندما كان يُلامس حديثه مع القرية العشّرية الدامية واحداثها حينها ترتفع نبّرة صوت القرية وتحّتد، وفى الغالب كان يُغيب تركيزها، فيأتي حديثها مهلهل مفكك، مما يضطر الى رتّقه، بكم ليس بالقليل من الاستفهامات ليصل بذلك الى مضمون واضح لما قالت القرية وتقول.

ففى احد المّرات، التى كان يحاول فيها تهدئة القرية، عندما تدهور تركيزها، وصار بذلك مضمون حديثها مُبعثرا مُهلهل يصعب لملمته انتفضت فى وجهه، فى محاولة منها لتبرير توترها وقالت :لقد كان دائما هذا الحى مختلفا، لا يشارك كل القرية  فى جل خطواتها ولا يلتفت الى توجهاتها.

ثم اردفت، وهذا القول ليس فيه ادعاء، بل هناك الكثير مما يؤكده من شواهد ووقائع واحداث، من زمننا القريب وحاضرنا الذى نعيش، فمع بدايات العشرية الدامية، وعندما اكتست  اسطح بيوت القرية ببيارق خضراء، ضلت اسطح بيوت ذلك الحى حاسرة الرأس وعندما سيّرت القرية، مسيرات ليلية تجوب ازقتها وشوارعها الضيقة وقف شمال شرق القرية مُتفرجا فى صمت وعندما حاولت القرية تمرير مسيراتها الليلية بهتافها وضجيجها الى داخل حيّه اعترضها وشتتها وعندما وفد على القرية حشد من مرتزقة ملونين، وكان ذلك، بتوجيه ودعم من الجهات الرسمية حينها، رفض التعاون، بل صار يحرض ومن طرف خفى للوقوف وكما تقول منشوراته، فى وجه الارتزاق الدخيل القاتل بل وعندما طُلب منه، وخلال بدايات العشرية السوداء، التسلح كباقي عموم القرية. قَبِل واستلام بنادق آلية  دونما تردد، وعندما طُلب منه، مهاجمة ساكني شمال غرب البلاد رفض وعندما سُئل ولماذا إذن، استلمت السلاح؟ كان رده للدفاع عن القرية، ان تعرضت لسوء.

بعدما استمع لكل ما جاء فى قول القرية، اطرق قليلا، ثم رد فى اسهاب قائلا للقرية :ولكن ورغم كل ما جاء فى قولك، لم يقم شمال شرق القرية، بأي فعل يُحّسب عداي وعدواني تجاهك فكما عرفت من تقصى اثره فى الماضى البعيد بان شمال شرق القرية، كان نزّاع بطبّعة نحو المشاركة فى الاحداث والوقفات الاستثنائية ولكن بما تملى عليه، وتلّزمه به مرجعيّاته وثوابته الثقافية لا غيرها.

فقد يتبيّن الباحث فى ماضي هذا الحى، بان مُشاركاته، لم  تنتهى عند حدود الجنوب، بل كانت تتخطّاه الى ما بعده فمن مشاركاته فى معركة الحْسّى ومرزق بالجنوب، الى معارك دارت فى مناطق بوسط البلاد بو نجيم وادى بيى بوقرين ومحيطها. كل هذا حدث زمن الترك وما بعده.

ويُقال بان نصيبه من الغنائم، التى اصابها فى  احد المعارك، التى دارة بالوسط، كان من بينها ثلاث سباي، باع اثنتين منهن فى منطقة الشرقيات وام الارانب واتخذ من الاخرى زوجة وله منها اثر كما يقال لازال يقيم فى شمال شرق القرية بل والملفت فى هذا ان اهل هؤلاء السبايا قد قدموا الى القرية حديتا اى بعد مرمر قرنيين من الزمان ويزيد، من وقوع الحادثة مقتفيين اثر بناتهم  مُتقصّين مُستفهمين ولم اجد تعليل لذلك، سوى بان تلك السبايا، لم يكنّ نكرات فى قومهن، بل ربما يرَجعن الى اشّرافهم.

بعدما استمع الى حديث القرية، صار يرجح عزوف شمال شرق القرية، عن مشاركة القرية ضجيج ازقتها وساحاتها وطرقاتها الضيقة الى غياب وضمور فى مساحة المشترك، فى ما بينهما وزاد من انحيازه الى هذا الترجيح ما تداولته القرية فى زمن سابق ليس ببعيد من خلال ما وصل الى ما بين ايديها من وثائق قد ثم تسّريبها على نحو وفى ضرف غامض، كانت بعض من تلك الوثائق، تلامس ماضى شمال شرق القرية تقول كما جاء فى مخطوطاتها ونعرف منه :بان هؤلاء الذين اتخذوا من شمال شرق القرية، بيوت وسكن لهم قد نزحوا الى المكان، ملاحقون من جند الاتراك وظهيرهم بعد سقوط دولة الفاسي بمرزق، الذى ينتهى بنسبه الى ادارسة المغرب الاقصى مما اضطر أيادي الفاسي بعدما تفرّقت، من الانضواء تحت مضلات قبليّة عديدة، بغرض التخفي بداخلها والاحتماء بها من بطش الترك وجورهم.

كان كلما توغل فى التّقرب من شمال شرق القرية ترسّخت عنده قناعة بان الاختلاف ما بين الحى والقرية، الذى يلاحظه المراقب، ومن تكتنفه حياة القرية الرتيبة يرجع  فى مجّمله الى هذا الماضى المتنوع، الذى شكّل وصاغ فى الماضى البعيد، ثقافة شمال شرق القرية مدعوم بصبْغ وجين وراثي مختلف فالماضى المتنوع يثرى التجربة، وينضج صاحبها واذا تصادفت مع صبغ وجين وراثي مختلف فقد يلد حينها المُختلف، من رحم المعتاد وفى جوف العادي.

بعدما لملم ورتب، كل ما صاغه عن شمال شرق القرية وانتهى فى ملاحقته لهذا التلغير، بإرجاعه فى مجمله الى ضمور وتراجع المشترك فى ما بينهما كان يرى فى السعى نحو رسم صورة لسيد هذا الحى خطوة فى اتجاه تجسيد، احد وجهى الاختلاف، الذى قعّد واسس لضمور وتراجع فى مساحة المشترك ما بين القرية وركن شمالها الشرقى فقد كان يعتقد، بان السيد وفى تفاعله مع الحياة سيكون ليس غير استلهام لمرجعيات وثوابت عديدة، تتغدى عليها ثقافة شمال شرق القرية.

فجاءت الصورة كما التقطها حواسه، من افواه عديد القرية :تقول وبتركيز شديد :بانه تخطى الثمانين، قريب من الصمت. قليل الابتسام بعيدا عن القهقهة لا يشارك جلسائه الحديث، الا اذا ارتفع الى ما يُخرجه من مراتب اللغو بعيد وقريب من القرية فى آن، حاضرا بفعالية فى ضرفها الاستثنائي، وبعيد الى الاطراف فى حياتها العادية يحب من المحيط الذى يعايشه ويُخالطه، التقدم خطوة الى حيت هو، ليتّخذ منهم صحّبة ورفقاء ولهذا كانوا قليل ما هم.

انتهى

البانوسى بن عثمان
الجنوب الليبيى فى 21 - 9 - 19 م

*النص مستوحى من الفضاء القروى لمنطقة لبّوانيس بالجنوب الليبي.

 

 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع