مقالات

د. الهادي بوحمره

وجه من الأعيان

أرشيف الكاتب
2021/09/19 على الساعة 22:03

منهجه في الحياة لكل مقام مقال، له قدرة على التأقلم، ماهر في التعامل، هو مستمع جيد، يطيل الصمت، يتمعن في أطراف الحديث، يجتهد في معرفة من خلفهم، ومن أمامهم، وفي قناعاتهم وسوابقهم، يقلب بصره بينهم، يتمعن في وجوههم، يحدد مراتبهم، يقدر قوة كل منهم، يحدد مفاصل الجدل، ويتوقع مآلاته، ثم ينخرط فيه رويداً رويداً، ويتقلب بين ثناياه، إلى أن يمسك بزمامه.

يتولى الانتصار لمن كان ظاهرا، يستعمل مهاراته في زيادة إنهاك من كان منهكا، لا يعرف الشفقة مع من يجهز عليه، يدوس عليه بحدة لسانه، له قدرة على اختيار الكلمات واستحضار الآيات والأبيات والحكم والعبارات، له قوة بيان تمكنه من طحن من تبناه- بعد نظر- خصما له، بلاغته تقرع آذان السامعين، وتخدع الحاضرين، وتحقق شهوة النيل من المهزومين، فهو قد جمع اللغة من أطرافها، وتكون في مدرسة تحدد منطوق الحكم قبل أسبابه، يكتفى الجميع، وهو لا يكتفى. يتراجع من انتصر لهم، وهو لا يتراجع، يلين من مال لهم واصطف معهم، وهو لا يلين، يوجد فيه من اللدد ما لا يوجد عند من ركب رحلهم، لا يبادر بالكلام، لكن عندما تحين الفرصة للانطلاق، يكون آخر من يصمت، يستغل الفرصة في تمريغ المهزوم في وحل هزيمته بقدر ما يستطيع، لا يتركه؛ إلا وداخله ممزق، وبعد أن ينال منه بصفعه بقهقهة المحيطين المستعدين لإثبات حضورهم، كلماته توسع الفراغات بين النفوس، وتزيد من سوادها، يستدعى التاريخ من الزاوية التي يريد، ويستنطق الواقع باللغة التي يريد، وهو يختال بكلماته بينهم.

على وقع كلماته، تأخذ العزةُ من كان لسانا لهم، وتوحد معهم، وانخرط تحت إرادتهم. إنه يلتصق بهم، ويستمتع برضاهم عنه، ويستمتع بألم خصومهم منه. ليس له مكان إلا بين المنتصرين، لا يميل إلى المستضعفين، عليهم أن ينتصروا لأنفسهم ليكون في مقدمتهم، ويستعمل مهارته إلى جانبهم، ولو قُدر لهم وظهروا، فإنه يعرف كيف يجد طريقا بينهم، يظهر للحاضرين أنه من الطاغين، ويدرك الطاغون حاجتهم إليه، فبدونه لن يكونوا على ما هم عليه، سواءٌ بينهم وبين أنفسهم أو في أعين الناس.

لا يبدأ الحديث، فليس من الحكمة التكلم قبل الاستماع جيدا، وسبر آراء وقوة الموجودين، فهو لا يحب أن يكون مع المعرضين للهزيمة، من الصعب أن تتوقع له موقفا، قد تتجادل معه، ويكون له رأي، لكن عندما يخوض مجلسٌ في الأمر، فلا يمكن الاطمئنان إليه، فهو يسير مع من له الكلمة العليا، ويتكيف معها، له تقييمه الخاص لأطراف وظروف واعتبارات كل مجلس. ولكل وقت لوازمه، ولكل مكان خصوصيته، يخوض النقاش في مسائل مصيرية، ينهج فيها نهج الأقوياء، يظهر فيها الحامل للقضية، المدافع الشرس عنها، المستميت من أجلها، وهو لا يعدو أن يكون إلا صادحا برأي من تكمن مصالحهم فيها، فربما يفيض منها ما يقع بين يديه.

عندما لا يتضح له مآل الأمور يصمت، فليس من الحكمة أن يغامر، وعندما يرى تعادل الموازين ينسحب. الكل يعرفه، ومع ذلك ينصتون له، ويظهرون له الاحترام، ويقدمونه في مجالسهم، فآذانهم أقوى من عقولهم، والكلمات ساحرة أيا كانت الأفكار التي تحملها، وهو عليم اللسان، ويعرف من أين تؤكل الكتف. له بين أهله وجه، وخارجهم وجه، فلكل مكان وجه ولسان، له في الدين والسياسة وجوه، فأهل البلد تتقادفهم الأمواج. قليلٌ من يملك مخزوناً مثل مخزونه من الأحداث والأقوال والأشعار، يركز على عباراته، ينتقيها، يرسل من خلالها رسائل لمستمعيه، يعرف متى يستعمل ألفاظ الشهيد والقتيل، الدمار والتحرير، الجريمة والنضال، الحق والباطل، الثورة والمؤامرة.

يعرف متى يصف الجاني بالضحية والضحية بالجاني، المجرم بالبطل والبطل بالمجرم. يؤيد-أحياناً- العودة إلى الأصول، وعدم التخلي عن التاريخ، فمن لا ماضٍ له لا حاضر ولا مستقبل له، يدعو-أحياناً- للتخلص من أعباء الماضي، الذي يصفه بالسواد، وينتصر للمتطلعين للمستقبل المعرضين عن الماضي، يعتبر الدعوة للشريعة تطرفا، والدعوة لإبعادها تمدنا، يقدم-أحيانا- الفقه ككنز لا يمكن التفريط فيه، فهو الموروث الذي يجب العض عليه بالنواجذ. يحسب الماضي تعيسا في مكان، ويحسبه زاهرا في أماكن أخرى، فالناس أفكارهم تختلف، وميولهم تتضارب، وهو يجب أن يتأقلم. يرى الملتحي ملتزما وقورا، ويراه- أحيانا أخرى- متخلفا مسيئا لحسن خلق الإنسان، يعرف متى يصف نفس المرأة بالمتبرجة مصدر الفتنة وغضب الرحمن، ومتى يصفها بالحرة القوية المساوية للرجل، يعرف متى يكون جهويا متعصبا، ومتى يكون وطنيا متجاوزا للجهة والمدينة والقبيلة، يعرف متى يصف الغرب بالكافر الفاجر، ومتى يصفه بموطن الإنسانية والمدنية وحقوق الإنسان، قد يكون إسلاميا، وقد يكون ليبراليا، يجد حجة لوصف الانتحار بالجهاد، والجهاد بالانتحار.

لكل مقام مقال، وليس كل ما يعرف يقال، ولكل حجة موضعها، وموطن قوتها، فلا يمكن تجاهل المكان، ولا يمكن تجاهل ناس المكان، فالقول لا يمكن أن يكون قولا واحدا، ولا قولا راجحا، فلكل راجح ومرجوح زمانه ومكانه. يمر بين السطور بمهارة، يقفز من سطر إلى آخر عند اللزوم. هكذا هي الحياة، كما يراها. صمت فترة من الزمن، لأن الأمور غير واضحة لديه، أما وقد تبينت له اليوم بقدر، فقد بدأ يطل برأسه من جديد، وهو أكثر مهارة في التعامل مع الناس والأحداث.

يعرف على من يقبل، وعمن يدبر، على من يكون قاسيا، ولمن يكون لينا. أصبح أكثر عمقا في تحديد مواقيت الصمت، وفي اختيار عبارات المدح والقدح. كان البعض يظن أنه سوف يعتلى- بعد غيبة- منبر الاعتراف، ويغتسل مما تراكم داخله عبر السنين، ويطلب المغفرة عن طغيان لسانه، ورهنه لمن يطغى على الناس، إلا أن موسيقى كلماته في الآذان تستهوى الكثيرين، وتساعدهم على إخراج أضغانهم، وتنوب عنهم في النيل من الآخرين، ها هم يزينون له ماضيه، يفتنونه بكلماتهم بعد أن فتنهم بكلماته لزمن، وها هو يقع ضحية لهم، بعد أن كانوا ضحاياه، ولم يبق من العمر إلا القليل، وربما يمضى إلى نهايته والفراق قائم بين قلبه ولسانه.

الهادي بوحمرة
طرابلس 06/12/2017م

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع