مقالات

فوزي عمار

خدوش في الذاكرة (العفيف الأخضر)

أرشيف الكاتب
2021/09/22 على الساعة 01:56

كانت بدايات المفكر التونسي العفيف الأخضر او (لعفيف لخصر) كما يطلق عليه الاخوة المغاربة، كان زيتوني التكوين والتعليم وماركسي العقيدة والهوى ثم ليبراليًا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي.. عمل محامياً بعد أن تخرج في مدرسة الحقوق. ترجم البيان الشيوعي مما جعله رمزاً لدى الشباب الماركسيين العرب.

التقيته في صيف 2002 في باريس التي زرتها قادماً من لندن (حيث كنت أدرس) عبر Eurotunnel وهوالقطار الرابط بين فرنسا وبريطانيا تحت بحر المانش. وبدعوة من صديق رجل أعمال تونسي أصر على لقاء المُفكر التونسي (الذي لم أكن أسمع باسمه من قبل) وكان هو أحد مريديه ومن يقدمون له مساعدات مالية تعينه على العيش الكريم نظرا لظروفه الصعبة كما شرح لي، وهي صورة رائعة للإنسانية؛ حيث يعاون الرأسمالي الشيوعي.

كنت أحمل معي كتاباً كعادتي في كل سفرة وهذه المرة كان للمفكر الليبي الصادق النيهوم بعنوان: محنة ثقافة مزورة.

بعد أن سلمت عليه فاجأني بسؤال: من أين تعرف النيهوم؟ قلت أنا ليبي وأعتز بالنهيوم ككاتب ليبي ومفكر عربي سبق زمنه بكثير.. فقال: حسنا ًلا يبدو شكلك من أتباع الغنوشي.! ضحكنا نحن الثلاثة.. وبدأ الحديث عن النيهوم وكيف أنَّه نسف القديم ولم يطرح مشروعا جديدا.

ويبدو أن حديثي معه قد ذكره بالنهيوم لأنه كتب عنه في المقالة التالية لهذا اللقاء في موقع إيلاف اللندني والعرب اللندنية. وموقع الحوار المتمدن الذي يشرف عليه مجموعة من الشباب الأقباط المصريين.

سألته: لماذا أنت في فرنسا؟ فأجاب: أنا سافرت كثيرًا، وكلما أسافر إلى بلد تقوم به الحروب فقلت لعلَّ مجيئي لأوروبا يكون فيه نفع لنا!

تحدث عن صداقته مع الدكتور الليبي محمد عبد المطلب الهوني وتأسيس مشروع العقلانيين العرب... كان العفيف مبالغا في عدائه للدين ويخلط بين الإسلام كدين وفكر وسلوك المسلمين والخطاب الديني.... كان عصبياً في حديثه.

أذكر أنه عندما اعترضت على بعض التشبيه للصحابة أنه قال لي بنبرة غاضبة: أنت لا تستمع مثل القذافي! وأكمل.. لن نستطيع أن نبدع ما لم نتخلص من التابو والمحرم.. إنها قيود.... أنا عندي ضعف عمرك في التعليم، والبحث وتعرفت على جيفارا وعشت مع رموز الثورة الفلسطينية في بيروت مثل أبوجهاد واختلفت مع أبورقيبة وتركت له تونس. غادرت إلى الجزائر كنت من المقربين من الرئيس الجزائري بن بلة واستقريت في باريس..

 كنت استمع إليه بشغف فاستدرك انفعاله وحاول إصلاحه فقال ولكني احترم فيك ذكائك ومرونتك. بدأ يتحدث عن العلم وأنه المخرج لنا مما فيه. فالعلم وليس الدين هو ما يفسر كل شيء!! قلت: صحيح العلم يفسر الظواهر ويشرح السبب والعلة مثل أن الماء يغلي في درجة 100 درجة مئوية. لكن العلم لا يشرح حاجة المعلول للعلة! فما حاجة الماء للغليان؟ لذلك نحن نحتاج للدين والعرفان معا مع المعرفة الابستيمولوجية لتكتمل الصورة. بل إن الميتافيزيقا هي مبحث فلسفي ايضا..  لم يقتنع براىء واصر على رائيه بتعنت واضح.

استمر الحديث معه قرابة ساعة ونصف الساعة قبل أن أودعه. رجعت إلى لندن وكنت على تواصل معه بالهاتف في مرتين أو ثلاث في حديث مطول وشيق.. فهو لا يعرف الإميل ولا يستخدمه رغم أنه مفكر كبير.

أصاب المرض العفيف وتمكن منه فاختفى عن الأنظار عن الجميع تقريبا.. إلا من بعض المقالات التي كان يستعين بأحدهم ليكتبها له بعد إصابته بالسرطان ولم يعد قادرا أن يحرك يده.

هذا ما أكده لي صديقه رجل الأعمال التونسي الذي عرفني به.. لنسمع لاحقاً في شهر يوليو 2013 أنه مات مُنتحرا..!!!

لقد تمكن منه تيار القلق الوجودي وسيطر عليه وعلى عجزه وجرفه الإلحاد وقاده التيه إلى هذه النهاية المأساوية. بعد أن أيد أفكار المستشرقين عن تخلف العرب والمسلمين وكتاباتهم العنصرية عن الإسلام وعن رسول الله (صلى الله عليه وسلم.)

كانت رؤية العفيف الخضر تتجلى في جملته الشهيرة التي يرددها كثيرًا: "إن نكبة العالم العربي الثانية هي الإسلام السياسي بعد النكبة الأولى وهي القوميين والماركسيين العرب".

أذكر أنه كتب يومًا يقول: "لقد دمرت الثورات الكاذبة حياتنا، وهو ما كان قد حذر منه بعد أن تخلى عن دعمه لحركات التحرر الوطني التي اكتشف فسادها".

هذا كان رأي المفكر العفيف الأخضر عن الثورات التي عاصرها. يا ترى ماذا سيقول من عاصر ثورات الربيع العربي.. أو هذا ما أطلق عليها؟

فوزي عمار

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع