مقالات

سالم الكبتي

لجنة جمع التراث في الجامعة الليبية (4)

أرشيف الكاتب
2021/09/24 على الساعة 18:35

لجنة جمع التراث في الجامعة الليبية (4)
(1972 - 1976) تجربة شخصية

.. في نهاية العطلة الصيفية للعام الجامعي 1972 كانت اللجنة قد حققت في واقع الأمر الكثير من النجاحات عبر عمليات التجميع المتواصلة ومن خلال التسجيلات والتدوينات التي قام بها أعضاؤها وكذا الطلبة الذين أوفدوا في رحلات ميدانية إلى كل المناطق وقد ظلت اللجنة تراعي إختيار أولئك الطلبة من المناطق نفسها التي ينتمون إليها ويقيمون فيها ليسهل عملهم ويكون عامل الثقة والأرتياح حاضرا وغير غائب ممن يقصدونهم لتلقي رواياتهم. إضافة إلى التواصل مع كثيرا من المتعاونين مع اللجنة الذين لم يتوقفوا عن المبادرة في تقديمهم للأقتراحات المفيدة وتشجيعهم لعمل اللجنة ورسالتها.

وعلى هذا كان عام 1972 ثريا وحافلا جدا بالأنشطة الأولى للجنة وكانت بداياتها وفقا لذلك كبيرا وأسهم في تطورها عبر الأيام وسار عمل اللجنة وفق نظام إداري وفني إسترعى الأهتمام من الجميع. وكان حصاد هذا العام أكثر من المتوقع. كانت الظروف تختلف عن الأن كثيرا. لم يكن ثمة تحفظات أو تخوفات عند من يتم الألتقاء بهم ولم توجد أية حساسيات في الأدلاء بالروايات أو خشية من إثارة مشاكل أو التباسات قد تطرأ عن موضوعات وتفاصيل شعرية قديمة وظلت في إطارها التاريخي القديم دون أن تتجاوزه.

(الهجاء والسخرية والمداعبات الشخصية والمواقف أيام الأحتلال على سبيل المثال بين الشعراء الذين كان أغلبهم في ذمة الله والتاريخ). الأن فيما يبدو الأمر صار مخيفا ومقلقا والجميع يدرك ذلك ويتفهمه ويبتعد عنه أيضا. لايمكن أن تمر الروايات بسهولة عابرة فهناك التأويلات والشكوك وغيرها الكثير مما يشوش على العمل ويفعمه بالأرباك والحرج والمشاكل.

واللجنة في الواقع (في كل أعمالها) كانت تراعي في الوقت نفسه كل هذه الأمور وتحتفظ بما يتعلق بأمانة الرواية والمنهجية العلمية وتجعل في أغلب الأحيان مجمل الروايات والأخبار التي قد تؤدي إلى حساسيات.. محفوظة في إرشيفها وتحاشت نقلها ونشرها للأخرين. إن هذا الأمر كان ضروريا ومهما للغاية. المجتمع الليبي لايقبل بسهولة هذه الأراء وإختلافاتها ولايسمح بنبش مالايفيد أو إستعادته وإسقاطه بطرق سلبية تضر أكثر مما تنفع.

وقد تعددت أوجه نشاط اللجنة في ذلك العام.. فمن متابعة للشعراء والرواة الكبار ومخاطبتهم ودعوتهم للمشاركة في حفظ هذا التراث في كل المدن والدواخل (حسين الحلافي وجعفر الحبوني مثالا) إلى الأهتمام بأرسال المزيد من الطلبة للقيام بالعمل الميداني والتسجيل المباشر. كانت اللجنة إضافة إلى برامج العطلة الصيفية تنتهز عطل المناسبات لهذا الغرض فمثلا في عطلة عيد الفطر أو نصف السنة ومابعدها في عيد الأضحى كلفت الطالب بقسم الجغرافيا علي محمود إسماعيل بالتسجيل والتدوين في سرت وبوهادي وهراوة والأربعين وقابل في جولته العديد من الشعراء والرواة.. مصطفى إرحومة وعبد الجبار القحصي ومحمد بن قارح الجماعي ومحمد برويلة المعداني وشقيقه سلامة المعداني.. وغيرهم.

أن إيفاد الطلبة في هذا العمل الوطني والعلمي إلى مختلف الأماكن غدا يحقق نجاحات رائعة في الكشف عن الكثير من المجهول من تراثنا. وستظفر اللجنة بهذه الوسيلة بمكاسب عظيمة في الجمع والتدوين من كثير من المخلصين الجادين كما سيتبين لاحقا وكانوا من أسباب النجاح الحقيقية لعمل اللجنة. لقد كان دور هؤلاء الطلبة مهما جدا ورائدا في تحقيق جهود لاتنسى علاوة على إستفادتهم الشخصية والعلمية في معرفة تاريخ وطنهم ورجاله وتراثه وأغلبهم الأن في مواقع مختلفة أو بلغ سن التقاعد ومنهم من غادر الحياة رحمهم الله.

ولم يقتصر العمل أو الجمع أو التدوين فيما يتعلق بالشعر الشعبي دون غيره من جوانب التراث لكنه شمل الأمثال الشعبية والقصص والحكايات والأساطير والأغاني وكل الفنون. لقد تم إجراء اللقاءات مع كبار السن من الرجال والنساء وكل المعاصرين لأحداث الوطن والمجتمع عبر كل المراحل التاريخية وفي كل العهود. ثم ظلت في حقيقة الأمر عملية التفريغ والأستماع المباشر من الأشرطة والتسجيلات من أصعب مراحل العمل ففيها معاناة ومتابعة وتكرار للأستماع من الراوي أو الشاعر لكلمة واحدة لكي يستقيم ضبطها على سبيل المثال ولكي يتم تدوينها بأمانة وطريقة سليمة.

وباشرنا في اللجنة في هذه المهمة الصعبة بمجرد وصول تلك التسجيلات تباعا أو الحصول على سواها. يتم الأستماع وتدون القصائد والروايات وتفرغ في ورق ثم تطبع وتراجع وتصحح وتحفظ في ملف أعد لكل شاعر أو راوية توطئة لما تنوي اللجنة القيام بنشره مستقبلا.

ولابد لي من التوكيد والأعادة بأن عملية التفريغ والنقل كانت صعبة للغاية. لكنها في أحيان كثيرة ظلت ميسرة بفضل الحماس الذي غلب على العمل مع الجهود الطيبة وأضحت جميع القصائد والروايات مطبوعة ومحفوظة بطريقة علمية بعد تدوينها تدوينا صحيحا وسليما للغاية. وهنا فكرت اللجنة في إصدار مجلة أو دورية تهتم بنشر الدراسات والأبحاث العلمية الخاصة بالتراث الشعبي مع نماذج من النصوص وشرعت بالفعل في تنفيذ الفكرة ومتابعتها وخاطبت المهتمين في الداخل والخارج من ذوي العلاقة ثم أرجأت هذا التنفيذ حتى تتحصل على رصيد كبير من نتاج وراعت لاحقا أن يكون إصدارها الأول هو نشر القصائد في ديوان للشعر الشعبي يتسلسل في أجزاء متتابعة ومتكاملة ورأت أن ذلك سيتيح فرصة مناسبة لكتابة الدراسات والمقالات والبحوث على ضوء صدور الديوان.

ثم توسعت اللجنة في علاقاتها بالتشاور مع إدارة الكلية فوجهت دعوات إلى بعض السادة المهتمين بالتراث الشعبي وموضوعاته المختلفة لتكوين لجنة إستشارية منهم وهم من خارج الجامعة للأستفادة من تجربتهم ومعرفتهم السابقة لهذه الجوانب والقضايا. دعت الأساتذة: رجب الماجري ود.الشريف البدري وعبدالرحمن بونخيلة وعبدالعزيز كرد وعبدربه الغناي وعبدالسلام قادربوه وعوض الهوني إضافة إلى الأستاذ أحمد القلال أمين المكتبة العامة للجامعة الليبية وبدأت هذه اللجنة الأستشارية إجتماعاتها الدورية في مقر اللجنة إعتبارا من الثاني عشر من أغسطس 1972 وتواصلت إلى عام 1975. وثقت هذه الأجتماعات بمحاضر ومضابط كنت أتولى تحريرها وموافاة إدارة الكلية بنسخ منها. وقد أسهمت هذه الأجتماعات بما دار فيها وشهدته من أراء ونقاشات وإقتراحات في المزيد من تطور عمل اللجنة وتقدمها إلى الأمام. وللأمانة التاريخية فأنني أشهد بأن هؤلاء الأساتذة الكرام وأغلبهم الأن في ذمة الله كانوا يحضرون في كل الأوقات والظروف وأحيانا إلى مواعيد متأخرة في ليالي شهر رمضان المبارك ولم يقصروا في جهودهم المهمة وظل ذلك على سبيل التطوع منهم ولم ينالوا عليه أية مكافأت أو مزايا.

وتعريفا للجنة بنفسها وبدورها أحيت أمسيتين شعريتين متتابعتين في رمضان 1972. كانت الأولى بالفصحى والثانية بالعامية. أقيمتا في مدرج رفيق بكلية الأداب الذي زحم بالحضور من داخل الجامعة وخارجها. شارك فيهما.. الفصحى الشاعران رجب الماجري وحسين الغناي. والعامية الشاعران عبدالقادر أدم الرقعي ومحمد بوغماز اللذين قدما من خارج بنغازي للمشاركة في الأمسية بدعوة من الكلية فيما قدم د.علي الساحلي نصوصا مختارة مما جمعته اللجنة للشعراء إمحمد قنانة الزيداني وعبدالمطلب الجماعي وحسين الحلافي الذي دعته اللجنة ولم تمكنه ظروفه الصحية وأيام الصيام من الحضور والمشاركة في الأمسية.

هذه الأنشطة وهذا الحراك للجنة أعطى فكرة مجملة للمهتمين والمتابعين من خارج الجامعة عن إهتمامها بأعتبارها مؤسسة علمية بتراث الوطن وتاريخه وساعد كثيرا في المزيد من التجاوب معها وتقديرعملها والمشاركة بحماس متجدد في تلك الجهود المتواصلة التي لاتتحقق بيد واحدة لكنها تكتمل بتلاقي كل الأيدي نحو العمل الشريف والمخلص الذي يبقى مع مرور الزمن.

في نهاية العام الجامعي بعد إكتمال موسم الجمع والمسح الأول إنتقل د. عمرو النامي إلى كلية التربية في طرابلس (كانت الجامعة أيامها واحدة) أستاذا بها ثم إنتهى به الأمر في إبريل 1973 إلى السجن ومحاصرته والتضييق عليه من قبل السلطة في تلك الفترة رحمه الله. فيما غادر علي أبوزعكوك إلى الولايات المتحدة لمواصلة دراسته العليا. لكن العمل أستمر كما هو بوجود د.علي الساحلي وسالم الكبتي دون أي تغيير جديد في أعضاء اللجنة بدلا من الأستاذين النامي وأبوزعكوك وتواصلت إجتماعات وأعمال الفريق الأستشاري وتوالت الخطوات بقوة وصولا إلى إنجاز أهداف اللجنة في صون تراثنا الشعبي والعناية به وتقديمه للأجيال في صورته الحقيقية دون طمس أو تشويه.

وتطويرا أخر للعمل رأت الجامعة الأستفادة من خبرة وزارة الثقافة والأخبار بالجمهورية التونسية في هذا المجال قام د. منصور الكيخيا عميد الكلية وكان في نفس اللحظة وكيلا للجامعة بالوكالة في تلك الأيام بمخاطبة الوزارة المذكورة بتاريخ 13 سبتمبر 1972 في شأن إيفاد د. علي الساحلي وسالم الكبتي إلى تونس للأطلاع على الطرق والأساليب المتبعة في قسم الفنون الشعبية التابع للوزارة هناك والذي يرأسه الأستاذ الباحث محمد المرزوقي وتبادل الأراء والمعلومات بالخصوص والأستفادة من التجربة التونسية التي كانت إنطلقت عام 1959 (دون إغفال الأستفادة المتلاحقة من التجربة المحلية). حددت الرسالة أن الزيارة المرتقبة ستكون في موعد غايته النصف الثاني من شهر نوفمبر 1972

كان رد الوزارة في تونس إيجابيا وصل إلى الجامعة بتاريخ 25 سبتمبر مبدية ترحيبها بزيارة (الأخوين الكريمين الساحلي والكبتي ونرجو منكم إبلاغنا بتايخ قدومهما)... ثم بدأت الزيارة لهذا الغرض العلمي إلى تونس يوم الخميس السابع من ديسمبر 1972.

يتبع ...

سالم الكبتي

راجع:

 - لجنة جمع التراث في الجامعة الليبية (1) (مسيرة بدأت ثم توقفت) (1972- 1976)
لجنة جمع التراث في الجامعة الليبية (2) (مسيرة بدأت ثم توقفت) (1972- 1976)
 - لجنة جمع التراث في الجامعة الليبية (3) (مسيرة بدأت ثم توقفت) (1972- 1976)

* الصور: الصورة (1) د. علي الساحلي وسالم الكبتي في رحلة لأساتذة كلية الأداب وموظفيها، الربيع، توكرة، مارس 1972. (2)، (3)، (4) محضر الاجتماع الاول للفريق الاستشاري من خارج الجامعة بلجنة جمع التراث التراث، 12 اغسطس 1972.

 

كلمات مفاتيح : التراث الليبي،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع