مقالات

سالم الكبتي

جمعة إبراهيم.. رحيل قدوة من الرجال

أرشيف الكاتب
2021/09/19 على الساعة 22:58

(وحين تموت.. نحاول أن لا نموت معك) محمود درويش

تغيب الشموس. تنطفئ الأقمار ويتركان أياما وليال شديدة الظلام والعتمة. تغادر السفن العملاقة موانيها وتبقى مراسيها وحيدة.. ترحل الطيور المهاجرة من مكان إلى مكان ويظل الشجن في القلب.. وفي الزحام تتوهج الجواهر أكثر فأكثر وتبهت المعادن الرديئة ويأكلها الصدأ. لكن الرجال وإن رحلوا.. وإن غابوا يظلون على الدوام (منارات خير وهناء). قدوة ومثالا للأخرين في زمن يعلو فيه لون الزيف على الأطياف والألوان الحقيقية.

وليبيا الوطن ظلت كل يوم.. بل كل لحظة تفقد ويغيب عن ساحاتها الفرسان الحقيقيون. أخيرا.. منذ شهر مضى أواخر الصيف رحل الأستاذ جمعة إبراهيم منصور. رجل قدوة من خيرة رجالها وفارسا من فرسانها ومربيها وشبابها الذين ضحوا وأعطوا لهاو لأجيالها بكل إخلاص وإنتماء. ترك مثل غيره من الرجال الشرفاء.. السيرة الرائعة في نكران الذات والوفاء والعطاء والمثل الصادق للأخرين. رحل عن الوطن.. عن الدنيا. التي يجول فيها بلا خجل أشباه الرجال والتافهون في هذا الزمن العجيب.

ولد في غريان عام 1936. في بيت يمتلئ وطنية وإخلاصا لليبيا وتعلم بها مراحله الاولى ثم التحق بمعهد السيد المهدي للمعلمين بطرابلس واشتغل في الأعوام التالية منتصف الخمسينيات معلما في العديد من المدارس. وكان من صفوف الشباب الأوائل الذين إنضموا للحركة الكشفية منذ بداياتها وإنطلاقتها عقب تأسيس القائد علي خليفة الزائدي لأول فرقة كشفية في ليبيا مطلع فبراير عام 1954. كان الوطن يعج بالفراغ الذي يستهدف الشباب وكل شئ. ويمتلئ إلى حافته بالتخلف والجوع والمرض. ولكن كان الوطن مفعما رغم هذا الحزن وهذه المواجع وعلامات القهر بروح الأنتماء.

التحق الأستاذ جمعة بالحركة الكشفية بعد ثمانية أشهر من تكوينها في اكتوبر 1954. وبهذا يكون من تلاميذ الزائدي المبكرين الذين شاركوه عبأ ذلك التأسيس. ويظل من جيل القادة الرواد الممتازين في جميع مناطق الوطن الذين أسهموا عبر ظروف إجتماعية صعبة في بعض الأحيان في النهوض بالحركة وتطويرها والوصول بها الى افاق رحبة من الأنتشار والقبول والأهتمام من قبل المجتمع ومسؤوليه.

في تلك الأعوام كان نظام الولايات الثلاث يسود الوطن. لكن كشاف ليبيا كان عنوانا للوحدة الوطنية ويرسخ أهدافها ضمن مناهجه وبرامجه. كان مثله مثل مؤسسة الجيش الليبي والجامعة الليبية من معالم الوحدة الحقيقية التي تربى عليها جيل بكامله. وعلى هذا الأساس تشكلت يوم الجمعة 8 أغسطس 1958 أول قيادة عامة لكشاف ليبيا برئاسة القائد الزائدي ضمت مجموعة من القادة من الولايات الثلاث وأختير هنا الأستاذ جمعة في هذه القيادة وكلف بأمانة الصندوق ثم بسكرتارية القيادة المذكورة إضافة الى تعدد مسؤولياته ومهامه بلا إنقطاع في قيادة الحركة ونشاطاتها المختلفة وشارك في قيادة الكثير من الفرق والمخيمات التدريبية على مستوى كشاف ليبيا والمنطقة العربية. وامتاز بموهبة تقل عند الكثيرين تجلت في حسن قيادته وإدارته للأمور ومواجهة الصعاب وإجادته لفنون التدريب والقيادة على المستوى الأنساني والفني. وله في ذلك مخطوطات لم تر طريقها إلى النشر. كما قاد بعثة كشاف ليبيا الى المخيم الكشفي العربي الرابع الذي اقيم في غابة بئر البي في تونس صيف 1960. إضافة إلى مشاركته مع زميله منصور محمد الكيخيا (وكان مفوضا لكشاف برقة) في المؤتمر العربي الكشفي الذي عقد في نفس الفترة متزامنا مع المخيم ممثلين لليبيا. ثم تواصل عطاؤه من خلال تكليفه المستمر ضمن وفود كشاف ليبيا في أغلب اللقاءات والمؤتمرات الدولية.

ومن المفارقات التي ظل شاهدا عليها عبر تجربته الكشفية والتربوية وجعلته من المبكرين في فهم حالة معمر القذافي ولعله كان صاحب السبق في ذلك. فقد كان قائدا لأحدى الدورات التدريبية الكشفية في غابة سواني بنيادم صيف 1959 وكان القذافي أحد المشاركين بها ضمن مجموعة كشاف ولاية فزان. كان يلاحظ بدقة كل الكشافين أثناء سير التدريب والنشاط العام وكان من المتبع عادة في كشاف ليبيا وضع التقارير النهائية عن الأفراد المشاركين والأنشطة بوجه تفصيلي عقب الأنتهاء من هذه الأنشطة المختلفة سواء كانت في المخيمات أو المشاركة في الأعمال الخيرية والتطوعية وإجتماعات الفرق من ناحية المظهر والسلوك والتجاوب والعطاء ومختلف القدرات الفنية وغيرها. وفي تلك الدورة حين أعد الأستاذ جمعة تقريره النهائي عن المشاركين كان تقييمه للقذافي وفقا لتصرفاته وتعامله اليومي وسلوكياته مع زملائه الكشافين في المخيم بهذا العبارات المختصرة: (جحود. حقود. لايعتمد عليه) وتلك شهادة منه ظلت باقية للتاريخ. ومفارقة أخرى.. حين كان يقود الفرقة الكشفية بمعهد السيد المهدي كان من بين أفرادها بشير هوادي. وكان يدخن. وقد نصحه الأستاذ جمعه بالأقلاع عن هذه العادة لأنها لاتتمشى مع أصول التربية الكشفية. لم يأبه بذلك وأستمر في عادته مما أستدعى تحفظ الأستاذ جمعة على ذلك وإيقافه عن النشاط الكشفي. ولاحقا بعد سنوات وتغير الأمور في البلاد. أضحى هوادي عضوا في (مجلس قيادة الثورة) وقام بزيارة إلى شركة التأمين التي كان يعمل بها الأستاذ جمعة في طرابلس. تذكر الموقف القديم والمعهد والسجائر وطلب منه مغادرة الشركة وعدم العودة إليها. ومن هنا رحل الأستاذ جمعة إلى الرحيل الأصغر قبل الرحيل الأكبر.. في مهجره بأسبانيا.

عين محافظا لمصراتة عام 1968 وظل كذلك الى أخر أغسطس 1969 ولعله كان من أصغر المحافظين سنا وقد عمل بهمة عالية لتطوير المدينة وتنمية مشاريعها وإصلاح مناطقها التابعة لها وفي مقدمتها مدينة تاورغاء وفي صيف 1969 شهدت مصراتة لقاء مفتوحا بين مواطنيها ومجموعة من الوزراء والمسؤولين في حوار عن مختلف الأمور التي تهم الوطن والمواطن أذاعته الأذاعة مباشرة وقد نظمه الأستاذ جمعة وسعى لتحقيقه ونال نجاحا رائعا في تحقيق التواصل بين المواطن والمسؤول لخير المصلحة العامة. بعد إعتقاله لفترة ضمن مسؤولي فترة الأستقلال وبقائه في إسبانيا ظل كما هو.. جمعة إبراهيم الأنسان. المعلم. الصديق. المربي. الكشاف والأخ للجميع. يتواصل مع أصدقائه ويهتم بمواطنيه في الخارج والداخل دون أن تبدل مرارة الأيام وأوجاع الوطن من صلابته ورجولته وشهامته. وقد فجع أيامها بفقد إبنه الوحيد صلاح إثر حادث أليم في طرابلس عام 1983. وبعد رحيل الأستاذ جمعة أواخر هذا الصيف لحقته بأسبوعين رفيقة دربه زوجته السيدة خيرية الشيباني. ذلك أمر الله الباقي الحي الذي لايموت.

تغادر السفن العملاقة مراسيها في حزن. تهاجر الطيور. تغيب الشموس والأقمار. ويرحل الرجال كبار العزوم والنفوس. يبقى وجه الله و الصيت والعمل. وسوى ذلك زائل وماض إلى العدم. المناصب والأموال والتكالب والتحاقد والتحاسد.. كله زائل وفان. يظل صيت رجل قدوة مثل جمعة ابراهيم منصور وغيره من الرجال الكبار في اخلاقهم وسيرتهم وذكراهم الذين تفقدهم ليبيا وسيظل تلاميذه ومحبيه يذكرونه بكل خير ويسكن في قلوبهم وضمائرهم بلا إنقطاع.

.. وحين تموت نحاول أن لا نموت معك.

القدوة والأثر الطيب يتواصلان في جذور الأجيال وإمتدادها في الوطن. يبقيان ويخلدان ولا يفنيان على الدوام!!

سالم الكبتي

* الصور: (1) الاستاذ جمعة ابراهيم في لقاء مع الصحفي المرحوم عبدالسلام دنف المسلاتي مندوب جريدة طرابلس الغرب. في المخيم الوطني الأول. جودائم. صيف 1963. (2) في مخيم (القسم) صيف 1964 الذي تم فيه تنصيب الأمير الحسن الرضا ولي العهد رئيسا فخريا للحركة الكشفية في ليبيا. يقف الأستاذ جمعة إبراهيم وراء الأمير مباشرة. وفيها يبدو خلال الحفل القائد علي الزائدي. والعقيد راسم النائلي ياور الأمير. وأعضاء هيئة قيادة كشاف ليبيا.. القادة. علي جويدة الشاعري. يوسف قنبور. ابراهيم علي شعبان. محمد المجدوب القماطي. مختار سويدان. محمد ابراهيم الوافي. (3) عمر القذافي في المعسكر الكشفي عام 1959 أثناء درس في السيمافور "الأول إلى يسار الصورة"".. " قائد الدرس، الأستاذ جمعة إبراهيم منصور.

ابراهيم محمد الهنقاري. | 20/09/2021 على الساعة 06:02
الدرر السنية.
كلمات كبيرة تحمل كل معاني الوفاء و الصداقة الحقة و الرفقة الطيب و الزمالة النقية الطاهرة من شخصية ليبية كبيرة عن شخصية ليبية اخرى كبيرة. في عيد ميلادك اخي العزيز الاستاذ الكبير سالم الكبتي اهنئك بهذا اليوم الذي انجب واحدا من اهل الفكر و العلم و الثقافة في وطننا العزيز ليبيا و ادعوا الله سبحانه وتعالى لك بطول العمر و بالصحة و العافية حتى تواصل جهودك في خدمة الوطن و تاريخه في هذا الزمن الليبي الرديء الذي كتب لهذا الجيل ان يعاني من مخرجاته التي لا يعرف لا من اين خرجت ولا من اين جاءت. لقد ابكتني كلماتك المفعمة بالحب والصدق و الوفاء عن الراحل العزيز جمعة ابراهيم منصور الذي رثيته بهذه الكلمات التي لا شك انها اثارت شجون امثالي ممن عرفوا جمعة ابراهيم منصور حق المعرفة وعاشوا معه كل ايامه خيرها و شرها. و رغم ان كلماتك ابكتني اقول لك في عيد ميلادك كل عام و انت بخير. كل عام وانت تتصف الرجال الكبار من اباء الوطن. حفظك الله و رعاك ايها الاخ و الصديق العزيز. ابراهيم.
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع