مقالات

وفاء البوعيسي

مصطفى محمود.. الرجل الذي جعل من الجهل علماً له أصول

أرشيف الكاتب
2021/09/24 على الساعة 21:14

الرجل الذي جعل من الجهل علماً له أصول. هي ذي العبارة الأكثر ملائمة التي وجدتها لوصفه. لا يمكنني التمسك بموقف المشاهِدة المحايدة، إزاء استعادة محاضراته الرثة التي جمع فيها بين متناقضين؛ العلم والإيمان. 

لقد عمل هذا الرجل لسنوات، على تعطيل قدرة أجيال كاملة على التفكير بموضوعية، حتى أصابها بمرض عضال.

محمود هو النموذج الخام، الذي يعرف جيداً كيف يسوق للجهل على أنه فضيلة. من خلال عرض أفكار غير منهجية عن الإعجاز العلمي في القرآن. استولى على كثيرٍ من جهود علماء غربيين، لوثائقيات مصورة عن عالم الطبيعة، أو ردود فعل الإنسان اللاإرادية على بعض المواقف، أخفى متعمداً الحوارات المصاحبة لها، وكانت ترصد وتحلل كل حركة وسكنة للكائنات المذكورة، وتمنحها تفسيراً علمياً، من واقع المشاهدة والدراسة لشهور بل وسنوات، لفّق محمود عباراته المبتذلة  للوثائقيات، بعد أن أخضعها طوعاً أو كرهاً، لآيات قرآنية زعم أنها علمية. وربط بين كثير من ردود فعل الحشرات والنباتات ،لغايات وإلهام إلهي، لكنه نسى أن يُحضر دليله على أن الله قد بعث رسولاً من الحشرات، يلهمها كيف تتزاوج وتعيش وتحمي نفسها من الخطر!

جمع محمود بين متضادين في برنامجه؛ الإيمان بما هو اعتقادٌ يقيني بالخوارق، والوجود المُفارق للعالم المحسوس دون دليل، وبين العلم بما هو فرضيات تخضع للفحص الصارم، وقد تقود الفرضية لإثبات نفسها أو نفيها أو تعديلها، بحسب الأدوات التي توفرت وقت الفحص، بما يعني احتمال تغيرها مستقبلاً.    

لمحمود كاريزما قادرة على غواية المشاهدين، حتى لتتصاعد من حوله أعمدة البخور، لمَ لا وهو "شيخ علم وبروفيسور" زُعم عنه أو زعم لنفسه، أنه قد ألحد يومًا، لكنه تاب إلى رشده، بعد أن عكف على دراسة القرآن وحده دون مساعدة الفقهاء، الأمر الذي أُشكك فيه شخصيًا، فقد قرآت كتابه "حوار مع صديقي الملحد"، ورأيت كيف عالج أسئلة أظنه اصطنعها ثم أجاب عليها، ليوهم العوام والدهماء وقليلو التعليم، بأن عودته للدين عن طريق العلم، هي فتح للدين وفتح للأمة التي لم تصنع حتى علبة حليب بودرة للأطفال، بل استوردته مع الصواريخ والملابس والأسمدة الزراعية والمواد الغذائية والدواء.

أن يخطئ أُناس الستينات والسبعينات البسطاء، في فهم مصطفى محمود فذلك أمرٰ لا يفاجأني، فقد سوّق الأزهر ووزراء الإعلام العربي للرجل، بتلك الفترة التي شهدت وجود تيارات فكرية قوية بالعالم العربي، كانت التيارات اليسارية والشيوعية أقواها، والكتابات العلمانية مقروءة بقوة قي لبنان سوريا مصر العراق السودان تونس الجزاير ليبيا المغرب، سوّق له أولئك الرجعيون ليمتص خيبة القاعدة الشعبية المهمشة، المجروحة بعد هزيمة 67، وكانت تبحث عن ملاذ يحفظ لها إيمانها، ويقنعها أنها على حق، لكنها فشلت يسبب الابتعاد عن الدين وليس لأسباب تاريخية وموضوعية متداخلة.

أقول لا يفاجأني بسبب ذيوع أمية القراءة وقتذاك، لكن يفاجأني جداً خطأ أُناس الألفينات من جيل الفيس والستالايت والـ pdf المجاني، ويفاجأني أن لا يحرك أحدهم ساكناً، تجاه استعادة برامجه المفتراة على العلم وعلى القرآن معاً، فهذا مؤشر انحطاط كبير، إذ يبدو الأمر كما لو أن الشراب القاتل (للعقل) هو الذي يكرع منه الناس مراراً وتكراراً!

السبب في عودة الاهتمام بذلك المفتري (شخشيخة الاخوان والأزهر)، كونه الآن وبعد فوضى الربيع العربي، قد بات حاجةً ملحةً للتائهين وسط التجاذبات الفكرية التي تعصف بنا. ومحاولة اليسار العربي تجديد نفسه، وعودة الطروحات العلمانية الفكرية، لبناء الدولة الجديدة في مصر في ليبيا في العراق في سوريا، وتنحية الدين جانباً إلى الكنائس والكُنس والمساجد، لينعم الجميع بالسلام والتآخي.

مصطفى محمود، يقدم مُلهياتٍ عقلية عن الأسئلة الكبرى؛ لماذا لم ننجح ونحن خير أمة أُخرجت للناس؟ لماذا لم نتقدم علمياً ،رغم أننا نحوز على كنز  العلوم (القرآن)؟ لماذا لم ننتصر في معاركنا الكبرى، ليس على إسرائيل، بل على الجهل والفساد والتعصب والديكتاتورية، ونحن نملك المال والشباب والأدمغة والعلاقات مع العالم المتقدم بآسيا وأوروبا وأميركا، وأجوبة ذلك المهرج تختار أسهل وأرخص العبارات، وأكثرها تهافتاً من الموجودة بالسوق، وعلى الأرصفة والرفوف، وفوق الثلاجة، وتحت السرير، لكنها الأفدح نتائجاً، والأسوأ تبعات، والأشد وقعاً على التطور المجتمعي، إنه تلفيق العلوم التطبيقية الحديثة للقرآن! 

وكخاتمة أريدها أن تكون واضحة، إنها أنني لا أدعو إطلاقاً، لنزع الدين من حياة الناس، ووجدانهم، إنما أقول إن القرآن هو كتاب هداية، والدين هو حالة تعبد يجب احترامها، وترقيتها، والنأي بها عن المرتزقة والتائهين فكريًا والعابثين، الذين أجهدوا القرآن لشدة ما يلوون أعناق الآيات فيه، والعسف بمعانيها اللغوية والفقهية، وتجريدها من قدسيتها، حين يلفقون لها كشفا علميا، ثم ينزعونه عنها، حين يتراجع العلم عن نتائجه الأولى لصالح نتيجة جديدة. 

وفاء البوعيسي

Mohamed e non | 26/09/2021 على الساعة 14:19
مقال ممتاز
أتمنى أن يصل هذا المقال لعقل القارئ وان ينزع عنه اي تحيزات عاطفية او ايدلوجية أثناء قرائته لانه نادرا مانجد من يكتب بعقلانية حول المدعي للعلم مصطفى محمود.
قاريء | 26/09/2021 على الساعة 11:45
كلام لاقيمة له
انت لم تقدمي لنا دليلا واحد على ما نشره او قاله مصطفى محمود في احدى حلقاته "العلم والايمان " فكل ماذكرته هو مجرد هجوم عشوائي وتعبيرات انشائية لاقيمة لها
مختار عبد النور | 25/09/2021 على الساعة 17:05
ما هكذا تورد الإبل
السيدة البوعيسي.. للأسف لم أجد حقائق علمية أو نقد يؤكد ما هدف اليه مقالك ... هو مجرد رأي وانا احترم ذلك ولكنه لا يرقى للمستوى الذي عهدناك عليه ... مع احترامي لكل الآراء
غومة | 25/09/2021 على الساعة 16:28
العلم والدين شاءن لا يلتقيان
الدين والعلم يسيران في خطيين متوازيين مثل سكة الحديد. الدين يعتني بما وراء الطبيعة والعلم يعتني بالطبيعة. ربما ظهر الدين قبل العلم ولكن العلم منذ نشاءته كان يحاول تحجيم وتصحيح بعض معطيات الدين. كروية الارض، نظرية النشوء والتطور، الجنيات، الخ. مشكلة الثقافة العربية تكمن في انها وقعت تحت سيطرة الدين الذي بدوره وضع حواجز وسدود امام الروافد الاخرى التي من المفروض ان تزود وتخصب تلك الثقافة: معظم الفنون ( ما عدى الشعر!) وكل التعبيرات الجسدية التي تسوق الى التلذذ والمتعة. فبالتالي اضحت ثقافة سفسطائية تناقش مواضيع مجردة ليس لها بداية او نهاية، الاجابة مثل السؤال لا ينتماءن الى الواقع وانما يحلقان في فضاءات ليس للعقل وسيلة لادراك محتوياتها: مثل الحوار بين الغزلي وابن رشد : الاثنان اتفقوا بان الدين مصدر المعرفة مشكلتهما انحصرت في هل للعقل دور في هذه المعرفة. الغزالي لم يعطي للعقل اهمية في حين ابن رشد تبع ابن طفيل وقال العقل قادر على اثبات وجود الاله! هنالك اختلاف عميق ولكن هذا الاختلاف لم يقد الى التجديد في التفكير وتقليم الدور المتعاظم للدين حتى استبد واستحوذ على كل مناحي النشاط الانساني.غومة
abdulhadi | 25/09/2021 على الساعة 11:22
الدليل
الأستاذة/وفاء البوعيسي الدكتور مصطفى محمود تربى على ما كتبه وعلى ما قدمه من خلال التلفزيون..نتفق أو نختلف مع ما قدمه هذا أمر آخر..ولكن مقالك -للاسف-جاء إنشائيا بعيدا عن لغة النقد التي تسرد الحجة والدليل...ما جعلني اتوقع ان يكون المقال يتكون من اكثر من جزء..لانه جاء كمقدمة ليأتي الجزء التاني يحمل الادلة على ماتقولين..كنت اتمنى ان اقرا مقالا به الرد القوي والمقنع لا ان يكون مرسلا بلا دليل..وهذا ما لم نتعود من كاتبة ضليعة اسمها وفاء البوعيسي..لك جزيل الشكر
محمود رمضان | 25/09/2021 على الساعة 09:57
مقال كاشف لحقيقة الاوهام.
والله لقد اصبت كبد الحقيقة واخترت الوصف الحقيقي لاعمال هذا الكاتب الذي ضيع اجيال واجيال في عقلنة الاماني والاوهام .شكرا لك على هذا المقال.
سالم صالح | 25/09/2021 على الساعة 07:46
الصادق النيهوم / جريدة الحقيقة
مصطفى محمود ينسخ من الامام الغزالى
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع