مقالات

محمد نجيب عبد الكافي

حبيبتي (6) أصدقاء فاعلون

أرشيف الكاتب
2021/09/24 على الساعة 18:26

لا شك وأن الكثيرين من قراء وقارئات ليبيا المستقبل، يحسنون لغة ثربانتس، ولوبي دي بيغا، وكيبيدو، اللغة الإسبانية التي يتكلمها حاليا حسب إحصائيات هذا العام 2021، أربعة وثلاثون وخمس مائة مليون نسمة، منهم ستون وأربع مائة مليون هي لغتهم الأم.

لا أشك إذن، أن من بين العارفين بهذه اللغة، من يتابع، من قريب أو بعيد، ما له علاقة بها وبأصحابها عموما، وبالعلاقات بين العالم العربي والعالم الناطق بالإسبانية، الذي يضم، كما هو معلوم إسبانيا وجميع بلدان ما يسمى أميركا اللاتينية. بلدان، أقولها بالمناسبة، مهملة منسية منّا، ثقافيا على الأقل، بينما في عدد منها مجموعات من أصل عربي، يسميهم أبناء البلد أتراكا "توركوس"، حافظوا على هويتهم، وأسسوا النوادي الثقافية، وفي بعضها أصدروا الصحف، كل هذا ونحن عنهم غافلون، ننتظر غيرنا – من الغرب طبعا – حتى يشعرنا ويفيدنا، بما كان من واجبنا اكتشافه وإفادة الآخرين به.

ولا شك أيضا أن المهتمين أكثر، على علم واطلاع على الاستعراب الإسباني ونتاجه. فزيادة من المعرفة، وإحقاقا للحق، واعترافا، أضيف أن الاستعراب الإسباني في ثوبه المعاصر، يكتسيه بميزتين. أولاهما فلسفته وأسلوبه، والثانية احتواء عدد لا بأس به من المستعربين والمستعربات، يعدّون من أصدقائنا الصادقين، برهنوا على صداقتهم ويبرهنون، إيمانا منهم بالحق والدفاع عنه، بمواقف تحمد لهم وتشكر.

خلال النصف الأخير من القرن الماضي، اتخذ الاستعراب الإسباني منعرجا جعله في الطليعة بين الاستعرابات الأخرى، بفضل مدرسة جديدة بعثها من أسميه "شيخ المستعربين الإسبان" الأستاذ بيدرو مارتيناث مونتابث، الذي نشرت لي دار الفرجاني للطباعة والنشر، كتابا عنه بنفس التسمية. فهذا الأستاذ الذي درس وعمل بالقاهرة، وكوّن في مصر والبلاد العربية الأخرى، روابط وصداقات، فعرف عالمنا معرفة عميقة واقعية علمية، بما فيها من محاسن وعيوب.

هذا الرجل الفذ، المعروف بالصراحة والبيان، بعث سُنَّة جديدة تُركِّز الاستعرابَ، وما يحتويه من البحوث والدراسات، وما يتبعها من شروح ولقاءات وتحاليل، على الفكر والإنتاج العربي المعاصر، الحي الفعال، دون إهمال أو نكران الماضي، بل جعل الحاضر استمرارا وتواصلا له ومعه.

نجحت المدرسة أيما نجاح، وتخرج منها أكثر من جيل، أسهموا ويساهمون، بجد ونشاط وإخلاص، للعلم والمعرفة والتاريخ، لا يقل عدد النساء من بينهم عن الرجال، ولعله يفوقه بنشاط، ونظام، وواقعية، وحسن تدبير، عرف الإسبان والناطقون بلغتهم، معظم نساء ورجال الفكر والأدب والثقافة في عالمنا العربي المعاصر، معرفة حقيقية عميقة، كثير منها مشفوع بمعرفة المنتج شخصيا، باستدعائه أو استدعائها، ضمن النشاط حول ما أنتج.

هذا إضافة للصداقات الشخصية التي توثقت بين الأستاذ مارتيناث وعدد من كبار المفكرين والشعراء، قد يكون نزار قباني في طليعتهم، لأنه احتل مكانا مرموقا في قلب وفكر الدكتور بيدرو، وكذلك محمود درويش، وعبد الوهاب البياتي، وبالتبعية لدى مريديه من المستعربات والمستعربين.

لا أبعد عن الحقيقة إن قلت إن في طليعتهم الدكتورة كارمن رويث بياسانتي، التي نشطت وتنشط بجانب الشيخ بيدرو وصحبه، وتعمل مستقلة بنشاط آخر كبير الأهمية والمنفعة، أعني به مجال النشر. أسست وتدير، بصحبة مستعربات أخريات ومستعربين، دار نشر أسمتها "كانتارابيا" دامجة بذكاء وتورية – إن جازت في هذا المجال – نصف اسم المنطقة التي تنتسب إليها: (كانتابريا) والعروبة (أرابيا) وفي هذا الدمج معان كثيرة لا تفوت الفكر النبه.

تُركِّز دار النشر هذه، قبل التجارة ومادتها، على نشر التعريف بالفكر العربي الإسلامي المعاصر وثقافته، وعلى التلاقح والتلاقي الفكري الثقافي بين عالمنا وعالم اللغة الإسبانية. سأكتفي بذكر عناوين بعض ما نشر، كي يكوّن من يقرأ هذا المقال فكرة عما تنتجه "كانتارابيا". أذكر مثلا مقدمة للأدب العربي المعاصر، الهجرة اللبنانية في كوستاريكا، الترجمة والتلاقح الثقافي، فدوى طوقان وخطوط تنكسر أفقيا، تجربتي الشعرية لعبد الوهاب البياتي، مراتيج لعروسية النالوتي، تغريبةأحمد الحجري بقلم الأديب عبد الواحد براهم وهي من ترجمة كاتب هذه الأسطر.تنشر كارمن رويث كذلك، وزمرة من زميلاتها وزملائها، مجلة فكرية أدبية أقل ما توصف به أنها من "الوزن الثقيل" ثرية، بليغة، متعددة الأفكار والمواضيع، مفيدة مغذية، في زمن جاعت فيه العقول مما يغذيها.

عنوان المجلة هو أيضا مركّب من كلمتين: "إيديارابيا" (فكرة عربية) كمثال لما تحتويه المجلة، أنقل لمن سيشرف هذه الأسطر بالقراءة والعناية، عناوين أبواب أو فصول ما جاء في العدد الأخير، وهو رقم 16وصلني قبل يومين أو ثلاثة.وهي: دراسات وأبحاث، مقابلات استجوابات، روايات، في الذاكرة تحت العنوان الأول نجد مثلا "هويّات في صراع" الجدل التاريخي بين الحبشة ومصر للسيطرة المائية على النيل، بقلم ريبيكا خيمانث و راكيل تشاميثو قسم مراجعات فهرسة بمجلة المنارة للدكتور بيدرو مارتيناث. أمين الريحاني في بلاد المايا (1914) دراسة كارمن رويث برافو إبراهيم نمر موسى الكاتب الفلسطيني السجين، تجاه الاحتلال الإسرائيلي، ترجمة من العربية قامت بها فكتوريا خرايتشي رويث ثوريا. التراث الشعبي في المسرح المصري: محاولة يوسف إدريس لبيلار ليرولا.

الجديد المحمود في هذه المجلة الرفيعة المستوى والمحتوى، هو أن المشاركين والمشاركات يضيفون إلى ما يكتبون ويترجمون، النص العربي لأية فقرة من العمل المترجم يعتبرونها مهمة ذات بال، وهذا لعمري أبلغ دليل على الصدق والمهنية. فها هي الأستاذة ليرولا مثلا بمقالتها، حسب ما جاء في تقديمها: أنها تبحث في مبادرة يوسف إدريس الرائدة، للمساهمة في إنشاء مسرح مصري أصيل بناء على التراث الشعبي. وهو توجه فني أبرزته بعض مقالاته التي نشرت عام 1964 تحت عنوان "نحو مسرح مصري" ولذلك حاول بنفسه تجسيد ذلك في بعض أعماله المسرحية أولها "الفرافير". أما الذي أدهشني وهو عظيم الفائدة، عدد المراجع التي قدمتها الكاتبة إذ فاقت السبعين مرجعا.

نقلت عن غير هدى ولا تخصيص هذه العناوين بغية مساعدة القارئ والقارئة على تكوين فكرة ولو سطحية، عمّا يقوم به المستعربات والمستعربون من نشاط صادق مركز، بعيد كل البعد عما يُشتكى من بعض أعمال غيرهم من مستعربي بلدان أخرى. إذا تركنا العلم والإتقان وحسن العرض والتحليل جانبا، وشئنا الكلام عن حسن النوايا والصدق في الرؤيا والموضوعية في التحليل، وجدنا طبعا مستويات وأساليب ونظريات مختلفة، لا يخلو البعض منها من العاطفة البشرية التي منها الاستلطاف وضده، وعمق المعرفة وإجادة فهمها، مما يجعلنا نعثر وسط جمهور الاستعراب من لا يتحمس كثيرا ولا قليلا لقضايا العرب والمسلمين، كما يفعل ما أسميتهم أصدقاء، بل يتشددون فيسيئون الفهم أحيانا، فيقتربون من المستشرقين السابقين في آرائهم وأحكامهم. لكن، هؤلاء والآخرون يحترمون، في عملهم ودراساتهم، قوانين وشروط هذا العلم ومدرسته الحديثة التي ينتسبون إليها.

أما الذين أسميتهم أصدقاء، نساء ورجالا، أعرض عن ذكر أسماء كي لا أحرج أحدا، فعلاوة على الصدق والموضوعية، يتسمون بجرأة أحيانا دفاعا عن قضية أو مشكلة مما يدرسون ويحللون، حتى تعرض بعضهم لمضايقات من أطراف معينة، غير إسبانية مرّات، بلغت أحيانا إلى إيقاف بث مباشر لبرنامج كان يتحدث فيه أحد المستعربين الذين أسميتهم أصدقاء. لا يعني هذا أنهم لا ينتقدوننا أو يلومون، بالعكس، فصراحتهم وإخلاصهم لمهنتهم تجعلهم حسب المناسبات، يقولون للمحسن أحسنت وللمسيء أسأت وهذا عين الصلاح. بقي لي سؤال بهذا الصدد، وأنا كثير التساؤل – لعله انحراف مهني – فأقول: كيف تقابل بلداننا العربية الإسلامية، ممثلة في سفرائها طبعا، هؤلاء المستعربات والمستعربين؟ لعل عجُز بيت الشعر المشهور أفصح ما يقال وهو "أحسن من الإجابة السكوت".

محمد نجيب عبد الكافي
مدريد في 8-9-2021

 

 

 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع