مقالات

إبراهيم محمد الهنقاري

الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.. رحيل وذكريات

أرشيف الكاتب
2021/09/19 على الساعة 21:18

غيب الموت يوم امس اخر السياسيين التاريخيين العرب. رحل عن دنيانا الفانية الرئيس الجزائري السيد عبد العزيز بوتفليقة تلك الشخصية الغامضة والمرحة والمثيرة للجدل على كل المستويات. الجزائرية والعربية والدولية. فعلى المستوى الجزائري كان من اوائل الذين انضموا الى جيش التحرير الوطني الجزائري الذي التحق به وهو في التاسعة عشرة من عمره ثم صار واحدا من ضباطه.

كانت مشاركته الاولى في الحكومة الجزائرية وهو في الخامسة والعشرين من عمره وزيرا للشباب والرياضة والسياحة ثم تولى وزارة الخارجية عام ١٩٦٣. ثم انضم الى حركة العقيد هواري بومدين في انقلابه على الزعيم التاريخي للثورة الجزائرية السيد احمد بن بلة طيب الله ثرى الجميع عام ١٩٦٥. ثم شغل لسنوات عديدة منصب وزير الخارجية فكان هو المؤسس للدبلوماسية الجزائرية وكان هو راعيها خلال فترة طويلة من عمر الدولة الجزائرية المستقلة حيث كان له دوره الذي يذكره له التاريخ في الدفاع عن المصالح الوطنية الجزائرية وفِي معظم الاحداث الدولية والعربية بما كان فيها من النجاحات ومن الاخفاقات. حيث ترأس الجمعية العامة للامم المتحدة ومنظمة الوحدة الأفريقية وكان له دوره الكبير في دعم اتحاد المغرب العربي والجامعة العربية ولاسيما في اسوا تلك الفترات وهي الفترة التي اعقبت نكبة الخامس من يونيو (حزيران) عام ١٩٦٧.

وكانت تلك هي الفترة التي تعرفت خلالها على هذه الشخصية الجزائرية التي كانت تجتمع فيها كل الصفات المتناقضة. الجد والهزل. والفرح والحزن. وحب الحياة والخوف من الله. والصرامة والمرح. كان محبا وراويا للنكتة احيانا وصارما لا يضحك ولا يبتسم احيانا اخرى.!! هل كان هو الجزائري النموذجي.!؟ الله أعلم.!!

قدر لي في تلك الفترة الحرجة من التاريخ العربي الحديث عقب هزيمة الخامس من يونيو ١٩٦٧ وما قبلها بقليل ان اشارك في معظم اللقاءات العربية الرسمية التي دعت اليها الجامعة العربية او بعض الحكومات العربية من مؤتمر وزراء النفط العرب في بغداد الى مؤتمر القمة العربية الثالثة في الخرطوم وما بينهما من اللقاءات العربية في الكويت ولبنان والقاهرة واخيرا الخرطوم على مستوى وزراء الخارجية ووزراء المالية والاقتصاد ومحافظي البنوك المركزية العربية في اكثر من عاصمة عربية.

التقيت وتعرفت خلالها على معظم القادة والسياسيين العرب حينها وكان من ابرز من عرفت منهم السيد المرحوم عبدالعزيز بوتفليقة وزير خارجية الجزائر ورئيس وفدها الى معظم تلك اللقاءات او ما تسمى بالمؤتمرات.

وكانت فترة انعقاد مؤتمر وزراء الخارجية العرب في الخرطوم هي الفترة التي سمحت لي بالتعرف اكثر على هذه الشخصية الجزائرية بالغة التعقيد. سواء خلال الاجتماعات الرسمية او خلال اللقاءات الخاصة مع وزراء الخارجية العرب التي حضرتها مع الصديق العزيز المرحوم الدكتور أحمد البشتي وزير الخارجية الليبي في عهدها الملكي الزاهر. وكان يحرص على حضوري معه حتى في الجلسات المغلقة للوزراء لان الهدف الرئيسي لذلك المؤتمر ليس فقط التمهيد لمؤتمر اللاءات الثلاثة المعروفة لا تفاوض ولا صلح ولا اعتراف بإسرائيل بل كان الهدف الاكبر هو توفير الدعم المالي الكبير للدول العربية الثلاثة المتضررة من العدوان حتى تنهض من جديد و تعمل على "ازالة اثار العدوان" وهو الشعار الذي رفع في تلك الايام الصعبة من ايام العرب. وكانت الدول العربية المطلوب منها توفير هذا الدعم هي الدول العربية الكبرى المنتجة للنفط حينها وهي ليبيا والكويت والمملكة العربية السعودية.

ومن هنا جاءت مشاركتي ضمن الوفد الليبي حيث كنت وكيلا مساعدا للوزارة واحد المسؤولين عن قطاع النفط الليبي في تلك السنوات العجاف. وكان السيد رئيس الوفد الليبي والوفد الليبي كله حريصا على تنفيذ توجيهات الملك الصالح السيد محمد ادريس المهدي السنوسي وحكومته بضرورة مساهمة ليبيا بما يلزم في ذلك الجهد العربي الكبير كواجب قومي وليس كمنحة او كهبة.

اتيح لي خلال تلك الاجتماعات في العاصمة المثلثة الخرطوم حضور العديد من اللقاءات الخاصة التي جرت على هامش مؤتمر وزراء الخارجية العرب مع السيد محمد احمد محجوب رئيس الحكومة ووزير الخارجية السوداني ورئيس الموتمر وشارك فيها الدكتور احمد البشتي وزير خارجية المملكة الليبية والسيد احمد العراقي وزير خارجية المغرب والدكتور ابراهيم ماخوس وزير خارجية سوريا وكلهم اطباء والسيد عبد العزيز بوتفليقة وزير خارجية الجزائر. رحم الله منهم من انتقل الى جوار الله وامد الله في عمر من لايزال منهم بيننا.

امتدت رئاسته للجمهورية الجزائرية عشرين عاما بين عامي ١٩٩٩ و٢٠١٩ عرفت الجزائر خلالها فترة من الاستقرار ولكنه تعرض لمحاولة اغتيال يوم ٦ سبتمبر ٢٠٠٧ ولكنه نجا منها.

كانت له مواقفه الوطنية والشجاعة في الدفاع عن القضايا العربية وعن قضية فلسطين. وكان له دوره المشهود في ذلك سواء في قاعات الجامعة العربية او في قاعات الامم المتحدة او في قاعات منظمة الوحدة الافريقية.

رحل السيد الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة وبقيت الذكريات والمواقف.

ادعو الله أن يتقبله برحمته الواسعة وان يدخله فسيح جناته وان يجازيه خير الجزاء لما قدم لوطنه الجزائر سواء خلال سنوات الجهاد والتحرير او خلال سنوات البناء والتنمية. وما قدمه من الخدمات الجليلة للامة العربية ولافريقيا وللعالم.

"كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام". احر التعازي للشعب الجزائري الشقيق وللامة العربية في وفاة هذا القائد الجزائري والعربي. ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: إنا لله وإنا إليه راجعون.

ابراهيم محمد الهنقاري

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع