مقالات

د. نورالدين الورفلي

كتابة التاريخ بالصورة...

أرشيف الكاتب
2021/09/17 على الساعة 23:46

في ذكرى الشهيد سيدي عمر المختار، سأبتعد عن الاستشهاد بالوثيقة التاريخية، وأبرهن بالسينما، السينما صنعت التاريخ من وجهة نظر أكثر صدقاً وواقعية...

ثم أنها أكثر ندرة، المجلدات التي خطها القلم والمطابع، كثيرة جداً، سواء ً منها العربية الليبية أو العربية العربية، أو العالمية الإيطالية، أو الإيطالية الإيطالية، فيما السينما الروائية بصدد عمر المختار، كانت فيلماً واحداً، مضاف إليها ما وثقته إيطاليا من أفلام من ميادين المعارك نفسها...

وبالرغم من أنني الآن أكتب معتمداً على تخصصي، وعلى ذاكرتي فقط، أستطيع من جهة أخرى أن أجزم، أن الاستعمار الإيطالي، وعلى الرغم من أنه الأكثر دموية، كان من أكثر أنواع الاستعمار عشقاً لكتابة تاريخه بالصورة، وهو الاستعمار الأكثر توثيقاً لتاريخه سينمائياً...

قلت في أكثر من لقاء متلفز وإذاعي هذا الكلام، رغم ندرة لقاءاتي، كان ذلك في الحلقات التي أشرفت عليها أكاديمية الدراسات العليا، ومن داخل أستوديوهاتها والتي كان يشرف عليها إخراجاً ومونتاجاً وتصويراً، وإدارة فنية، ثلة من طلابنا النجباء المحترفين، في أواخر عام 2010، لصالح الإذاعة الناشئة آن ذاك، وطني الكبير، وغيرها من اللقاءات القليلة الأخرى، واستشهدت كذلك بما جاء على لسان موسيليني نفسه: (السينما هي السلاح الأقوى) إثر افتتاحه لمدينة السينما في روما عام 1922، والتي تمت كتابتها فيما بعد "بالبونت" العريض على مدخل أحد أعظم مدن السينما وأقواها في زمانها، Cinecittà، أي مدينة السينما، التي افتتحها موسيليني نفسه، والقائمة على مئات الآلاف من الأمتار، مدينة كبيرة جداً، فيها كل الآلات والمعدات الضخمة، ودور العرض، والشوارع والمباني والعمارات، مدينة سحرية بكل معنى الكلمة، لماذا تم إنشاءها؟.*

ومن ناحية أخرى، فإن ليبيا أو بالأحرى الشعب الليبي الذي خسر ما يعادل 35 مليون دولار فقط من أجل إنتاج هذا الفيلم، هو في الحقيقة لم يخسر نقطة في بحر أمام خساراته الأخرى والتي نأمل بإذن الله أن لا تتكرر، لقد ربح تعاطف العالم، رغم أن تسويق الفيلم كان للأسف دون المستوى، لاسيما وأن الفيلم كان ضخماً ورائعاً صنعة وإخراجاً، خصوصاً الأسماء الكبيرة التي مثلت فيه، يعود الفضل بكل تأكيد لمخرجه مصطفى العقاد، وهو المخرج الأكثر نبلاً والأكثر حمية وجهاداً بالصورة، الأمر الذي جعله جراء ذلك يدفع في سبيل مواقفه حياته بأسرها، لكنه ربح تاريخاً مشرفاً عظيماً.

هذه اللقطات هنا، أو بالأحرى هذا المشهد، يعد من أهم المشاهد في الفيلم، وكذا في تاريخ السينما العالمية المهتمة بالتاريخ، إنه يختزل كل شيء، الرمز، الأيقونة، العلامة، المبنى السينمائي، والمغزى السيميولوجي للمعنى، معنى أن نكون أوفياء، كلا الممثِلَيَّن كان وفياً لتاريخه، أنتوني كوين الاستثنائي الخارق، في دور شيخ الشهداء عمر المختار، والمبدع أوليفر ريد في دور السفاح جراتسياني...

اللقطة في بدايتها استفادت تماماً من الشعر، وهو ما أنوه له دائماً لطلابي، أن السينما إما أن تكون شعراً أو لا تكون، إن لم تكن شعراً، عليها على الأقل أن تستعير من الشعر، ومن البلاغة، نحن نستمع في هذا المشهد إلى صوت السلاسل بوضوح، قبل أن نراها تقيِّد أيدي وأرجل الأسد الشيخ، الذي بدأ يظهر تدريجياً في عمق الكادر يجره اثنان من جنود الاستعمار متلافين النظر في محياه خشية أن يرتبكان في الواقع وفي التمثيل...

الصورة تتدرج مع المؤثرات التي هي صوت لسلاسل حديدية مجرورة تقترب تدريجياً أيضاً، بالضبط استفاد العقاد من شوقي في رأيينا: (وأتى الأسير يجر ثقل حديده، أسداً يجرجر حية رقطاء).. ثم يُدخل الجنديان الأسير ويغلق الباب، ربما أمعن في وصف لقطة، لكنها ضرورية جداً، اللقطات بين العامة والمتوسطة والقريبة، والقريبة جداً للوجوه، جراتسياني يتلهى بالكتابة، والتوقيع المصطنع على وثائقه التي على الطاولة، حيث يغلب صوت الخربشات بالقلم الذي يتضامن في طغيانه مع الصورة، وعمر المختار الذي لايزال يجر ثقل حديده، يوقفه الجنديان ثم يذهبان.

لا أرى داعياً للحوار الذي دار بين الاثنين، لكن جراتسياني قال: "أنكم تدمرون مزارعنا"، يرد عمر المختار: "إنتم تزرعون أرضنا!.. ليبيا ليست بلدكم ولا حق لكم فيها، ولا في مرعى بقرة".. يرد جراتسياني: "أن كل الدول المستعمرة لا حق لها فيما استعمرت إلا نحن، لنا تاريخ في ليبيا".. ثم أعطاه العملة ليتأملها، وهكذا كان رد المختار حاسماً: "ستجردني من كل شيء وتريدني أن أبرر سرقاتكم؟"...

هل لأن القيصر مر من ليبيا؟.. ثمة الكثير من العملات المدفونة في أرضنا، ارضنا مقبرة غزاتها وعملاتهم، ثمة عملات كثيرة أخرى، تركية ويونانية وبونيقية، وغيرها، إن شئت زودتك بها.. (لا حق لأمة في احتلال أمة أخرى) وهنا الترميز لا يعود على ليبيا فقط، بقدر ما أنه يعالج القضية الفلسطينية بأسرها، تلك التي كانت مشتعلة إبان إنتاج الفيلم، خصوصاً حين قال جراتسياني: "لقد عدنا إلى هنا، هذا هو الواقع".. وسحب عملة تاريخية رومانية من الدرج وأعطاها للمختار، وبالمثل كان رد عمر المختار محترماً جداً، لكنه ساحقاً: "إن لهذه العملة ماض عريق، لكن لا أظنك تستطيع أن تشتري بها الكثير اليوم، أموالكم كأمجادكم ليست خالدة، لكنني أحترم ماضيكم وعليكم احترام ماضينا، نحن أيضاً لنا تاريخ وعلوم، رياضيات، طب، وهندسة،.. في قرون ظلامكم قدنا العالم في المعارف"...

كان ثمة حواراً تضمينياً، أيضاً في هذا المشهد، وكأنه يريد أن يقول: "هل فتوحاتنا بالعلم في إسبانيا مثلاً تبرر حقنا فيها؟.. بمعنى هل 800 عام تكفل وهل كانت اسبانيا لنا؟؟ وهكذا إلى أن يقترح عليه جراتسياني ترتيب استسلام رجاله، فيقول المختار: (نحن لا نستسلم، ننتصر أو نموت، وعليكم محاربة الجيل القادم والأجيال التي تليه).. "أما أنا فإن حياتي أطول من حياة شانقي".. فكان كلامه استشرافياً تنبؤياً، مات جراتسياني أقصر عمراً من عمر المختار، مات الأول مهزوماً سجيناً ملعوناً من التاريخ ومن المثقفين الطليان الذين ضاقوا ذرعاً من الحياة مع الأيديولوجية الفاشية ومن كل الحقبة بأسرها.

المختصر أن إيطاليا صديقتنا اليوم، ونحن نستمطر شآبيب الرحمة على أجدادنا من الشهداء الذين قاوموا الإستعمار، هي الأخرى تسعى إلى طي صفحة الماضي، أو نرجوا أن تفعل، كي تتقارب الشعوب لصالح أجيالها الجديدة من أجل العلم والتكنولوجيا والمصالح الطيبة المشتركة، في عالمنا اليوم المختلف تماماً في كل شيء.

د. نورالدين سعيد 

* بهذا الصدد راجع مقالنا، في نقد السينما الفاشية الجديدة، مجلة أكاديمية الدراسات العليا، 2013.

غومة | 24/09/2021 على الساعة 19:07
السينما والتاريخ…؟
السينما ليست تاريخ وانما ربما تعتمد في بعض الاحيان على التاريخ. السنيما فن وكاءي فن فلها الحق في الابداع وتوظيف الخيال من اجل اضافة التسلية التي هي عنصر هام وفعال في كل مجلات الفن بما فيها المروي. مشكلة الفن المريء مثل السينما في انها تختصر الموضوع في شخص واحد ،اي البطل. لا ادري من هو السابق افلام الكاوبوي او الفيلم الوثائقي مثل التاريخ. لكن الاثنين، استعملا البطل كمحور السرد المريء! قارن ذلك بلوحة بيكاسو عن الحرب الاهلية في اسبانيا، "قرنينقا". خلاصة القول ان فيلم عمر المختار لم يكن استثمار جيد ل٣٥ مليون دولار، الا اذا كان الهدف للتعريف به عالميا. فهو لا يحتاج للتعريف به داخليا. فكل تاريخ ليبيا الاستعماري الحديث مرتكز على شخصية عمر المختار. وهذا طبعا يعكس راي المنتصر، ادريس وقبايل برقة حيث تذكروا نضالهم ونسوا نضال الاخرين! غومة
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع